التحليل الجيني والأبيجيني الشامل في خطوة واحدة: تقنية النانوبر المعيار الذهبي المطور للتحليل الأبيجيني

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
شهدت أبحاث البيولوجيا الجزيئية وعلم الجينات قفزة نوعية مع التعمق في فهم “علم فوق الجينات” (Epigenetics)، حيث أدرك العلماء أن تسلسل القواعد النيتروجينية وحده لا يكفي لتفسير كافة الظواهر البيولوجية. فالتحويرات الأبيجينية، وفي مقدمتها ميثلة الحمض النووي (DNA/RNA methylation)، تلعب دوراً محورياً وحاسماً في تنظيم التعبير الجيني، وتوجيه التمايز الخلوي، والاستجابة للإجهادات البيئية والمستحثات المرضية.
في هذا الإطار التطويري المتسارع، أرست تقنية التسلسل الجيني عبر الثقوب النانوية (Oxford Nanopore Technologies) معياراً ذهبياً جديداً لقراءة التعديلات الأبيجينية؛ حيث أثبتت البيانات التقييمية الحديثة قدرة التقنية على الكشف المباشر عن التحويرات النيتروجينية مثل (5mC, 5hmC, 6mA, m6A) على مستوى النيوكليوتيدة الواحدة مباشرة من الحمض النووي الأصلي (Native DNA/RNA)، ودون الحاجة لمعاملات كيميائية مجهدة مثل المعاملة بالبيسولفيت (Bisulfite conversion) أو إجراء دورات تسلسل إضافية.
تُقدم هذه التقنية المتقدمة حلولاً متكاملة تجمع بين القراءة الوراثية والفوق جينية في اختبار واحد من خلال مزايا فريدة:
• الدقة الفائقة والأقل خطأً: تسجيل معدل إيجابي كاذب (False-positive rate) لا يتعدى 0.1% في تحديد 5mC، متفوقة بذلك على تقنيات القراءة القصيرة (Illumina) وتقنيات PacBio.
• القراءات الطويلة الشاملة (Long Reads): الكشف المباشر عن التباينات التركيبية (Structural Variants)، والتغيرات النقطية (SNVs)، والتكرارات المتسلسلة، مع تحديد الطور الوراثي (Phasing) والميثلة في جزيء واحد.
• تغطية كاملة لمواقع CpG: الوصول إلى المناطق الجينومية المعقدة وعالية التكرار التي كانت مستعصية على التقنيات التقليدية.
• القراءة المباشرة للـ RNA: كشف التحويرات الأبيجينية على مستوى النسخ المتكاملة (Isoforms) في جزيئات الحمض النووي الريبوزي مباشرة دون الحاجة للنسخ العكسي.
إن التوسع في استخدام منصات عالية الإنتاجية مثل (PromethION 24) مع أدوات التحليل المتقدمة (مثل EPI2ME) أتاح الانتقال من أبحاث العينات الفردية إلى الدراسات الجينومية الواسعة على مستوى الجمهرات والسكان، مما يسهم في فك أسرار الأمراض المعقدة والسرطانات والتنظيم الجيني بدقة غير مسبوقة.
إن هذه الثورة في التحليل الجيني والأبيجيني المزدوج تفتح آفاقاً واسعة ومباشرة لأبحاث دراسة الخلية النباتية والوراثة الزراعية. فالاستجابة الفسيولوجية للمحاصيل الحقلية الاستراتيجية أمام التغيرات المناخية—كالجفاف، والملوحة، والحرارة العالية—تعتمد بشكل وثيق على “الذاكرة الأبيجينية” وميثلة الجينات المسؤولة عن الصمود والتكيف.
وفي هذا الصدد، تتجلى تطبيقات هذه التقنية المعيارية في برنامجنا البحثي بقسم بحوث دراسة الخلية بمركز البحوث الزراعية عبر:
- فهم آليات التكيف المناخي: دراسة أنماط الميثلة 5mC و6mA في جينومات المحاصيل الحقلية تحت ظروف الإجهاد البيئي لمعرفة كيفية تنظيم التعبير الجيني ديناميكياً.
- الكشف عن التباينات الأبيجينية في زراعة الأنسجة: رصد التغيرات الفوق جينية الناتجة عن التباينات الخلوية (Somaclonal variation) أثناء تجديد النباتات حيوياً لضمان الثبات الوراثي والوظيفي.
- تسريع برامج التربية الدقيقة: دمج البيانات الجينومية والأبيجينية لاختيار السلالات والأصناف الأكثر كفاءة في الإنتاجية والمقاومة للأمراض دون الحاجة لتعديلات جينية معقدة.
إن الانتقال إلى تقنيات قراءة الجينوم والأبيجينوم معاً في إجراء واحد يمثل المستقبل الحقيقي لعلوم البيولوجيا الحديثة. والتكامل بين دقة التحليل الخلوي والتقنيات النانوية المتقدمة يُشكل الركيزة الأساسية لحماية وتطوير ثروتنا النباتية وتأمين المستهدفات الزراعية الوطنية بكفاءة واقتدار.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



