مرتبات أساتذة الجامعات والمراكز البحثية بين الإعلام والبرلمان.. أزمة لا تحتمل التأجيل

بقلم: د.أسامة بدير
أثار الإعلامي مصطفى بكري جدلاً واسعاً بعد تناوله مسألة تدني مرتبات أساتذة الجامعات والمراكز البحثية، وهو ملف شديد الحساسية والأهمية، لا يتعلق فقط بفئة مهنية بعينها، بل يمس جوهر منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر. وقد انقسمت الآراء بين من يرى أن طرح القضية في برنامج تلفزيوني خطوة إيجابية لتسليط الضوء على أزمة حقيقية، وبين من انتقد طريقة الطرح واعتبرها سطحية أو غير كافية لمعالجة ملف بهذه الخطورة.
ومن وجهة نظري، فإن أصل الفكرة التي طرحها بكري – بغض النظر عن طريقة العرض – هي فكرة صحيحة ومهمة للغاية، لأن أوضاع أساتذة الجامعات وأعضاء المراكز البحثية تمثل أحد الأعمدة الأساسية في بناء الدولة الحديثة. فلا يمكن الحديث عن تطوير تعليم أو بحث علمي أو حتى اقتصاد معرفي، بينما يعاني القائمون على هذا القطاع من ضغوط معيشية قد تؤثر على عطائهم واستقرارهم المهني.
لكن في المقابل، أتساءل: لماذا لم يتم طرح هذا الملف داخل البرلمان، خاصة وأن مصطفى بكري عضو فيه؟ فالبرلمان هو الجهة التشريعية والرقابية الأكثر تأثيراً، وصاحب القرار في تحويل مثل هذه القضايا إلى تشريعات وسياسات تنفيذية قابلة للتطبيق. أما طرح الموضوع في برنامج تلفزيوني محدود الوقت والجمهور، فلا يمكن أن يكون بديلًا عن النقاش المؤسسي العميق داخل قبة البرلمان أو عبر لجانه المتخصصة.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في إثارة الموضوع إعلامياً، بل في الاكتفاء بالإثارة دون الانتقال إلى مسار تشريعي أو تنفيذي واضح يعالج جذور المشكلة. فالقضايا الكبرى، خصوصاً المرتبطة بالتعليم والبحث العلمي، لا تحتمل الطرح السريع أو الانفعالي، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة وإرادة سياسية وتشريعية حقيقية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن أوضاع أساتذة الجامعات والمراكز البحثية تستحق وقفة جادة وإعادة نظر شاملة، بعيداً عن الجدل الإعلامي أو التناول السريع. فهؤلاء يشكلون العقل العلمي للدولة، وأي إضعاف لمكانتهم المادية أو المعنوية ينعكس مباشرة على جودة التعليم والبحث والإنتاج المعرفي.
إن تحسين دخول أساتذة الجامعات وأعضاء المراكز البحثية ليس ترفاً ولا مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية ملحة لضمان استمرار العملية التعليمية والبحثية بكفاءة. كما أنه شرط أساسي لتحقيق بيئة عمل مستقرة تحفظ لهم ولأسرهم حياة كريمة تليق بدورهم العلمي والمجتمعي.
وفي هذا السياق، تصبح زيادة المرتبات مطلباً حتمياً لا يمكن تأجيله، باعتباره أحد مفاتيح دعم الدولة في مسار التنمية الحقيقية. فاستثمار الدولة في عقول علمائها هو الاستثمار الأكثر عائداً والأطول أثراً، وهو ما يضمن استمرار الإنجاز والتقدم للأجيال القادمة.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


