رئيس التحرير

كارثة أخلاقية خلف درجات الثانوية العامة 2026

بقلم: د.أسامة بدير

لا أخفي أنني شعرت بغضب شديد وأنا أستمع إلى قصة روتها لي إحدى الصديقات عن واقعة – إذا صحت تفاصيلها – تكشف حجم الخلل الذي أصاب منظومة القيم لدى بعض الأسر. القصة تتحدث عن أم قررت أن تشتري لابنتها سماعة إلكترونية متطورة لاستخدامها في الغش خلال امتحانات الثانوية العامة، ثم خرجت الطالبة من التجربة بمجموع مرتفع. وهنا لا يكون السؤال: كيف نجحت؟ بل السؤال الأخطر: أي نوع من النجاح هذا الذي يبدأ بالخداع وينتهي بشهادة لا تعكس الحقيقة؟

وأنا أرى أن الجريمة الحقيقية في مثل هذه المواقف ليست في قطعة إلكترونية أو وسيلة غش، وإنما في عقلية ولي أمر قرر أن يهدم بيده ما يفترض أن يبنيه في شخصية ابنه. فالأم التي تساعد ابنتها على الغش لا تمنحها فرصة، كما قد تتوهم، بل تسلب منها أهم درس في الحياة: أن الإنسان يحصل على مكانته بجهده لا بحيله. والشاهد لي أن بعض الآباء أصبحوا ينظرون إلى المجموع وكأنه الغاية الوحيدة، حتى لو كان الثمن ضياع الضمير وتشويه معنى النجاح.

إنني أتساءل: ماذا تقول هذه الأم لابنتها بعد سنوات عندما تواجه موقفاً يحتاج إلى أمانة ومسؤولية؟ هل ستطلب منها أن تكون صادقة؟ وهل يمكن لمن علّمها أن تخدع في أهم اختبار دراسي أن يقنعها بعد ذلك بأن النزاهة هي الطريق الصحيح؟ يقيني أن التربية ليست كلمات تُقال، وإنما مواقف تُمارس، وأن الأب أو الأم الذي يغرس التحايل في نفوس أبنائه يشارك في صناعة مشكلة أكبر من مجرد مخالفة امتحان.

لكن الغضب لا يجب أن يتوقف عند الأسرة، فهناك مسؤولية لا تقل خطورة تقع على كل من يسمح بمرور هذه التجاوزات داخل اللجان. فإذا ثبت أن مراقبين أو مسؤولين تغاضوا عن استخدام وسائل الغش، فإن الأمر لا يمثل مجرد إهمال، بل اعتداء على حقوق آلاف الطلاب الذين دخلوا الامتحانات بقلوب صادقة، وسهروا الليالي من أجل الحصول على درجاتهم بعرقهم وجهدهم.

وأرى أن ما حدث – إذا ثبتت صحة هذه الوقائع – يفرض مراجعة شاملة لمنظومة امتحانات الثانوية العامة، لأن القضية ليست درجات طالب أو طالبة، وإنما مستقبل جيل كامل وثقة المجتمع في أهم شهادة تعليمية. يجب أن تكون هناك محاسبة حقيقية لكل مقصر، ومراجعة لأي نتائج تحيط بها شبهات، لأن العدالة بين الطلاب ليست رفاهية. فالوطن الذي يسمح بسرقة مجهود المجتهدين يرسل رسالة خطيرة لأبنائه، مفادها أن الطريق الأقصر قد يكون أهم من الطريق الصحيح، وهذه رسالة لا يمكن أن نقبل بها.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى