رأى

قلب الطاولة على الفطريات بالمحاكاة الجزيئية: استراتيجيات هجومية حديثة لتعزيز مقاومة محاصيل الحبوب

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

تتحدد خريطة الأمن الغذائي العالمي ومصائر المجتمعات عبر استقرار إنتاجية محاصيل الحبوب الاستراتيجية مثل الأرز، والقمح، والشعير، والدخن؛ إذ تمثل هذه المحاصيل النجيلية الركيزة الأساسية للتغذية اليومية لملايين البشر في شتى صورها الغذائية. غير أن هذه الثروة المحصولية تقف دومًا في مرمى التهديد الدائم من أعتى الممرضات الفطرية التي تلحق أضرارًا بالغة برقعة الإنتاج الزراعي من الحقل وحتى موائد المستهلكين.

وفي مقدمة هذه الخصوم الشرسة، يقبع الفطر الممرض (Magnaporthe oryzae)، المتسبب في مرض “بلاستر الأرز” (Rice Blast)، أي لفحة الأرز؛ وهو الوباء الذي يدمر سنويًا ما بين 10% إلى 30% من الحاصل العالمي للأرز، وهو ما يعادل القوت الحيوي لنحو 60 مليون إنسان. ولا تقف خطورة هذه العائلة الفطرية عند الأرز فحسب، بل تمتد سلالات متخصصة من فطر Magnaporthe لتهاجم محاصيل القمح، والشعير، والدخن اللؤلؤي، والعديد من النجيليات الحقلية.

وفي تحول علمي فارق، يستكشف باحثو هيئة البحوث الزراعية الأمريكية (ARS)، بالتعاون مع جهات بحثية دولية، آفاقًا جزيئية غير مسبوقة تُمكّن النباتات من “قلب الطاولة” على الفطريات عبر تقنية المحاكاة الجزيئية (Molecular Mimicry)؛ حيث تُعيد الخلايا النباتية تشكيل مستشعراتها ومستقبلاتها البروتينية الدفاعية للتمويه وتتبع بروتينات الفطر الإفرازية (Effector proteins)، مما يتيح للنبات التعرف المبكر والحيوي على الفطر الممرض وإحباط تسلله إلى الأنسجة الخلوية قبل استشرائه.

تتكشف أبعاد هذه الاستراتيجية الدفاعية المتقدمة عبر ثلاثة محاور جوهرية:

• فك شفرة البروتينات الإفرازية الفطرية: التحديد الدقيق للجزيئات والبروتينات التي يفرزها فطر البلاستر لتعطيل مناعة العائل النباتي واختراق الأغشية الخلوية.

• المحاكاة الجزيئية والمستقبلات الهجينة: الهندسة الوراثية للمستقبلات المناعية النباتية (NLR receptors) لتمثيل “أهداف وهمية” تحاكي نسيج النبات، مما يوقع الفطر في مصيدة الخداع الجزيئي ويطلق الاستجابة المناعية الفائقة HR.

• تطوير المقاومة واسعة الطيف (Broad-Spectrum Resistance): نقل وتطبيق استراتيجيات المحاكاة الجزيئية عبر عائلات المحاصيل النجيلية المختلفة لحماية القمح والشعير والدخن من أشكال الممرضات الشبيهة.

تتقاطع هذه الاستراتيجية الجزيئية المتقدمة بشكل مباشر وأصيل مع صلب تخصصنا ورؤيتنا في قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية؛ حيث يمثل الفهم الخلوي لآليات المناعة النباتية الذاتية والتفاعل المباشر بين العائل والممرض حجر الزاوية في بناء برامج التربية الوطنية لحماية المحاصيل الاستراتيجية في مصر.

وفي هذا الصدد، تتضح معالم الاستفادة والتطبيقات العملية لهذا التوجه الجزيئي في بيئتنا الوطنية عبر:

  1. التقييم الخلوي لسلالات القمح والأرز المحلية: التحرّي الميكروسكوبي الدقيق والجزيئي عن مستشعرات المقاومة الكامنة ضد الفطريات الممرضة لمرض اللفحة والبلاستر.
  2. توظيف التحرير الجيني الدقيق (CRISPR): هندسة مستقبلات المناعة الذاتية في خلايا محاصيلنا القومية لإكسابها خاصية المحاكاة الجزيئية والتعرف المبكر على الممرضات الفطرية.
  3. تسريع استنبات أصناف صامدة للأوبئة: دمج تقنيات البيولوجيا الجزيئية ونقل جينات المقاومة واسعة الطيف لتأمين السنابل والحقول القومية من الهجمات الفطرية المفاجئة تحت ظروف التغيرات المناخية.

إن التحول من استراتيجيات الدفاع التقليدية إلى الخداع والمحاكاة الجزيئية يمثل نقلة نوعية في علوم وراثة ومناعة النبات، ويكفل بناء حائط صد جيني مستدام يحمي محاصيلنا الحقلية الاستراتيجية ويصون الأمن الغذائي القومي.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى