رئيس التحرير

في معهد بحوث الإرشاد الزراعي.. شكراً لـ«حنان» و«أبوالسعود» و«رحاب»

بقلم: د.أسامة بدير

هناك مواقف إنسانية بسيطة في تفاصيلها، لكنها كبيرة في معناها، تبقى عالقة في الذاكرة لأنها تأتي في توقيت يحمل الكثير من المشاعر والتأملات. ومن هذه المواقف التي أسعدتني وأقدّرها كثيراً، تلك اللفتة الطيبة التي حظيت بها صباح اليوم، قبل نحو 60 يوماً من بلوغي سن التقاعد، والتي أكدت لي أن سنوات العمل لا تُقاس فقط بما أنجزناه من مهام، وإنما أيضاً بما تركناه من أثر طيب في نفوس من شاركونا رحلة العمل.

أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتورة حنان مكرم، الرئيس السابق لقسم بحوث المجتمع الريفي بمعهد بحوث الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية، وإلى الدكتور محمد أبوالسعود، رئيس قسم بحوث المجتمع الريفي بالمعهد، وكذلك الدكتورة رحاب رخا، وكيل المعهد لشؤون المحطات، على هذه اللفتة الكريمة التي كان لها وقع خاص في نفسي، والمتمثلة في منحي هدية قيمة بمناسبة اقتراب بلوغي سن التقاعد.

قد تبدو الهدية في ظاهرها شيئاً مادياً، لكن قيمتها الحقيقية بالنسبة لي تتجاوز قيمتها المادية بكثير؛ لأنها جاءت محملة بمشاعر التقدير والوفاء والاعتراف بسنوات من العمل والعطاء. وفي الحقيقة، أجمل ما في مثل هذه المواقف أن الإنسان يشعر أن جهده لم يذهب هباءً، وأن هناك من يتذكره ويقدر ما قدمه، حتى وإن كان ذلك بكلمة طيبة أو موقف إنساني صادق.

لقد كانت سنوات العمل داخل منظومة البحث والإرشاد الزراعي أكثر من مجرد وظيفة أؤديها يومياً؛ فقد كانت رحلة طويلة من التعلم والتجربة والتواصل مع الباحثين والمتخصصين والعاملين في القطاع الزراعي. وخلال هذه الرحلة، تعلمت أن العمل الحقيقي لا يصنعه المنصب وحده، وإنما يصنعه الإنسان بما يقدمه من جهد، وما يتركه من أثر، وما يحافظ عليه من علاقات قائمة على الاحترام والتقدير.

أما بلوغ سن التقاعد، في رأيي، فلا يعني نهاية الطريق أو التوقف عن العطاء، وإنما يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة من الحياة البحثية. فبعد نحو 60 يومًا، ومع بلوغي السن القانونية، سأنتقل إلى مرحلة التفرغ لمواصلة العمل البحثي، دون تولي مناصب إدارية، بما يتيح للباحث الاستمرار في ممارسة دوره العلمي والاستفادة من خبراته المتراكمة. وأؤمن أن الباحث الحقيقي لا يتوقف عطاؤه بانتهاء شغله الوظيفي، فالمعرفة والخبرة والقلم تظل أدوات فاعلة لخدمة البحث العلمي والزراعة المصرية، ما دام الإنسان قادرًا على العطاء.

وما يزيد هذه اللفتة قيمة ومكانة خاصة في نفسي أنها جاءت قبل بلوغي سن التقاعد بنحو 60 يوماً، وفي توقيت يفرض على الإنسان أن يتوقف قليلاً أمام سنوات عمره المهني، يستعيد خلالها محطات رحلة طويلة من العمل والعطاء، ويتأمل ما قدمه وما تركه من أثر، ومن كانوا شركاءه في هذه الرحلة. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون قيمة الموقف في الهدية ذاتها، بقدر ما تكمن في مشاعر التقدير والوفاء التي تحملها؛ فالكلمة الطيبة والمبادرة الصادقة قد تظل في الذاكرة طويلاً، وتكون أبلغ أثراً من كثير من عبارات التكريم الرسمية.

وأود أن أؤكد أن تقديري للدكتورة حنان مكرم والدكتور محمد أبوالسعود والدكتورة رحاب رخا لا يرتبط فقط بهذه الهدية، وإنما بما تمثله هذه المبادرة من قيمة إنسانية نفتقدها أحياناً وسط ضغوط العمل وتسارع الأيام. فالوفاء بين الزملاء ليس مجاملة عابرة، بل ثقافة يجب أن نحافظ عليها، لأنها تمنح بيئة العمل بعداً إنسانياً، وتجعل العلاقات المهنية أكثر احتراماً واستدامة.

وأنا إذ أستقبل هذه اللفتة الكريمة، أستعيد سنوات طويلة من العمل بكل ما حملته من تحديات ونجاحات وتعاون واختلاف وتجارب. وأدرك أكثر من أي وقت مضى أن أجمل ما يمكن أن يخرج به الإنسان من سنوات العمل ليس فقط ملفاً من الإنجازات، أو سنوات محسوبة في سجل الخدمة، وإنما محبة الناس واحترامهم وذكرى طيبة تظل حاضرة بعد انتهاء المهمة.

وفي النهاية، أقول للدكتورة حنان مكرم، والدكتور محمد أبوالسعود، والدكتورة رحاب رخا: شكراً من القلب على هذه اللفتة الكريمة التي أسعدتني وقدّرتها كثيراً، وشكراً لأنكم منحتم لحظة اقترابي من بلوغ سن التقاعد معنى مختلفاً؛ معنى يؤكد أن سنوات العمل قد تنتهي بانتهاء شغل الوظيفة وتولي المناصب، لكنها لا تنتهي في الذاكرة ولا يتوقف معها العطاء. سأظل أعتز بهذه الهدية، ليس لقيمتها المادية، وإنما لأنها جاءت في توقيت استثنائي وحملت رسالة أعمق من الهدية نفسها: أن ما نقدمه بإخلاص لا يضيع، وأن أثر الإنسان الحقيقي يبقى في القلوب. وبعد نحو 60 يوماً، ومع بلوغي سن التقاعد وانتقالي إلى مرحلة التفرغ لمواصلة العمل البحثي دون تولي مناصب إدارية، لن تكون هذه الخطوة نهاية لطموحي في خدمة الزراعة والإرشاد والبحث العلمي، وإنما بداية فصل جديد أواصل فيه العطاء بما أملك من خبرة وقلم، مؤمناً بأن الباحث يظل قادراً على خدمة وطنه ومجاله ما دام لديه علم يقدمه، وخبرة ينقلها، وإرادة لم تتوقف عن العطاء.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى