هموم الفلاحين

رسالة أستاذ إلى فخامة الرئيس دفاعاً عن أرض مركز البحوث الزراعية

بقلم: أ.د.عمر راضي شلبي

الأستاذ بمركز البحوث الزراعية ورئيس مجلس إدارة نادي أعضاء هيئة بحوث مركز البحوث الزراعية 2008ـ2023

رسالتي لفخامة الرئيس تجمع بين التأكيد على قدسية دور البحث العلمي الزراعي، وأهمية الحفاظ على أراضي التجارب التابعة لمركز البحوث الزراعية ومركز بحوث الصحراء وكليات الزراعة في جميع محافظات مصر المحروسة، والتقدير لجهود جهاز مستقبل مصر في دعم مصر وشعبها. ولكن نصيحتي للجميع من مسؤولين وفنيين: اعلموا أن أرض مركز البحوث الزراعية ليست مجرد مساحة، بل خط الدفاع الأول عن مستقبل هذا الوطن العريق، والأمن الغذائي، والاقتصاد القومي المصري.

في ظل التحديات العالمية المتسارعة التي تواجه الاقتصاد القومي والأمن الغذائي، من تغيرات مناخية ونقص المياه وارتفاع أسعار الغذاء واضطراب سلاسل الإمداد، أصبحت الدول القوية هي تلك التي تمتلك قدرة حقيقية على إنتاج غذائها وتطوير أصنافها الزراعية محليًا. ومن هنا تأتي القيمة الاستراتيجية الكبرى لمركز البحوث الزراعية، ذلك الصرح العلمي الوطني الذي يمثل العقل العلمي للزراعة المصرية، وحائط الصد الأول لحماية الأمن الغذائي والاقتصاد القومي.

إن الأراضي التابعة لمحطة البحوث الزراعية بالجيزة ليست مجرد أراضٍ زراعية يمكن تعويضها أو استبدالها، بل هي معامل حية مفتوحة تُجرى عليها أخطر وأدق التجارب العلمية لاستنباط السلالات والأصناف عالية الإنتاجية، والمقاومة للجفاف والملوحة والأمراض، والقادرة على مواجهة التغيرات المناخية التي تهدد مستقبل الزراعة في مصر والعالم.

هذه الأراضي شهدت، على مدار عقود، ميلاد أصناف القمح والأرز والذرة والقطن والخضر والفاكهة وغيرها، التي ساهمت في رفع الإنتاجية الزراعية المصرية، وتقليل الفجوة الغذائية، وتوفير مليارات الجنيهات للدولة عبر تقليل الاستيراد وزيادة كفاءة الإنتاج المحلي. وما تحقق من إنجازات زراعية في مصر لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة جهود أجيال متعاقبة من العلماء والباحثين الذين عملوا داخل تلك الحقول البحثية بإخلاص وتجرد.

ومن هنا، فإن أي استقطاع لأي جزء من أراضي التجارب التابعة لمركز البحوث الزراعية، أو لمحطات البحوث، أو قطاع الإنتاج، أو لمزارع كليات الزراعة، أو لأي مراكز بحوث متخصصة، مهما كان حجمه أو الهدف منه، يمثل مساسًا مباشرًا بالبنية التحتية للبحث العلمي الزراعي في مصر، ورسالة سلبية قد تُفهم – ولو بشكل غير مباشر – على أنها تقليل من قيمة البحث العلمي ودوره الوطني.

ومن المؤكد أن القائمين على جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يدركون، بحكم وطنيتهم وخبراتهم، أن التنمية الزراعية الحقيقية لا تقوم فقط على التوسع الأفقي واستصلاح الأراضي، وإنما تعتمد في الأساس على العلم والبحث والتطوير واستنباط الأصناف الحديثة ورفع كفاءة الإنتاجية. فكل فدان جديد يحتاج إلى عقل علمي يقوده، وكل مشروع قومي ناجح يحتاج إلى مؤسسة بحثية قوية تدعمه وتؤسسه على أسس علمية سليمة.

لقد تابع المصريون بإعجاب الجهود الكبيرة التي يبذلها جهاز مستقبل مصر، بالتعاون مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي وعلماء مركزي البحوث الزراعية والصحراء، في مجالات الزراعة والإنتاج والتصنيع الزراعي والتخزين والتداول، وهي جهود وطنية تستحق التقدير الكامل. كما أن التعاون القائم بين الجهاز ووزارة الزراعة والباحثين المتخصصين هو نموذج إيجابي للعمل الوطني المشترك من أجل خدمة مصر والمصريين.

لكن، في الوقت نفسه، فإن الحفاظ على أراضي البحث العلمي الزراعي يجب أن يكون مبدأً ثابتًا لا يقبل المساس أو الاستثناء، خاصة أن مصر تمتلك مساحات واسعة من الأراضي غير الصالحة للزراعة، يمكن استغلالها في مشروعات البناء والخدمات والمنشآت المختلفة، دون الاقتراب من الأراضي البحثية ذات الطبيعة العلمية الخاصة.

إن الحفاظ على محطة البحوث الزراعية بالجيزة ليس دفاعًا عن قطعة أرض، بل دفاع عن تاريخ علمي، وعن مستقبل أجيال، وعن قدرة الدولة المصرية على إنتاج غذائها بقرارها الوطني المستقل. فهذه الحقول ليست مجرد تربة، وإنما ذاكرة علمية تراكمية، ومختبرات إنتاج حقيقية، ومدارس لتخريج العلماء والخبراء، ومنصات لاستنباط المستقبل الزراعي لمصر.

كما أن الدولة المصرية، التي تُجرّم التعدي على الأراضي الزراعية حفاظًا على الرقعة الخضراء، أولى بها أن تمنح أراضي البحث العلمي أعلى درجات الحماية والرعاية، باعتبارها أراضي ذات طبيعة قومية واستراتيجية لا تقل أهمية عن أي منشأة سيادية أو اقتصادية كبرى.

إن المؤسسات لا تُضعفها التحديات، بل يتم تطويرها ودعمها وتعظيم قدراتها. وإذا كانت هناك حاجة لتطوير منظومة البحث العلمي الزراعي، فإن الحل يكون في زيادة التمويل، وتحديث المعامل، ودعم الباحثين، والتوسع في المحطات البحثية، وليس تقليص مساحاتها أو الانتقاص من أصولها العلمية والإنتاجية.

ومن هنا، فإن الرسالة الوطنية المأمولة اليوم من فخامة الرئيس هي صدور موقف واضح وحاسم يؤكد عدم المساس بأي أراضٍ تابعة للبحوث الزراعية على مستوى الجمهورية، سواء التابعة لمركز البحوث الزراعية أو مركز بحوث الصحراء أو كليات الزراعة، بل والعمل على دعمها وتعظيم الاستفادة منها باعتبارها استثمارًا مباشرًا في مستقبل مصر الغذائي والاقتصادي.

كلنا نعمل تحت راية الوطن، وكلنا شركاء في حماية مقدراته. والبحث العلمي ليس رفاهية، بل ضرورة وجود وبقاء للدول التي تسعى إلى الاستقلال والتنمية الحقيقية.

تحية تقدير لكل يد تزرع وتبحث وتنتج وتبني من أجل مصر وشعبها العريق.

وحفظ الله مصر شعبًا وقيادةً وعلمًا وزراعةً.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك. 

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى