دراسة جديدة تكشف سراً في الشيخوخة: هل يمكن استعادة شباب خلايا الجسم؟

إعداد: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
توصلت دراسة علمية حديثة إلى اكتشاف قد يفتح الباب أمام طرق جديدة لإبطاء آثار الشيخوخة، بعدما كشفت أن تراجع كفاءة محطات إنتاج الطاقة داخل الخلايا ليس أمرًا حتميًا، بل قد يكون من الممكن استعادة جزء من نشاطها عبر تعويض مادة دهنية تنخفض مستوياتها مع التقدم في العمر.
وأجرى الدراسة باحثون من معهد فريتز ليبمان (FLI) في ألمانيا، ونُشرت نتائجها في مجلة Nature Communications، حيث ركزت على فهم ما يحدث داخل الخلايا مع التقدم في السن، ولماذا تصبح أقل كفاءة وأكثر عرضة للإصابة بالأمراض.
محطات الطاقة داخل الخلايا تضعف مع العمر
تحتوي كل خلية في جسم الإنسان على تراكيب صغيرة تُعرف باسم الميتوكوندريا، وهي المسؤولة عن إنتاج الطاقة اللازمة لعمل الخلية؛ ولذلك تُعرف غالبًا باسم “محطات الطاقة” داخل الجسم.
وأظهرت الدراسة أن الميتوكوندريا تبدأ في فقدان كفاءتها تدريجيًا مع التقدم في العمر، ويرجع ذلك إلى انخفاض مستوى مركب دهني مهم يُسمى الفوسفاتيديل كولين (Phosphatidylcholine)، وهو أحد المكونات الأساسية للأغشية التي تحيط بالميتوكوندريا وتحافظ على سلامتها.
مادة دهنية قد تعيد الحيوية للخلايا
اعتمد الباحثون على تجارب أُجريت على الديدان المخبرية، إلى جانب تحليل خلايا وأنسجة بشرية، ولاحظوا أن مستويات الفوسفاتيديل كولين تنخفض تدريجيًا مع التقدم في العمر.
وعندما أضاف العلماء هذه المادة، أو مادة الكولين التي يحولها الجسم طبيعيًا إلى الفوسفاتيديل كولين، إلى غذاء الديدان، استعادت الميتوكوندريا جزءًا كبيرًا من نشاطها، وأصبحت أكثر مرونة وكفاءة، كما لو أنها عادت إلى حالة أكثر شبابًا.
لماذا يحدث هذا التراجع؟
أوضحت الدراسة أن إنتاج الفوسفاتيديل كولين يعتمد على مجموعة من البروتينات، لكن مع التقدم في العمر يقل إنتاج هذه البروتينات تدريجيًا، فتتراجع كمية المادة الدهنية اللازمة لبناء أغشية الميتوكوندريا.
ونتيجة لذلك، تصبح الميتوكوندريا أصغر حجمًا وأكثر تفتتًا، وتفقد قدرتها على الاندماج مع بعضها بعضًا، وهو أمر ضروري لتوزيع الطاقة بكفاءة داخل الخلية.
ويشبه الباحثون هذه العملية بشبكة كهرباء ضخمة تبدأ خطوطها في التلف تدريجيًا، فتبقى الكهرباء موجودة، لكنها تصل بكفاءة أقل، ولا تستطيع تلبية احتياجات المناطق المختلفة كما كانت من قبل.
ارتباط بأمراض الشيخوخة
تشير الدراسة إلى أن ضعف الميتوكوندريا يرتبط بعدد كبير من الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر، مثل السكري، والسمنة، وبعض أنواع السرطان، إضافة إلى الأمراض العصبية التنكسية، مثل مرض باركنسون.
كما أظهرت تحليلات الأنسجة البشرية أن انخفاض مستويات الفوسفاتيديل كولين كان أكثر شيوعًا لدى الأشخاص المصابين بالسكري أو السمنة، بينما ارتبطت المستويات المرتفعة منه بسرعة المشي الأفضل، وتحسن الذاكرة، وهما من العلامات التي تعكس شيخوخة أكثر صحة.
اختلاف واضح بين الرجال والنساء
لاحظ الباحثون أيضًا وجود اختلاف بين الجنسين في معدل انخفاض هذه المادة.
فبينما ينخفض مستوى الفوسفاتيديل كولين تدريجيًا لدى الرجال مع التقدم في العمر، يحدث الانخفاض بصورة أسرع لدى النساء، خاصة في الفترة المحيطة بسن انقطاع الطمث، وهو ما قد يفسر شعور كثير من النساء بانخفاض الطاقة والإرهاق المستمر خلال هذه المرحلة.
هل يمكن إبطاء الشيخوخة؟
يؤكد الباحثون أن انخفاض الفوسفاتيديل كولين ليس السبب الوحيد لشيخوخة الخلايا، لكنه يبدو أحد العوامل المهمة التي يمكن التدخل فيها مستقبلًا.
ورغم أن جسم الإنسان أكثر تعقيدًا من الديدان التي أُجريت عليها التجارب، فإن النتائج تمنح العلماء أملًا في تطوير استراتيجيات غذائية أو علاجية تساعد على الحفاظ على كفاءة الميتوكوندريا، وبالتالي تحسين الصحة مع التقدم في العمر.
ويخطط الفريق البحثي الآن لدراسة كيفية تأثير انخفاض هذه المادة على أغشية الميتوكوندريا على المستوى الجزيئي، أملًا في التوصل إلى وسائل جديدة للحد من تدهور الخلايا وتأخير ظهور الأمراض المرتبطة بالشيخوخة.
وتؤكد هذه النتائج أن الشيخوخة ليست عملية ثابتة لا يمكن التأثير عليها، بل إن فهم الآليات الدقيقة التي تحدث داخل الخلايا قد يفتح الطريق، مستقبلًا، لتطوير وسائل تساعد الإنسان على التمتع بصحة أفضل لفترة أطول.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



