رأى

رسالة إلى الرئيس.. لماذا لا تتكرر معجزة البرازيل الزراعية في مصر؟

بقلم: أ.د.عمر راضي شلبي

رئيس مجلس إدارة نادي أعضاء هيئة بحوث مركز البحوث الزراعية 2023/2008

رسالة محب لوطنه إلى فخامة الرئيس

اسمح لي أن أضع أمامكم، بكل الحب والأمل في غدٍ مشرق، لوطن أطعم العالم سنوات، وكان سلة غذاء العالم كله.

تجربة البرازيل مع Embrapa فعلًا هي ملهمة لرجالات مصر العظماء المحبين لوطنهم وشعبهم العريق.

هل تعلم أن البرازيل في السبعينيات كانت تستورد 70% من غذائها، وكان التضخم قد وصل إلى 100%، وعملتها تنهار بسرعة البرق، ووصلت الدولة إلى حد الإفلاس؟ فلجأ رئيسها إلى المؤسسة البرازيلية للبحوث الزراعية لوضع خطة لإنقاذ الأمن الغذائي والاقتصاد القومي وتطويرهما، وقد نجح علماؤها في إعادة البرازيل إلى سلة غذاء العالم، حتى تجاوزت صادراتها الزراعية 160 مليار دولار سنويًا. وكان السبب الرئيسي هو Embrapa – المؤسسة البرازيلية للبحوث الزراعية.

1- ماذا فعلت Embrapa وغيرت البرازيل؟

1. حولت منطقة السيرادو (Cerrado) إلى جنة خضراء، حيث كانت أرضًا قاحلة حامضية غير صالحة للزراعة، ومساحتها تفوق مساحة مصر عدة مرات.

اخترعت Embrapa تقنية تصحيح حموضة التربة بالجير، إلى جانب استنباط بذور فول صويا تتأقلم مع قصر النهار، وكانت النتيجة أن السيرادو أصبحت تنتج وحدها 60% من فول الصويا.

2. حققت استقلالًا بحثيًا بعيدًا عن السياسة، حيث منحها الرئيس حرية العمل البحثي دون قيود، وخصص لها ميزانية كبيرة ومحترمة، وصلت آنذاك إلى مليار دولار سنويًا للأبحاث العلمية، كما حررها من التبعية لأي وزارة، للتخلص من البيروقراطية.

3. قرر منح الباحث راتبًا مريحًا ماليًا حتى لا يهاجر إلى الجامعات الخاصة أو يسافر خارج البرازيل لتحسين وضعه المادي، وكان لديهم 2400 باحث، يحمل 85% منهم درجة الدكتوراه.

4. ربط البحث العلمي الزراعي بالسوق المحلي والعالمي، بحيث تتبنى أي تقنية جديدة وتصل إلى الفلاح خلال موسم زراعي واحد. وكان الباحث ينزل إلى الحقل، ويتابع عمله التطبيقي، ويرصد الإنتاجية بالأردب/فدان من خلال الأبحاث التطبيقية المنشورة.

5. عمل على تطوير تكنولوجيا تناسب المناخ الاستوائي البرازيلي، ولم يستورد أي تقنية من أمريكا أو أوروبا، بل طور تقنيات تتناسب مع درجات الحرارة والرطوبة والأمطار في البرازيل، ومنها:

  • الزراعة بدون حرث.
  • تكامل المحاصيل.
  • تكامل الثروة الحيوانية.
  • الغابات.

وهنا نطرح سؤالًا:

لماذا لا تُطبق هذه التجربة مع مركز البحوث الزراعية؟

يعلم الجميع أن مركز البحوث الزراعية في مصر هو أقدم وأكبر مركز بحثي في أفريقيا والشرق الأوسط، ويضم ما يقرب من 16 ألف باحث، و29 معهدًا ومعملًا مركزيًا، وأكثر من 40 محطة بحثية. أي إن البنية الأساسية موجودة ومتاحة، ولا تحتاج إلا إلى قرار جريء، فأين المشكلة؟

المشكلة أن لدينا خمس نقاط جاءت على عكس تجربة البرازيل:

  • منحت البرازيل Embrapa ميزانية قدرها مليار دولار سنويًا للأبحاث، أما ميزانية مركز البحوث الزراعية في مصر فلم تتجاوز 80 مليون جنيه مصري للأبحاث ومستلزماتها.
  • أصدر رئيس البرازيل قرارًا جمهوريًا بمنحها صفة الهيئة المستقلة، أما مركز البحوث الزراعية، فرئيسه بدرجة وزير، لكن وزير الزراعة واستصلاح الأراضي يترأس مجلس إدارته، مما يؤدي إلى بطء اتخاذ القرارات الحاسمة وفقًا لسياسة الدولة.
  • حُدد راتب الباحث في البرازيل بداية من 5000 دولار شهريًا، أما في مركز البحوث الزراعية في مصر، فيتراوح بين 6000 و18000 جنيه، مما يفتح الباب أمام الباحثين للسفر والهجرة خارج البلاد لتحسين أوضاعهم المادية.
  • في البرازيل، تم ربط العمل البحثي بالسوق، حيث يأتي 40% من ميزانية المؤسسة من عقود مع شركات خاصة، أما في مصر، فقد لا يوجد هذا الربط، وإن وجد فهو ضعيف جدًا، ومعظم الأبحاث التطبيقية تظل حبيسة الأدراج ولا ترى النور.
  • حُددت مهمة هيئة البحوث الزراعية في البرازيل بأنها “حل مشكلة الزراعة والفلاح”، مع متابعة قياس الإنتاج بالطن والدولار، أما في مصر، فقد اقتصرت المهمة على نشر الأبحاث اللازمة للترقية بعدد الأوراق العلمية، دون العناية بتطبيق ما يفيد الزراعة والفلاح.

إذن، ما المعوقات الحقيقية في مصر؟

  • التمويل: البحث العلمي كله في مصر يحصل على 0.7% من الناتج المحلي، بينما يحصل في البرازيل على 1.2%، لأنهم يعلمون أن التمويل هو الوقود الحقيقي للتنمية.
  • هجرة العقول: يسافر الباحث إلى الخليج أو أوروبا لأن الراتب هناك يعادل عشرة أضعاف ما يحصل عليه في مصر.
  • فجوة التنفيذ: يستنبط المركز أصنافًا جديدة ومتميزة من القمح والأرز والذرة، لكن وصولها إلى الفلاح قد يستغرق سبع سنوات، بينما لا يستغرق في البرازيل سوى سنة واحدة.
  • غياب الإرادة المركزية: في البرازيل كانت Embrapa مشروعًا بأمر مباشر من رئيس الجمهورية في السبعينيات، وكان هناك قرار دولة: “إما أن نأكل من أرضنا أو نجوع”. أما مصر، فلم تجعل الزراعة بعد مشروعًا قوميًا رقم (1) بالقوة نفسها التي تحظى بها مشروعات قومية أخرى.
  • تفتت الحيازة الزراعية: 85% من الأراضي الزراعية في مصر حيازاتها أقل من ثلاثة أفدنة، مما يصعب تطبيق التكنولوجيا على مساحات صغيرة، بينما يبلغ متوسط مساحة المزرعة في البرازيل 80 فدانًا.

وهنا لنا سؤال: هل هناك أمل؟

نعم، فالباحثون في مركز البحوث الزراعية، إذا أُتيحت لهم بيئة مالية ونفسية مستقلة، يستطيعون تحقيق النجاح، خاصة مع دعم الدولة في استصلاح وزراعة أراضٍ جديدة بتكنولوجيا حديثة.

استنبط مركز البحوث الزراعية أصنافًا عديدة من القمح، منها “مصر 3” و”سخا 95″، بإنتاجية تتجاوز 24 أردبًا للفدان. ولو عُممت هذه الأصناف بصورة صحيحة، يمكن لمصر أن تحقق الاكتفاء الذاتي من القمح خلال أعوام قليلة.

كما يعمل مركز بحوث الصحراء حاليًا على تحلية المياه والزراعة بدون تربة، على غرار التجربة البرازيلية.

الخلاصة:

تمتلك مصر العقول والبنية الأساسية، لكنها تحتاج إلى ثلاثة أمور من تجربة البرازيل:

  1. زيادة ميزانية مركز البحوث الزراعية بما لا يقل عن عشرة أضعاف، مع ضمان استقلاليتها.
  2. قرار سيادي بتبني مفهوم أن الأمن الغذائي هو أمن قومي، وأن يكون الباحث بطلًا قوميًّا، مع ربط البحث العلمي التطبيقي مباشرة بالفلاح والزراعة.
  3. إنشاء شركة مساهمة داخل المركز لتسويق ابتكارات علماء وباحثي المركز، ومنحهم نسبة من الأرباح.

إذا تحقق ذلك، فإن مركز البحوث الزراعية قادر على أن يجعل مصر مثل البرازيل، بل وأفضل منها، لما تمتلكه من ميزة الأرض الطينية ونهر النيل.

فخامة الرئيس، نرجو التفضل بإيلاء مركز البحوث الزراعية عناية خاصة، بوصفه الركيزة العلمية للأمن الغذائي والتنمية الزراعية والاقتصاد القومي في جمهورية مصر العربية، مع الحفاظ على أصوله وقدراته البحثية وتعزيز دوره الوطني. كما نأمل في مراجعة الأطر التشريعية المنظمة للعلاقة بين الجهات التنفيذية المعنية بالتنمية الزراعية، بما يضمن تكامل الأدوار وتجنب أي تداخل في الاختصاصات أو نقل للأصول قد يؤثر في أداء الهيئات البحثية العلمية والإرشادية. ونقترح أن يكون لمركز البحوث الزراعية دور قيادي واضح بين الهيئات المعنية بالزراعة، ورأي استشاري محوري نافذ في رسم السياسات والمشروعات الزراعية الكبرى، وأن تُسند القرارات الفنية إلى الكفاءات العلمية المتخصصة، تحقيقًا لأفضل عائد للاقتصاد القومي، وخدمةً لأهداف التنمية المستدامة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى