المرأة الريفية في قلب الزراعة المصرية.. قوة عمل صامتة ومحرك مهم للاقتصاد الوطني
روابط سريعة :-

كتبت: هند محمد في الحقول والمزارع ومشروعات التصنيع الغذائي، تؤدي المرأة الريفية المصرية دوراً يتجاوز حدود العمل الزراعي التقليدي، لتصبح شريكاً أساسياً في الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي ودعم دخل الأسرة والاقتصاد المحلي. ورغم أن جانباً كبيراً من هذا الدور لا يظهر بصورة كاملة في الإحصاءات الرسمية، فإن البيانات المتاحة تكشف حجم مساهمتها، في الوقت الذي تشير فيه أحدث المؤشرات إلى وجود فجوة كبيرة بين حجم مشاركة المرأة في العمل الزراعي وبين امتلاكها للأرض والموارد الإنتاجية.
وتكتسب القضية أهمية أكبر في ظل استمرار الوزن الاقتصادي للقطاع الزراعي؛ فوفق أحدث بيانات البنك الدولي، بلغت مساهمة الزراعة والغابات والصيد في الناتج المحلي الإجمالي لمصر نحو 16.6% عام 2025، بقيمة مضافة بلغت نحو 60.46 مليار دولار. كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 18% من إجمالي العمالة المصرية كانت تعمل في الزراعة عام 2025.
المرأة الريفية قوة عمل لا تظهر بالكامل في الأرقام
تأتي أهمية المرأة الريفية من كونها جزءاً رئيسياً من منظومة العمل الزراعي، بداية من الزراعة والخدمة والحصاد، مروراً بتربية الماشية والدواجن وإنتاج الألبان، وصولًا إلى التصنيع الغذائي وتجهيز المنتجات وتسويقها.
وتشير مصادر متخصصة إلى أن النساء يمثلن نحو نصف قوة العمل الزراعية في مصر، بينما تشير دراسة لـ«الفاو» إلى أن النساء يمثلن 5.72% فقط من إجمالي حائزي الأراضي الزراعية، وهو ما يعكس مفارقة واضحة بين المشاركة الفعلية في العمل الزراعي وبين امتلاك أحد أهم أصول الإنتاج.
وفي صعيد مصر تحديداً، تكشف بيانات متداولة عن حجم كبير لمشاركة النساء في عمليات الحصاد؛ إذ تشير إلى أن النساء ينفذن نحو 94% من أعمال الحصاد في صعيد مصر، مقابل نحو 67% في الوجه البحري، وهو مؤشر يعكس أهمية العمل النسائي في مراحل إنتاجية حاسمة داخل القطاع الزراعي.
مشاركة المرأة في قوة العمل
ولا يقتصر التحدي على القطاع الزراعي وحده؛ إذ أظهرت أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وفق نتائج بحث القوى العاملة لعام 2025، ارتفاع معدل مساهمة المرأة في قوة العمل إلى 20.7% مقابل 16.9% عام 2024، كما ارتفع معدل تشغيل النساء إلى 17.5% مقابل 14% في العام السابق، بينما انخفض معدل البطالة بين الإناث إلى 15.3% مقابل 17.1% عام 2024.
وتكشف هذه الأرقام عن تحسن نسبي في مشاركة المرأة اقتصاديًا، إلا أن الطريق ما زال طويلًا، خاصة في الريف حيث تتداخل الأعمال الزراعية مع الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة، ما يجعل جزءًا من العمل النسائي غير مدفوع الأجر أو غير مسجل بصورة دقيقة في إحصاءات سوق العمل.
من الحقل إلى مائدة الأسرة
لا تتوقف مساهمة المرأة الريفية عند إنتاج المحصول، وإنما تمتد إلى سلسلة القيمة الزراعية بأكملها. فهي تشارك في فرز المنتجات وتعبئتها وتجفيفها وتصنيعها منزليًا وإنتاج المخبوزات والمربات والأجبان وغيرها من المنتجات الغذائية، فضلاً عن تربية الحيوانات والطيور وإنتاج الألبان والبيض.
وهذه الأنشطة تمثل فرصة حقيقية لزيادة القيمة المضافة للمنتج الزراعي بدلًا من بيعه في صورته الأولية، كما توفر مصدر دخل إضافيًا للأسر الريفية وتدعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
وتؤكد تجربة حديثة مدعومة من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن أكثر من 1100 امرأة في مصر تلقين تدريبًا من خلال مدارس الأعمال الزراعية، وحققت المشاركات زيادة في الإنتاجية بنسبة 35% وارتفاعًا في الدخل بنسبة 10%، وهو نموذج يوضح أن الاستثمار في مهارات المرأة الريفية يمكن أن يتحول مباشرة إلى زيادة في الإنتاج والدخل.
فجوة كبيرة بين العمل وامتلاك الأرض
رغم حجم المشاركة في العمل الزراعي، لا تزال ملكية الأراضي الزراعية تمثل أحد أكبر التحديات أمام المرأة المصرية. ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، لا تتجاوز نسبة النساء من إجمالي حائزي الأراضي الزراعية 5.72%، بينما تشير بيانات أخرى إلى أن النساء يمتلكن نحو 5.2% من الأراضي الزراعية، ما يكشف محدودية وصول المرأة إلى أحد أهم عناصر الإنتاج الزراعي.
وهذه الفجوة لا تعني فقط ضعف الملكية، بل قد تنعكس على قدرة المرأة على الحصول على التمويل والائتمان والتكنولوجيا الحديثة والخدمات الإرشادية واتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والتسويق.
الريف المصري.. قاعدة اقتصادية واسعة
وتزداد أهمية المرأة الريفية بالنظر إلى الوزن السكاني للريف المصري؛ إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن سكان الريف شكلوا نحو 56.7% من إجمالي السكان في 2024.
ومن ثم، فإن تحسين الظروف الاقتصادية للمرأة في الريف لا ينعكس عليها وحدها، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع المحلي، من خلال زيادة الدخل، وتحسين الأمن الغذائي، ودعم الإنفاق على التعليم والصحة، وتوسيع قاعدة المشروعات الصغيرة.
كما أن تمكين المرأة اقتصاديًا يمكن أن يمثل أداة مهمة للحد من الفقر الريفي، خصوصًا مع ارتباط الزراعة بصورة مباشرة بسبل معيشة ملايين الأسر المصرية.
لماذا يجب الاستثمار في المرأة الريفية؟
الاستثمار في المرأة الريفية لا ينبغي النظر إليه باعتباره قضية اجتماعية فقط، وإنما باعتباره استثماراً اقتصادياً وزراعياً. فكل جنيه يوجه إلى التدريب والإرشاد والتمويل والتكنولوجيا قد يرفع قدرة المرأة على تحويل نشاطها من عمل تقليدي منخفض العائد إلى مشروع إنتاجي أكثر كفاءة وربحية.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تحسين وصول النساء إلى الموارد والخدمات الزراعية، بما في ذلك الأرض والتكنولوجيا والإرشاد والتمويل، يمثل عنصراً أساسياً لتعزيز الإنتاجية والقدرة على الصمود وتحقيق الأمن الغذائي. كما أن تجربة تدريب أكثر من 1100 امرأة في مصر، وما نتج عنها من زيادة في الإنتاجية بنسبة 35% والدخل بنسبة 10%، تقدم دليلًا عمليًا على العائد الاقتصادي للاستثمار في مهارات النساء.
التحدي المقبل.. من العاملة الزراعية إلى صاحبة المشروع
التحدي الحقيقي أمام السياسات الزراعية خلال السنوات المقبلة لا يتمثل فقط في زيادة مشاركة المرأة في العمل، وإنما في تحويل هذه المشاركة إلى ملكية ودخل مستدام وقدرة على اتخاذ القرار.
ويحتاج ذلك إلى توسيع برامج الإرشاد الزراعي الموجهة للنساء، وتسهيل حصولهن على التمويل، وتشجيع المشروعات الزراعية الصغيرة والتصنيع الغذائي، ودعم التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية، وتوفير التكنولوجيا التي تقلل الوقت والجهد، إلى جانب تعزيز الحماية الاجتماعية والتأمين للعاملات في الأنشطة الزراعية غير الرسمية.
وفي هذا السياق، تكتسب مبادرات تمكين المرأة الزراعية أهمية خاصة خلال 2026، الذي تحتفل فيه منظمة الأغذية والزراعة بالسنة الدولية للمزارعة، في وقت تسلط فيه المنظمة الضوء على نماذج لنساء مصريات من أسوان إلى البحيرة يساهمن في تغيير المجتمعات المحلية وبناء نظم زراعية وغذائية أكثر استدامة.
المرأة الريفية.. استثمار في مستقبل الزراعة المصرية
الأرقام تكشف بوضوح أن المرأة الريفية ليست عنصرًا هامشيًا في الاقتصاد الزراعي المصري؛ فهي قوة عاملة، ومنتجة للغذاء، ومربية للثروة الحيوانية، ومساهمة في التصنيع والتسويق، وشريك أساسي في استقرار الأسرة الريفية.
لكن المفارقة تكمن في أن حجم مساهمتها في العمل لا يزال أكبر بكثير من نصيبها في ملكية الأرض والموارد الإنتاجية. ومن هنا فإن تمكين المرأة الريفية ليس مجرد إنصاف اجتماعي، بل سياسة اقتصادية يمكن أن تزيد الإنتاجية والدخل وتدعم الأمن الغذائي وتخلق فرص عمل جديدة.
وبينما تساهم الزراعة والغابات والصيد بنحو 16.6% من الناتج المحلي الإجمالي وفق بيانات 2025، فإن رفع كفاءة ملايين النساء المشاركات بصورة مباشرة أو غير مباشرة في هذا القطاع يمكن أن يمثل أحد المسارات المهمة لتعظيم القيمة المضافة للزراعة المصرية ودعم الاقتصاد الوطني.
الخلاصة: المرأة الريفية المصرية تعمل بالفعل داخل قلب الاقتصاد الزراعي، والسؤال لم يعد هل تشارك في الإنتاج، وإنما كيف تتحول هذه المشاركة الكبيرة إلى ملكية أكبر، ودخل أعلى، وتمويل أفضل، وتكنولوجيا حديثة، ومشروعات أكثر قدرة على المنافسة. هنا تحديدًا يمكن أن تتحول المرأة الريفية من قوة عمل صامتة إلى قوة اقتصادية أكثر تأثيراً في مستقبل الزراعة المصرية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



