المحاصيل الحقلية الاستراتيجية ودور مربي النبات في تحقيق الأمن الغذائي

بقلم: أ.د.خالد فتحي سالم
أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بكلية التكنولوجيا الحيوية – جامعة مدينة السادات
عندما نتحدث عن الزراعة والأمن الغذائي، يجب أن نولي اهتمامًا أكبر بالمحاصيل الحقلية الاستراتيجية التي توجد على مائدة المواطن بشكل يومي، مثل الأرز والقمح والذرة والبقوليات وغيرها. وفي هذا السياق، أرى أنه من الإنصاف أيضًا أن نسلط الضوء على الدور الحقيقي لمربي النبات، الذي يعمل لسنوات طويلة في صمت من أجل استنباط أصناف جديدة وأكثر إنتاجية وكفاءة وقدرة على التكيف مع الظروف البيئية المختلفة.
وقد عايشت هذا الدور بصورة مباشرة خلال عملي في البرنامج القومي لتربية الأرز المصري. فقد شاركت في برامج استنباط وتحسين أصناف الأرز بهدف تقصير مدة النمو ورفع الإنتاجية؛ حيث تم الوصول إلى أصناف يمكن أن تنضج في نحو 120 يومًا بدلًا من 165 يومًا، مع إمكانية تحقيق إنتاجية تتراوح بين 4–6 أطنان للهكتار مقارنة بنحو طنين للهكتار في بعض المواد الوراثية التقليدية. وهذه الأرقام لا تمثل مجرد تحسينات وراثية على الورق، وإنما تعني تقليل مدة بقاء المحصول في الأرض، وترشيد استخدام الموارد، وزيادة الإنتاجية، ورفع كفاءة وحدة الأرض والمياه.
ولعل تجربتي خلال دراسة الماجستير في تربية الأرز تعكس بصورة أوضح حجم العمل الذي يقوم به مربي النبات. فقد كان لدي تركيب وراثي مستورد من المعهد الدولي للأرز IRRI في الفلبين، استطاع إنتاج نحو 500 حبة، في حين كانت الأصناف المصرية المستخدمة في المقارنة تنتج في حدود 100 إلى 200 حبة. بالنسبة للمتخصص، فإن هذه الفروق تمثل قيمة وراثية وإمكانية كبيرة للتحسين؛ ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يدرك المواطن العادي حجم الجهد العلمي والسنوات الطويلة من البحث والانتخاب والتقييم التي يقف خلفها الصنف الذي يصل في النهاية إلى مائدته؟
مربي النبات لا يعمل فقط على زيادة عدد الحبوب أو وزن المحصول، وإنما يعمل على بناء منظومة متكاملة من الصفات: الإنتاجية، والتبكير، وجودة الحبوب، ومقاومة الأمراض والآفات، وتحمل الجفاف والملوحة والحرارة، وكفاءة استخدام المياه والأسمدة، وثبات الأداء عبر البيئات المختلفة. وغالبًا ما تحتاج عملية استنباط الصنف الواحد إلى سنوات طويلة من العمل المتواصل والانتخاب والتقييم قبل أن يصبح صالحًا للتسجيل والزراعة التجارية.
ومن هنا، فإن مربي النبات يستحق أن يكون في مقدمة المشهد عندما نتحدث عن الأمن الغذائي، وليس أن يظل دوره بعيدًا عن اهتمام المجتمع. فالغذاء الذي يصل إلى مائدة المواطن ليس نتاج المزارع وحده، ولا التكنولوجيا وحدها، وإنما هو نتيجة سلسلة علمية متكاملة تبدأ من المادة الوراثية ومربي النبات، وتمتد إلى البحوث والتقنيات الزراعية والإنتاج والتصنيع والتسويق.
أما رحلتي العلمية، فلم تتوقف عند تربية الأرز. فقد انتقلت بعد ذلك إلى جامعة المنوفية، حيث تخصصت في مجال كنت أؤمن منذ ذلك الوقت بأنه يمثل مستقبل تطوير الإنتاج الزراعي، وهو الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية. وفي تسعينيات القرن الماضي، عُينت معيدًا في مجال بيوتكنولوجيا المحاصيل، في وقت كانت فيه الهندسة الوراثية في مصر لا تزال في بداياتها، وتخطو خطواتها الأولى مثل طفل يتعلم المشي.
كانت تلك الفترة مختلفة تمامًا عن واقع التكنولوجيا الحيوية اليوم. كانت الإمكانات محدودة، والتقنيات في طور التطور، والبنية البحثية لا تزال تتشكل. ومع ذلك، كان لدينا إيمان بأن التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية ستصبحان من أهم الأدوات التي ستغير مستقبل تحسين المحاصيل. وواصلت رحلتي الأكاديمية والبحثية حتى حصلت على الدكتوراه في ألمانيا في مجال الهندسة الوراثية، وهو ما أتاح لي رؤية مختلفة لطبيعة البحث الزراعي المتقدم وأهمية دمج تربية النبات التقليدية مع التقنيات الجزيئية والهندسة الوراثية.
ومن خلال تجربتي في مصر وألمانيا، أدركت بصورة أكثر وضوحًا أن الدول التي تنظر بجدية إلى مستقبل الأمن الغذائي لا تتعامل مع المحاصيل الحقلية باعتبارها مجرد محاصيل تقليدية، وإنما تعتبرها أصولًا استراتيجية وأمنًا قوميًّا وغذاءً للمستقبل. ولذلك تحظى برامج تربية القمح والأرز والذرة وغيرها من المحاصيل الاستراتيجية باهتمام كبير، إلى جانب الاستثمار في الموارد الوراثية والجينوميات والهندسة الوراثية والتحرير الجيني.
واليوم، ونحن نتحدث عن CRISPR وتحرير الجينوم والذكاء الاصطناعي والتربية الجينومية، يجب ألا ننسى أن الأساس الذي بُنيت عليه هذه التقنيات هو العمل الطويل لمربي النبات الذي جمع ووصف وانتخب وقيم المادة الوراثية عبر عقود. التكنولوجيا الحديثة لا تلغي دور مربي النبات، بل تمنحه أدوات أكثر قوة ودقة وسرعة.
لذلك، إذا أردنا أن نكون منصفين، فعلينا أن نعيد النظر في الصورة التي نقدمها للمجتمع عن الزراعة. فخلف كل صنف ناجح يوجد مربٍ وباحث وفريق علمي وسنوات من العمل والانتخاب والتجارب. وربما لا يعرف المواطن اسم مربي النبات الذي ساهم في إنتاج الغذاء الموجود على مائدته، لكنه يستفيد كل يوم من نتائج عمله.
إن إطعام الشعوب لا يبدأ عند المائدة، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة داخل معامل تربية النبات وحقول التجارب وبنوك الموارد الوراثية. ومربي النبات هو أحد الجنود الحقيقيين في هذه المعركة، حتى وإن ظل اسمه في كثير من الأحيان بعيدًا عن الأضواء.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



