رأى

التعليم في مصر بين القيمة المفقودة والرمزية السائدة: هل ما زال ضماناً للمستقبل؟

بقلم: أ.د.أشرف سليمان

أستاذ الاجتماع الريفي والتنمية الريفية بمركز البحوث الزراعية وأستاذ الأمن الغذائي والسياسات الزراعية بجامعة كيوتو باليابان سابقاً

لا يكاد يختلف اثنان على أن التعليم هو البوابة الأوسع إلى المعرفة، وهو الأداة التي يكتشف بها الإنسان العالم ويعيد تشكيله. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بأهمية التعليم في ذاته، بل بمكانته الفعلية في الوعي الاجتماعي وفي منظومة القيم السائدة. فهل لا يزال التعليم يمثل قيمة حقيقية وفاعلة في المجتمع المصري، أم تحول إلى مجرد شعار يتردد دون أن ينعكس في السلوك والاختيارات والأولويات؟

التعليم بوصفه رافعة للحراك الاجتماعي

في خمسينيات وستينيات القرن العشرين اكتسب التعليم مكانة مركزية في المشروع الوطني المصري. فقد ارتبط بسياسات التوسع في مجانية التعليم، وبفكرة تكافؤ الفرص، وبصعود الطبقة الوسطى التي وجدت في الشهادة التعليمية طريقًا مشروعًا للترقي الاجتماعي. آنذاك كان الالتحاق بالجامعة حدثًا عائليًا فارقًا، وكانت الوظيفة الحكومية المستندة إلى المؤهل تمثل استقرارًا ومكانة وهيبة.

وفي تلك المرحلة تجسد المعلم في صورة القدوة والرمز، وتكرست مكانته في الخيال الجمعي من خلال مقولات وأشعار رسخت قيمة المعرفة، مثل البيت الشهير لأحمد شوقي: «قم للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا». لم يكن ذلك مجرد خطاب إنشائي، بل تعبيرًا عن تصور اجتماعي يرى في التعليم أداة للتحرر الفردي والجماعي، ووسيلة لبناء الدولة الحديثة.

التحول من التعليم إلى «الفرصة البديلة»

مع التحولات الاقتصادية التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي، وخصوصًا مع سياسة الانفتاح، تغيرت بنية الحراك الاجتماعي. لم يعد التعليم وحده هو المسار الصاعد، بل ظهرت مسارات بديلة أكثر سرعة وربحية، في مقدمتها الهجرة إلى دول الخليج التي شهدت طفرة نفطية واسعة. وأصبح النجاح يقاس بحجم الدخل لا بنوعية المعرفة.

في هذا السياق تراجع الوزن الرمزي للتعليم، وبدأت قيم أخرى في الصعود، على رأسها ما أطلق عليه المفكر التربوي حامد عمار «ثقافة الفهلوة»، أي الاعتماد على المهارة الفردية في التحايل والالتفاف بدلًا من الالتزام بقواعد الجهد العلمي والتراكم المعرفي. لم يعد التفوق الدراسي ضمانة أكيدة للارتقاء، ولم تعد الشهادة وحدها كافية لتحقيق الطموح الاقتصادي.

«الجنيه غلب الكارنيه»

في العقود التالية ترسخ هذا التحول، وتكرست مقولة شعبية معبرة: «الجنيه غلب الكارنيه»، أي أن العائد المادي أصبح يتفوق على القيمة الاعتبارية للمؤهل. في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات كان لا يزال لأساتذة الجامعات قدر من الهيبة الاجتماعية، حتى إن بعض الفئات المهنية الأخرى كانت تطالب بالمساواة بهم في الامتيازات، إدراكًا لمكانتهم العلمية.

أما اليوم فقد تبدلت الصورة إلى حد بعيد. كثير من أعضاء هيئة التدريس يواجهون ضغوطًا اقتصادية قاسية، تدفع بعضهم إلى الاعتماد المكثف على الدروس الخصوصية أو المذكرات المختصرة، أو الانخراط في أعمال إضافية لا تمت بصلة مباشرة إلى البحث العلمي. وفي ظل هذا الواقع تتأثر جودة العملية التعليمية نفسها، لأن التعليم لا ينفصل عن شروطه المادية ولا عن كرامة القائمين عليه.

ولا يختلف الوضع كثيرًا في عدد من المراكز البحثية، حيث تتحول الوظيفة البحثية أحيانًا إلى عمل بيروقراطي روتيني يغلب عليه منطق الحضور والانصراف وإنتاج تقارير شكلية، بدلًا من الانخراط في مشروعات بحثية أصيلة ذات أثر معرفي حقيقي. وهكذا تتآكل الحلقة التي يفترض أن تربط بين تعليم قوي وبحث علمي رصين وتنمية مستدامة.

أثر تراجع التعليم على البحث العلمي

إن البحث العلمي لا ينشأ في فراغ، بل يستند إلى قاعدة تعليمية صلبة تبدأ من المدرسة. فإذا ضعفت مهارات القراءة النقدية والتحليل والقدرة على طرح الأسئلة، فإن الجامعة تتلقى طلابًا محدودي الأدوات، ويصبح أقصى الطموح هو اجتياز الامتحان لا إنتاج معرفة جديدة. ومن ثم يتراجع الإبداع العلمي، ويتحول البحث إلى تكرار أو تجميع.

كما أن تحويل التعليم إلى سلعة خاضعة بالكامل لمنطق الربح يهدد جوهره بوصفه خدمة عامة ذات بعد مجتمعي. فالرأسمال، خصوصًا حين يكون قصير النظر، ينزع إلى الاستثمار فيما يدر عائدًا سريعًا، لا فيما يبني إنسانًا ناقدًا قادرًا على مساءلة الواقع. وهنا تكمن المفارقة، لأن المجتمع الذي يضعف فيه التعليم يضعف فيه أيضًا الابتكار والإنتاج طويل المدى.

واقعة دالة من الحياة اليومية

من التجليات اللافتة لهذا التحول في سلم الأولويات ما شهدته إحدى المناطق السكنية الحديثة نسبيًا، حين تقرر إنشاء مدرسة ثانوية في نطاقها. ما إن بدأ تنفيذ الأساسات الخرسانية حتى اندلعت اعتراضات واسعة من بعض السكان، بدعوى أن وجود مدرسة سيؤدي إلى ازدحام أو «تغيير طابع المنطقة الراقية».

المفارقة أن الاعتراض اشتد حين تردد أنها مدرسة ثانوية فنية، وكأن التعليم الفني وصمة لا تليق بالحي، ثم خف التوتر قليلًا بعد التأكيد أنها ثانوية عامة. في الحالتين تكشف الواقعة عن تصور طبقي للتعليم، وعن نظرة ترى المدرسة عبئًا عمرانيًا لا قيمة مجتمعية.

واللافت كذلك أن بعض المعترضين كانوا من حملة ألقاب علمية ومهنية مرموقة. وهذا يعكس أن الأزمة لا تتعلق بالأمية، بل بخلل في ترتيب الأولويات وفي إدراك الدور المجتمعي للمؤسسة التعليمية. فالمدرسة ليست مجرد مبنى، بل فضاء لتشكيل الوعي وإعداد الأجيال.

وتتبدى هنا مفارقة الأولويات؛ ففي الوقت ذاته شهدت المنطقة حماسًا كبيرًا للتبرع لبناء مسجد جديد، رغم أن الأحياء المحيطة تضم عددًا وافرًا من المساجد المتقاربة جغرافيًا. لا خلاف على القيمة الروحية لدور العبادة، لكن المقارنة بين رد الفعلين تكشف عن اختلال في ترتيب الأولويات. فبناء مدرسة، في سياق يعاني من كثافة الفصول ونقص المؤسسات التعليمية، ينبغي أن يعد استثمارًا في المستقبل لا تهديدًا للمكانة الاجتماعية.

هذا الاختلال يعبر عن تراجع موضوعي في قيمة التعليم، وعن صعود نزعة شكلية تفضل المظهر الديني أو الرمزي على البناء المعرفي طويل الأمد. وقد كان الوعي الشعبي المصري يعبر قديمًا عن حكمة عملية في المثل القائل: «اللي يعوزه البيت يحرم على الجامع»، أي أن تلبية الاحتياجات الأساسية مقدمة على الإنفاق في غير موضع الضرورة.

إن أزمة التعليم في مصر ليست مجرد أزمة مناهج أو أبنية مدرسية، بل أزمة قيمة ومكانة. حين يفقد التعليم قدرته على ضمان حراك اجتماعي عادل، وحين يتراجع احترام المعلم، وحين تتحول الشهادة إلى ورقة بلا مضمون، فإن المجتمع بأسره يدفع الثمن.

إن إعادة الاعتبار للتعليم تتطلب رؤية شاملة تعيد ربطه بالتنمية وبالعدالة الاجتماعية، وتحسن أوضاع القائمين عليه، وتغرس في الوعي العام أن المدرسة ليست عبئًا بل ركيزة، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في الإسمنت وحده بل في العقول. فالمجتمع الذي يختل فيه ميزان الأولويات، ويقدم ما هو رمزي أو استهلاكي على ما هو معرفي، يغامر بمستقبله، مهما بدا حاضره مزدهرًا.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى