الإنتاج الحيواني المستدام: تحديات واتجاهات مستقبلية

بقلم: أ.د.عبدالمنعم صدقي
أستاذ بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني – مركز البحوث الزراعية
لقد أصبح الإنتاج الحيواني اليوم من أهم القضايا التي تشغل الباحثين وصنّاع القرار على مستوى العالم، إذ لم يعد مجرد نشاط تقليدي يهدف إلى توفير اللحوم والألبان والبيض والجلود، بل أصبح يرتبط بشكل وثيق بالأمن الغذائي والصحة العامة والاستدامة البيئية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومع تزايد عدد السكان عالميًا وتنامي الطلب على المنتجات الحيوانية، يواجه هذا القطاع تحديات غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام ابتكارات علمية وتقنية يمكن أن تغيّر وجهه في المستقبل القريب.
أحد أبرز التحديات يتمثل في تغيّر المناخ، الذي يؤثر بصورة مباشرة على الإنتاج الحيواني من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الجفاف ونقص المراعي الطبيعية. كما أنّ الحيوانات نفسها، وخاصة المجترات، تسهم في انبعاث غازات الاحتباس الحراري مثل الميثان، الأمر الذي يجعل هذا القطاع جزءًا من المشكلة البيئية وفي الوقت ذاته جزءًا من الحل إذا ما تم تطوير استراتيجيات للحد من الانبعاثات. وهنا تبرز أهمية إدارة المراعي والموارد الطبيعية بطرق تقلل من الضغط البيئي، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتدعم التوازن بين الإنتاجية وحماية البيئة.
التحدي الآخر يرتبط باستخدام المضادات الحيوية في الإنتاج الحيواني، والذي أدى إلى ظهور سلالات من البكتيريا المقاومة للعلاج. هذا الأمر يُعَد تهديدًا عالميًا للصحة العامة، ويستدعي إعادة النظر في سياسات العلاج البيطري، وتعزيز الممارسات الوقائية والرعاية الصحية للحيوان بدلاً من الاعتماد المفرط على الأدوية. ومن ناحية أخرى، فإن تغذية الحيوان تمثل قضية مركزية، حيث تزداد المنافسة بين الإنسان والحيوان على الحبوب كمصدر غذائي، مما يفرض ضرورة البحث عن بدائل مثل الأعلاف غير التقليدية والمخلفات الزراعية المعالجة والطحالب الدقيقة وحتى الحشرات كمصدر بروتيني بديل.
كما أن الحفاظ على التنوع الوراثي في الحيوانات يعد ركيزة أساسية لضمان استدامة الإنتاج الحيواني، إذ أن الاعتماد على سلالات محدودة عالية الإنتاجية يجعل القطاع أكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية والأوبئة. من هنا يأتي الاهتمام ببرامج الانتخاب الوراثي والتربية المتقدمة، وكذلك تقنيات التجميد وحفظ الأجنة والسائل المنوي لضمان صون الموارد الوراثية للأجيال القادمة.
ازدادت في السنوات الأخيرة أهمية الرفق بالحيوان، حيث أصبح المستهلك أكثر وعيًا بحالة الحيوان الذي يأتي منه الغذاء. وبالتالي، فإن تحسين أوضاع التربية من حيث المسكن، والتهوية، والتغذية، والتعامل الإنساني مع الحيوان، لم يعد مجرد مطلب أخلاقي، بل أصبح ميزة تسويقية للمنتجات الحيوانية في الأسواق المحلية والعالمية.
يفتح التطور التكنولوجي آفاقًا واسعة أمام هذا القطاع، فالزراعة الرقمية أصبحت تدخل بقوة في نظم الإنتاج الحيواني من خلال استخدام أجهزة الاستشعار والكاميرات الذكية والذكاء الاصطناعي لمتابعة صحة الحيوان وسلوكه وإنتاجيته بشكل لحظي. هذه التقنيات تساعد المربين على التدخل المبكر عند ظهور مؤشرات المرض، وتحسن من كفاءة التغذية، وتقلل من الفاقد. كما أن الروث الحيواني، الذي كان يمثل عبئًا بيئيًا، بدأ يتحول إلى مصدر للطاقة المتجددة والسماد العضوي، بما يعزز من الاقتصاد ويحقق فائدة مزدوجة بيئية واقتصادية.
أما من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الإنتاج الحيواني يمثل مصدر دخل رئيسي لملايين الأسر في الريف، خاصة في الدول النامية. النساء على وجه الخصوص لهن دور محوري في تربية الدواجن الصغيرة والحيوانات المنزلية، ما يجعل دعمهن وتمكينهن جزءًا أساسيًا من تنمية هذا القطاع. كما أن تبني الممارسات المستدامة يمكن أن يحسن من دخل المزارعين ويخلق فرص عمل جديدة في مجالات التصنيع والتسويق والخدمات البيطرية.
وفي المستقبل، يتجه الإنتاج الحيواني نحو نماذج أكثر تكاملاً تجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني في نظم زراعية مختلطة تحقق أقصى استفادة من الموارد وتقلل الفاقد. كما يجري العمل على تطوير أعلاف وإضافات تقلل من إنتاج الميثان في الحيوانات المجترة، مما يساهم في خفض البصمة الكربونية. ومع تزايد الوعي المجتمعي، تبرز الحاجة إلى تشريعات حكومية واستراتيجيات وطنية تشجع على تبني نظم إنتاج منخفضة الانبعاثات وصديقة للبيئة، مع توفير الدعم الفني والمالي للمزارعين.
إن الإنتاج الحيواني يقف اليوم عند مفترق طرق، فهو يواجه ضغوطًا هائلة من أجل مواكبة الطلب العالمي على الغذاء، وفي الوقت ذاته مطالب بأن يكون أكثر استدامة ومسؤولية. المستقبل سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الباحثين والمربين وصنّاع السياسات على تبني الابتكار العلمي وإعادة هيكلة هذا القطاع بما يوازن بين الإنتاجية وحماية البيئة وصحة الإنسان ورفاهية الحيوان.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


