رأى

البعد النفسي والعاطفي في مواجهة التغيرات المناخية: نحو خطاب علمي يجمع بين الحقائق والوجدان

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية – معهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

تتوافق المجتمعات العلمية اليوم على أن حماية كوكب الأرض والحد من تداعيات التغيرات المناخية يمثلان معركة وجودية تتطلب تعبئة كافة الطاقات البشرية. وعلى الرغم من تراكم الحقائق والأرقام العلمية الدقيقة حول الاحتباس الحراري، إلا أن الاعتماد الصارم على الخطاب العقلاني الجاف أثبت عدم كفايته بمفرده في إحداث تغيير سلوكي ملموس لدى الأفراد والمجتمعات.

تأكيدًا لهذا الطرح، كشفت مراجعة بحثية شاملة لـ71 دراسة نُشرت في دورية (Journal of Environmental Psychology)، وأشارت إليها مجلة (Nature)، عن أن الخطاب التوعوي الذي يخاطب المشاعر والوجدان أكثر نجاعة وتأثيرًا في التشجيع على العمل البيئي مقارنة بالسرد العلمي المجرد. وأوضحت الدراسة أن التركيز على إشعار الأفراد بالذنب أو تحميلهم المسؤولية الفردية لم يحقق أثرًا يُذكر، بل أدى في بعض الأحيان إلى ردود فعل عكسية. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور توباياس بروش، أخصائي علم النفس والمشارك في الدراسة، أن المشاعر التي تثيرها المشاهد الطبيعية—كميلاد كائن حي أو رؤية أضواء الشفق القطبي—تضفي معاني عميقة تدفع الأفراد للاعتناء بالبيئة والتبرع والمشاركة الفعالة.

تتجلى أهمية هذا التحول في الخطاب البيئي من خلال محاور أساسية:

• تفعيل القوة المؤثرة للمشاعر: ربط السلوك البيئي بالمشاعر الإيجابية والتقدير لجمال الطبيعة يعزز الدافع الذاتي للاستدامة مقارنة بأسلوب الترهيب.

• تجاوز إلقاء اللوم على الفرد: إدراك أن تحميل الأفراد المسؤولية كاملة يعزز الشعور بالإحباط والإنكار، بينما يساهم العمل الجماعي الملهم في بناء سلوك إيجابي دائم.

• إضفاء المعنى على القضايا البيئية: تحويل الأرقام الصماء والرسوم البيانية إلى قصص مرئية وتجارب شعورية تُشعر الإنسان بقيمة الكائنات والنظم البيئية.

إن هذه الرؤية النفسية والسلوكية تتقاطع بشكل مباشر مع جهودنا الميدانية والبحثية في قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية بمركز البحوث الزراعية. فالتعامل مع الأرض والمحاصيل ليس مجرد معادلة كيميائية أو أرقام إنتاجية، بل هو ارتباط وثيق بالبيئة والمحيط الحيوي يتطلب تغذية الوعي الإنساني والوجداني لدى المزارع والباحث على حد سواء.

وفي هذا الإطار، تتحدد تطبيقات هذه المقاربة في عملنا البحثي والتوعوي عبر:

  1. صياغة خطاب إرشادي ملهم للمزارعين: تقديم الممارسات الزراعية المستدامة (كالحفاظ على صحة التربة والتقليل من الملوثات) كعمل أخلاقي وجمالي يحمي الرمزية الحية للأرض الزراعية.
  2. ربط أبحاث البيولوجيا الخلوية بالطبيعة: إبراز المعجزات الخلوية والفسيولوجية في قدرة النباتات على التكيف والمقاومة، مما يولد شغفًا علميًا وتقديريًا لأهمية التنوع البيولوجي.
  3. تعزيز الانتماء البيئي للعمل الزراعي: تحويل الابتكارات الخلوية واستنبات الأصناف المتحملة للظروف القاسية إلى مبادرات تحظى بالدعم المجتمعي والوجداني للحد من التدهور البيئي.

إن إنقاذ المناخ والأرض يستوجب صياغة ميثاق جديد يمزج بين دقة الحقائق العلمية وقوة الخطاب الوجداني. والتكامل بين علوم البيولوجيا الخلوية والعلوم السلوكية يمثل السبيل الأكثر كفاءة لبناء وعي بيئي مستدام، يضمن حماية الموارد الطبيعية وتأمين المستقبل الزراعي والمناخي للأجيال القادمة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى