رأى

هل يمكن أن نصنع المستقبل داخل مختبراتنا؟

بقلم: د.شكرية المراكشي

الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية 

المختبر ليس مكانًا لاكتشاف ما سيحدث فقط، بل مساحة لتحديد ما يمكن أن يحدث.

المستقبل لا يصل إلى المجتمعات في صورة منتجات وتقنيات جاهزة فحسب، بل يتشكل أولًا داخل عقول تبحث، ومختبرات تختبر، ومؤسسات تجرؤ على تحويل المجهول إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى واقع اقتصادي واجتماعي جديد.

وما نراه اليوم من تحولات في الزراعة والصناعة والطاقة والطب والذكاء الاصطناعي لم يبدأ في اللحظة التي ظهرت فيها المنتجات في الأسواق، بل بدأ قبل ذلك بسنوات، وربما بعقود، حين قرر باحث أو فريق علمي أن مشكلة تبدو مستعصية تستحق أن تُفهم، وأن ظاهرة لا تزال غامضة يمكن إخضاعها للتجربة، وأن حدود الممكن ليست بالضرورة حدودًا نهائية لا يمكن تجاوزها.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال عن قدرتنا على صناعة المستقبل داخل مختبراتنا، لا باعتباره سؤالًا عن عدد المختبرات التي نمتلكها، أو الأجهزة الموجودة فيها، أو الأوراق العلمية التي تنشرها جامعاتنا، وإنما باعتباره سؤالًا عن موقعنا من عملية تشكيل العالم الذي نعيش فيه.

هل نشارك في تحديد اتجاه التطور العلمي والتكنولوجي، أم ننتظر حتى تتبلور الحلول في أماكن أخرى ثم نبحث عن وسيلة لاستيرادها؟ وهل نمتلك القدرة على تعريف مشكلاتنا وصياغة الأسئلة التي تستحق البحث، أم أننا نعيد توجيه مؤسساتنا العلمية نحو المشكلات التي اختارها الآخرون وفقًا لأولوياتهم وأسواقهم واحتياجاتهم؟

إن الفرق بين الحالتين أعمق من الفرق بين دولة تنتج التكنولوجيا ودولة تشتريها؛ إنه الفرق بين مجتمع يشارك في كتابة شروط مستقبله، ومجتمع يجد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع مستقبل صاغه غيره.

المختبر بوصفه مساحة للتحرر من حتمية الواقع

تبدأ وظيفة المختبر الحقيقية عندما يرفض الإنسان التعامل مع الواقع القائم باعتباره قدرًا نهائيًا. فشح المياه ليس مجرد حقيقة جغرافية يجب التعايش معها، وارتفاع درجات الحرارة ليس مجرد ظاهرة مناخية تفرض خسائرها، والاعتماد على استيراد الغذاء أو الآلات أو المكونات الصناعية ليس وضعًا اقتصاديًا لا يمكن تغييره.

كل مشكلة من هذه المشكلات تحمل في داخلها أسئلة علمية قابلة للبحث، وإن لم تكن جميعها قابلة للحل الكامل أو السريع. كيف يمكن إنتاج الغذاء باستخدام كميات أقل من المياه؟ وكيف يمكن تطوير مواد صناعية محلية تؤدي وظائف كانت تتطلب استيراد منتجات متخصصة؟ وكيف يمكن تحويل المخلفات إلى موارد، والطاقة المتجددة إلى أساس لصناعات جديدة، والبيانات المتراكمة إلى معرفة تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة؟

هنا يتحول المختبر من مكان لإجراء التجارب إلى مساحة لإعادة تعريف الممكن. لكنه لا يفعل ذلك بمجرد وجود أجهزة متقدمة أو باحثين حاصلين على درجات علمية، بل من خلال ثقافة علمية تسمح بالشك المنهجي، وتقبل احتمال الخطأ، وتمنح الباحث حرية اختبار الفرضيات غير المألوفة، وتربط الاكتشاف بحاجات المجتمع من دون أن تخضع الحقيقة العلمية لضغوط النتائج السريعة أو التوقعات السياسية.

فالمختبر الذي يُطلب منه دائمًا أن يثبت صحة قرار اتُّخذ مسبقًا لا يصنع المستقبل، وإنما يمنح الماضي شرعية علمية. أما المختبر الذي يستطيع أن يكشف أن الفرضية خاطئة، أو أن التقنية المقترحة غير مناسبة، أو أن المشكلة الحقيقية تقع في مكان مختلف عما افترضه صانع القرار، فإنه يؤدي وظيفة استراتيجية حتى عندما لا ينتج اختراعًا قابلًا للبيع؛ لأنه يحمي المجتمع من الاستثمار في أوهام مكلفة، ويحرر التفكير من أسر الحلول الجاهزة.

الفرق بين إنتاج البحث العلمي وإنتاج القدرة على التغيير

قد تمتلك دولة جامعات كثيرة، وتنشر مؤسساتها آلاف الأبحاث، ويشارك علماؤها في مؤتمرات دولية، ومع ذلك تظل قدرتها على التأثير في مستقبلها محدودة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن أبحاثها عديمة القيمة، بل قد يعني أن المنظومة العلمية لا تزال تعاني انفصالًا بين إنتاج المعرفة والقدرة على استخدامها.

فالبحث المنشور يمثل نتيجة معرفية، لكنه لا يصبح تلقائيًا تقنية قابلة للتشغيل، ولا يتحول بالضرورة إلى منتج منافس، ولا يضمن أن المجتمع أصبح أكثر قدرة على حل مشكلاته. بين هذه المراحل مسافات تحتاج إلى مؤسسات وتمويل وخبرات هندسية واختبارات وتراكم في التجربة وشبكات من الشركات والموردين والمستخدمين.

وقد ينجح فريق جامعي في تطوير مادة جديدة، لكن تحويلها إلى منتج صناعي يحتاج إلى تحديد مواصفاتها، ودراسة تكلفة إنتاجها، واختبار ثبات خصائصها، وتطوير عمليات تصنيع قابلة للتكرار، ثم إثبات قدرتها على المنافسة في ظروف التشغيل الفعلية.

وإذا غابت هذه المراحل، فقد تظل المعرفة حبيسة الأوراق العلمية، بينما تنتقل الفكرة ذاتها، بعد أن تتبناها مؤسسة أكثر قدرة على التطوير والتصنيع والتسويق، إلى السوق في صورة منتج يحقق قيمة اقتصادية كبيرة.

لذلك لا ينبغي أن يكون معيار التقدم العلمي هو عدد الأبحاث وحده، بل أيضًا ما تضيفه المنظومة العلمية إلى قدرة المجتمع على الفهم والإنتاج والتطوير والتصحيح.

والمقصود ليس تحويل كل بحث إلى مشروع تجاري، فهناك أبحاث أساسية قد لا تظهر فوائدها العملية إلا بعد سنوات طويلة، وإنما بناء نظام قادر على نقل المعرفة عندما تنضج، وحمايتها عندما تحتاج إلى وقت، واختبارها عندما تبدو واعدة، ورفض تحويلها إلى سلعة قبل التأكد من صلاحيتها.

فالمجتمع الذي ينتج المعرفة من دون أن يبني القدرة على استخدامها يشبه من يمتلك خرائط دقيقة لأرض مجهولة، لكنه لا يمتلك وسائل الوصول إليها.

من يحدد أسئلة البحث يشارك في تحديد شكل المستقبل

ليست جميع الأسئلة العلمية متساوية في أثرها الاستراتيجي، حتى عندما تكون جميعها مشروعة من الناحية الأكاديمية. فاختيار المشكلة التي تستحق التمويل، والقطاع الذي يحصل على الأولوية، والتقنية التي يجري تطويرها، والفئة التي ستستفيد من نتائج البحث، كلها قرارات تتجاوز حدود المختبر إلى بنية الاقتصاد والمجتمع.

وعندما تتحدد أجندة البحث العلمي بصورة أساسية وفقًا لأولويات التمويل الخارجي أو احتياجات الأسواق الكبرى أو اتجاهات النشر الأكاديمي السائدة، فقد تتقدم موضوعات مهمة عالميًا، بينما تتراجع مشكلات محلية أكثر إلحاحًا، لا لأنها أقل أهمية علمية، بل لأنها لا تحظى بالاهتمام أو التمويل نفسيهما.

وقد يكون من الطبيعي أن تشارك المؤسسات العربية في الأبحاث الدولية حول تقنيات الحوسبة المتقدمة أو المواد الجديدة أو علوم الفضاء، لكن ذلك لا ينبغي أن يأتي على حساب البحث في إدارة المياه، وتحمل المحاصيل للحرارة والملوحة، والأمراض المحلية، وتطوير الآلات الملائمة للمشروعات الصغيرة، ومعالجة المخلفات الصناعية والزراعية.

القضية ليست الانغلاق داخل الحدود الوطنية، ولا مطالبة كل دولة بإعادة اختراع كل تقنية موجودة، وإنما امتلاك القدرة على تحديد ما يجب أن نبحثه بأنفسنا، وما يمكن أن نتعاون فيه، وما يمكن استيراده بكفاءة، وما يمثل الاعتماد الكامل عليه مخاطرة لا يجوز تجاهلها.

فاستقلال القرار العلمي لا يعني الاستغناء عن العالم، بل القدرة على الدخول إليه من موقع الشريك الذي يعرف احتياجاته ويملك معرفة ذات قيمة، لا من موقع المستهلك الذي ينتظر أن يحدد الآخرون له ما ينبغي أن يتعلمه.

ومن يحدد الأسئلة التي تستحق الإجابة لا يضمن امتلاك المستقبل، لكنه يمتلك فرصة أكبر للمشاركة في تشكيله.

حين تصبح مشكلاتنا مختبرات مفتوحة للابتكار

تملك المجتمعات التي تواجه تحديات كبيرة فرصة علمية مهمة إذا استطاعت تحويل هذه التحديات إلى برامج بحثية منظمة. فالمشكلة ليست دائمًا عائقًا أمام الابتكار؛ قد تصبح مصدرًا له عندما تتوافر المعرفة والمؤسسات والتمويل والقدرة على الاختبار.

في الزراعة المصرية، على سبيل المثال، يمكن أن يكون محدودية المياه مدخلًا لتطوير نظم ري أكثر دقة، وأدوات لقياس الاحتياجات المائية الفعلية للمحاصيل، وتقنيات لتحسين كفاءة استخدام المياه في التربة، وأصناف نباتية أكثر تحملًا للإجهاد الحراري والملحي، ونماذج اقتصادية تساعد المزارع على اختيار المحصول الذي يحقق أفضل عائد في ظل القيود المائية.

لكن التعامل العلمي مع هذه المشكلة لا يبدأ بافتراض أن تقنية بعينها هي الحل، بل بفهم الاختلاف بين أنواع الأراضي، ومصادر المياه، والظروف المناخية، وأنماط الزراعة، وقدرات المزارعين على الاستثمار والتشغيل.

وقد تنجح تقنية في تربة معينة وتفشل في أخرى، أو تحقق وفورات مائية في تجربة محدودة بينما تتراجع جدواها الاقتصادية عند التوسع، أو ترفع إنتاجية الفدان لكنها تزيد تكلفة المدخلات إلى مستوى يجعل استخدامها غير مجدٍ.

وهنا تظهر قيمة المختبر المرتبط بالحقل، ومراكز البحوث المرتبطة بالمزارع، والجامعة التي تتعاون مع الشركات ومؤسسات الإرشاد الزراعي.

وفي الصناعة يمكن أن تنطلق الأبحاث من مشكلات استهلاك الطاقة، وتكرار الأعطال، وارتفاع نسبة العيوب، والاعتماد على قطع الغيار المستوردة، لتطوير حلول محلية تُختبر في ظروف الإنتاج الفعلية.

وفي البيئة يمكن أن تتحول المخلفات إلى موضوعات بحثية لتطوير مواد بديلة أو عمليات استرداد للموارد، بدلًا من أن تظل عبئًا على البلديات والمصانع والمجتمعات المحيطة.

غير أن تحويل المشكلة إلى فرصة لا يحدث بصورة آلية؛ فالتحديات قد تستنزف الموارد أيضًا، وقد تدفع المؤسسات إلى حلول إسعافية قصيرة الأجل. والفرق بين المجتمع الذي يحوّل الأزمة إلى فرصة معرفية والمجتمع الذي يبقى أسيرها هو قدرته على تنظيم التعلم، وتراكم نتائج التجارب، وتحويل الخبرة المتفرقة إلى معرفة قابلة للاستخدام والتطوير.

المختبر الذي لا يعرف المصنع يظل بعيدًا عن اختبار الواقع

تواجه المعرفة العلمية اختبارًا حاسمًا عندما تغادر البيئة المضبوطة إلى عالم يتسم بالتعقيد والتقلب. ففي المختبر يمكن التحكم في درجات الحرارة والرطوبة ونوعية المواد وسرعة التشغيل، بينما تتعرض التقنية في المصنع أو الحقل لتغيرات في الخامات، وتفاوت في مهارات العاملين، وانقطاعات في الطاقة، وضغوط التكلفة، واختلاف ظروف التشغيل.

ولهذا فإن نجاح تجربة محدودة لا يكفي لإثبات أن الحل جاهز للتطبيق على نطاق واسع. لا بد من مراحل وسيطة تشمل النماذج الأولية، والتجارب الموسعة، والخطوط التجريبية، والتشغيل تحت ظروف حقيقية، وقياس الأداء والتكلفة والسلامة والموثوقية.

وقد تكون هذه المراحل أقل جاذبية من الإعلان عن اكتشاف علمي، لكنها هي التي تحدد ما إذا كانت المعرفة ستتحول إلى قدرة مستدامة أم ستظل وعدًا تقنيًا.

ومن هنا تأتي أهمية بناء مؤسسات تصل الجامعة بالمصنع، ومراكز البحث بالمزارع، ومختبرات المواد بمصنعي المكونات، ومطوري البرمجيات بالمستخدمين الذين سيعتمدون عليها.

ولا ينبغي أن تكون العلاقة بين هذه الأطراف مجرد اتفاقيات تعاون شكلية، بل عملية تعلم متبادل؛ فالباحث يفهم القيود العملية، والعامل يكشف عن مشكلات لا تظهر في النماذج النظرية، والشركة تحدد احتياجات السوق، والمستخدم يختبر مدى ملاءمة الحل لحياته وظروفه.

وفي هذه العلاقة قد تتغير الفرضية الأصلية، وقد يُعاد تصميم التقنية أكثر من مرة، وقد يتبين أن الحل الأبسط والأقل تكلفة أفضل من الحل الأكثر تعقيدًا.

هذه ليست علامات فشل، بل دليل على أن المعرفة تخضع لاختبار الواقع. فالمستقبل لا يُصنع عندما تنجح الفكرة في ظروف مثالية فحسب، وإنما عندما تستطيع الاستمرار في ظروف الحياة الحقيقية.

من المختبر إلى السوق: أين تضيع القيمة؟

لا تنتقل الابتكارات من البحث إلى السوق عبر طريق مستقيم، بل تواجه فجوات تمويلية ومؤسسية وتقنية قد توقفها في مراحل مختلفة.

فقد يجد الباحث تمويلًا لإثبات صحة الفكرة، لكنه لا يجد من يمول بناء النموذج الأولي، أو قد تنجح التقنية في النموذج الأولي ثم تتعثر بسبب غياب المعدات اللازمة لتوسيع الإنتاج، أو قد تصبح جاهزة للتصنيع من دون أن تجد شركة مستعدة لتحمل المخاطر المرتبطة بتجربتها.

وقد تكون هناك أيضًا عقبات تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، أو معايير الجودة، أو الشهادات المطلوبة، أو قدرة المنتج المحلي على منافسة منتج مستورد يتمتع باقتصاديات إنتاج أكبر وسلاسل توريد مستقرة.

هذه الفجوة ليست دليلًا على أن الباحثين لم يؤدوا عملهم، ولا على أن السوق وحده هو المسؤول، بل تكشف أن الابتكار يحتاج إلى منظومة متكاملة من التمويل والتصنيع والاختبار والتنظيم والتسويق.

ومن الخطأ أن نتوقع من الجامعة أن تتحول وحدها إلى شركة، أو أن نحمّل الباحث مسؤولية إدارة مصنع وتسويق منتج وتوفير رأس المال العامل، كما أنه من الخطأ افتراض أن كل اختراع يستحق الدعم إلى ما لا نهاية.

المطلوب هو وجود مؤسسات متخصصة تستطيع تقييم المشروعات في كل مرحلة، وتحديد ما تحتاج إليه للانتقال إلى المرحلة التالية، وقياس فرص نجاحها ومخاطرها بموضوعية.

ويمكن للصناديق العامة والخاصة أن تمول المراحل التي تتردد الشركات في تحمل مخاطرها، كما يمكن للمصانع أن توفر بيئات اختبار، وللمؤسسات الحكومية أن تستخدم المشتريات الابتكارية لخلق طلب أولي على الحلول المحلية عندما تثبت جدواها.

وفي المقابل، يجب أن تخضع المشروعات لمعايير واضحة، بحيث لا يتحول دعم الابتكار إلى تمويل دائم لأفكار لا تتقدم.

فالقيمة الحقيقية لا تكمن في تسجيل براءة اختراع فحسب، بل في بناء قدرة على تطوير المعرفة إلى منتج موثوق، ثم تحسينه وتوسيع استخدامه والاستفادة من الخبرة التي يتركها وراءه.

هل نصنع التكنولوجيا أم نكتفي بتشغيلها؟

تبدو التكنولوجيا أحيانًا كأنها شيء يمكن امتلاكه بمجرد شراء المعدات أو الحصول على ترخيص أو استيراد برنامج متقدم. لكن امتلاك الجهاز لا يعني امتلاك المعرفة التي أنتجته، كما أن القدرة على تشغيله لا تعني بالضرورة القدرة على إصلاحه أو تطويره أو استبدال مكوناته أو فهم حدوده.

وقد تكون التكنولوجيا المستوردة خيارًا اقتصاديًا صحيحًا، خصوصًا عندما تكون كلفة تطوير البديل المحلي مرتفعة أو عندما لا تتوافر الحاجة إلى إنتاجه داخليًا.

لكن الاعتماد الكامل يصبح أكثر خطورة عندما يتعلق الأمر بتقنيات حيوية يتوقف عليها استمرار قطاعات أساسية، أو عندما تكون شروط التوريد والترخيص والوصول إلى البيانات خاضعة لجهات خارجية لا يمكن التأثير في قراراتها.

لذلك لا ينبغي أن نقيس التقدم بقدرتنا على تصنيع كل شيء، وإنما بمدى امتلاكنا خيارات حقيقية في المجالات التي تهم أمننا الاقتصادي والعلمي.

وقد تبدأ هذه القدرة من فهم التكنولوجيا المستوردة وتوثيقها وصيانتها، ثم تطوير بعض مكوناتها محليًا، ثم تصميم بدائل جزئية، وصولًا إلى بناء حلول مستقلة عندما تبرر الحاجة والكلفة ذلك.

وفي هذا المسار تصبح المختبرات أماكن لتعلم التكنولوجيا وإعادة اختبارها وتكييفها مع الظروف المحلية، وليست مجرد أماكن لتقليدها.

والفرق مهم؛ فالتقليد الذي لا ينتج معرفة جديدة يظل مرتبطًا بالنموذج الأصلي، بينما يفتح التعلم المنهجي الباب أمام التحسين والتعديل والتطوير.

إن امتلاك المستقبل لا يتطلب الاستقلال عن كل تقنية أجنبية، بل يتطلب ألا تتحول التكنولوجيا إلى صندوق مغلق نستخدمه من دون أن نفهمه، أو خدمة لا نستطيع الاستغناء عنها، أو قرار لا نملك سوى قبول شروطه.

الاستثمار في الباحث استثمار في القدرة على الاستمرار

قد تشتري الدولة أحدث الأجهزة العلمية، لكن الأجهزة لا تطرح الأسئلة بنفسها، ولا تفسر النتائج بصورة مستقلة، ولا تميز وحدها بين الارتباط والسببية، ولا تعرف متى ينبغي التخلي عن فرضية جذابة لكنها خاطئة.

هذه كلها وظائف إنسانية تتطلب باحثين مؤهلين، وفرقًا متعددة التخصصات، وبيئة عمل تسمح بالتجريب والتعلم.

ولذلك فإن مستقبل المختبرات يرتبط بقدر كبير بمستقبل الباحثين الذين يعملون فيها: قدرتهم على الحصول على تدريب جيد، والاستقرار المهني، والوصول إلى التمويل، والتعاون مع خبراء من تخصصات مختلفة، والمشاركة في شبكات علمية دولية، والحصول على تقدير قائم على جودة العمل لا على عدد التقارير وحده.

وعندما يُطلب من الباحث أن ينجز نتائج سريعة باستمرار، بينما يواجه ضعف الإمكانات أو تعقيد الإجراءات أو غياب المسارات المهنية الواضحة، فإن المنظومة قد تدفعه إلى اختيار موضوعات آمنة وقصيرة الأجل بدلًا من المغامرة بأسئلة جديدة تحتاج إلى وقت.

كما أن هجرة الكفاءات لا تعني فقط فقدان أفراد ذوي خبرة، بل قد تعني فقدان فرق بحثية كاملة، وشبكات تعاون، ومعرفة تراكمية، وقدرة على تدريب الأجيال التالية.

ومع ذلك، فإن معالجة هذه المشكلة لا تقتصر على مطالبة الباحث بالبقاء بدافع وطني أو تقديم حوافز مالية مؤقتة؛ بل تتطلب بيئة تجعل العمل العلمي مسارًا مهنيًا جادًا، وتتيح للباحث أن يرى أثر عمله في مؤسسات المجتمع، وأن ينتقل بين الجامعة ومركز البحث والشركة من دون أن يفقد مكانته المهنية.

كما تتطلب الاعتراف بأن البحث عمل جماعي، وأن الفنيين ومهندسي المختبرات ومديري البيانات وخبراء الإحصاء والتصنيع التجريبي ليسوا عناصر هامشية.

فالمختبر القادر على صناعة المستقبل ليس غرفة تضم عالمًا استثنائيًا، وإنما مؤسسة تستطيع أن تجمع العقول والمهارات، وأن تحفظ المعرفة عندما يغادر أصحابها، وأن تواصل التقدم عبر الأجيال.

الذكاء الاصطناعي والمختبرات: من تسريع البحث إلى إعادة تعريفه

تفتح أدوات الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة أمام البحث العلمي، من تحليل كميات ضخمة من البيانات إلى اقتراح مواد جديدة، والتنبؤ بخصائص المركبات، وتحسين تصميم التجارب، واكتشاف أنماط يصعب على الإنسان ملاحظتها بالوسائل التقليدية.

وقد تختصر هذه الأدوات وقتًا طويلًا من العمل، وتتيح للفرق البحثية اختبار عدد أكبر من الفرضيات، وتساعد المختبرات ذات الإمكانات المحدودة على الاستفادة من المعرفة المتاحة عالميًا.

لكن تسريع البحث لا يساوي بالضرورة تعميق المعرفة. فالأنظمة الذكية قد تنتج تنبؤات غير دقيقة، أو تعيد إنتاج تحيزات البيانات التي تدربت عليها، أو تقدم نتائج تبدو مقنعة من دون أن تكون قابلة للتحقق التجريبي.

كما أن جودة ما تقدمه تعتمد على جودة البيانات، وطريقة صياغة المشكلة، ووضوح معايير التقييم، وقدرة الباحث على تفسير النتائج والتحقق منها.

وإذا اعتمدت المؤسسات العلمية على منصات مغلقة لا تملك التحكم في أدواتها أو بياناتها، فقد تستبدل اعتمادًا تقنيًا بآخر حتى وهي تستخدم أكثر الأدوات تقدمًا.

لذلك يحتاج بناء مختبرات المستقبل إلى الجمع بين الذكاء الاصطناعي والخبرة العلمية والتجربة المادية، وبين الاستفادة من النماذج العالمية وبناء قواعد بيانات محلية موثوقة.

ففي الزراعة، مثلًا، يمكن للبيانات المحلية المتعلقة بالتربة والمياه والمناخ والأصناف أن تساعد على تطوير نماذج أكثر ملاءمة للبيئات المصرية والعربية. وفي الصناعة، يمكن لبيانات الأعطال وجودة الإنتاج أن تدعم التنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها.

لكن هذه الفوائد لن تتحقق إذا بقيت البيانات مبعثرة أو غير موثقة أو محتكرة داخل مؤسسات لا تتبادل المعرفة.

ومن يطمح إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المستقبل ينبغي أن يسأل أيضًا: من يجمع البيانات؟ ومن يتحقق من جودتها؟ ومن يمتلك حق استخدامها؟ ومن يقرر كيف تتحول نتائجها إلى قرارات؟

فالتكنولوجيا الذكية توسع القدرة على الفعل، لكنها لا تعفي المجتمع من مسؤولية تحديد الغايات ومحاسبة النتائج.

المختبرات لا تصنع المستقبل وحدها: من المعرفة إلى القرار العام

قد ينجح الباحثون في تطوير حلول علمية مهمة، لكن أثرها يظل محدودًا إذا لم تجد طريقها إلى السياسات العامة والاستثمار والتشريعات والمؤسسات التنفيذية.

فالتقنية التي توفر المياه قد تحتاج إلى قواعد تنظم استخدامها، والابتكار الصناعي قد يحتاج إلى معايير تسمح باختباره واعتماده، والمنتج الزراعي الجديد قد يحتاج إلى نظم إرشاد وتدريب وسلاسل توريد وأسواق قادرة على استيعابه.

وقد يكشف البحث أن سياسة قائمة لا تحقق أهدافها، أو أن دعمًا ماليًا يوجه إلى نشاط أقل جدوى من نشاط آخر، أو أن تقنية مستوردة لا تناسب ظروف التشغيل المحلية.

عند هذه النقطة يصبح السؤال متعلقًا بقدرة الدولة على الإصغاء إلى المعرفة، لا بمجرد تمويل إنتاجها.

فالسياسة التي تطلب الأدلة ثم تتجاهلها عندما تتعارض مع مصالح قائمة تضعف قيمة الاستثمار العلمي، كما أن القرار الذي يختار نتائج الأبحاث وفقًا لما يؤكد موقفه مسبقًا يحول العلم إلى زينة مؤسسية.

وفي المقابل، لا يعني إعطاء العلم دورًا في صنع القرار أن يُترك تحديد أولويات المجتمع للخبراء وحدهم؛ فالعلم يستطيع تقدير الآثار والبدائل والاحتمالات، لكنه لا يقرر بمفرده كيفية توزيع المنافع والتكاليف بين الناس. هذه اختيارات تتطلب نقاشًا عامًا ومساءلة سياسية ومراعاة للعدالة الاجتماعية.

ولذلك ينبغي أن تقوم العلاقة بين المختبر وصانع القرار على استقلال البحث، وشفافية الأدلة، ووضوح حدود اليقين، وإمكانية مراجعة السياسات عندما تظهر نتائج جديدة.

كما ينبغي أن يكون للمزارع والعامل والمستهلك والمجتمع المحلي صوت في تحديد المشكلات التي تستحق الحل، لأن الابتكار الذي يتجاهل ظروف المستخدمين قد ينجح تقنيًا ويفشل اجتماعيًا.

إن المستقبل الذي نصنعه داخل المختبرات لن يكون مستقبلًا أفضل لمجرد أنه أكثر تقدمًا من الناحية التقنية، بل عندما تسهم المعرفة في توسيع خيارات الناس وتحسين حياتهم وتقليل هشاشتهم أمام الأزمات.

من مختبر منفرد إلى منظومة وطنية تتعلم

لا تتحقق القدرة العلمية المستدامة عبر إنشاء مختبرات متفرقة تتنافس على التمويل والمكانة، بل عبر بناء منظومة تستطيع تبادل المعرفة وتوزيع الأدوار وتراكم الخبرة.

فقد تتخصص جامعة في فهم الظاهرة الأساسية، ويعمل مركز بحثي على تطوير التطبيق، وتتولى شركة هندسية تصميم النموذج الصناعي، ويوفر مصنع بيئة التشغيل التجريبي، بينما تساعد جهة مستقلة على التحقق من الجودة والسلامة.

ويمكن أن تسهم المؤسسات الحكومية في تحديد التحديات ذات الأولوية، وتوفير قواعد البيانات والبنية الأساسية، وتمويل الأبحاث ذات المنفعة العامة التي لا يضمن السوق وحده تمويلها.

وتحتاج هذه المنظومة إلى آليات واضحة للتعاون وتبادل البيانات وحماية الحقوق، وإلى تمويل متعدد المراحل يسمح للمشروعات الناجحة بالتقدم من البحث الأساسي إلى التطبيق والتصنيع.

كما تحتاج إلى تقييم لا يختزل الأداء في عدد المنشورات أو براءات الاختراع أو حجم الإنفاق، بل يدرس جودة المعرفة، وقدرة المؤسسات على حل المشكلات، ومدى انتقال النتائج إلى الاستخدام، وتكلفة الحلول، واستدامة أثرها، والمهارات الجديدة التي تخلقها.

ومن المهم أيضًا أن تتعلم المؤسسات من التجارب الفاشلة، لأن إخفاء الإخفاق أو معاقبة كل محاولة لم تحقق هدفها يمنع تراكم المعرفة.

لكن التعلم من الفشل لا يعني تبرير الهدر؛ بل يعني توثيق أسباب التعثر، والتمييز بين تجربة جادة لم تنجح رغم سلامة منهجها، ومشروع أُهدر فيه المال بسبب سوء الإدارة أو غياب التقييم.

وعندما تصبح هذه القدرة على التعلم جزءًا من الثقافة المؤسسية، لا يعود تقدم البحث العلمي معتمدًا على أفراد استثنائيين أو مبادرات مؤقتة، بل يصبح قدرة جماعية قابلة للاستمرار.

عندئذ يمكن للمختبرات أن تتكامل بدلًا من أن تتكرر، وأن تبني على نتائج بعضها بعضًا، وأن تحول المعرفة المتفرقة إلى قوة علمية واقتصادية تتنامى بمرور الزمن.

المستقبل لا يُستورد كاملًا ولا يُصنع داخل المختبر وحده

يمكننا أن نصنع جزءًا مهمًا من المستقبل داخل مختبراتنا، لكن ذلك لن يحدث بمجرد زيادة عددها أو شراء أحدث أجهزتها، كما لن يتحقق بمجرد مطالبة الباحثين بإنتاج اختراعات تغيّر العالم.

فالمستقبل العلمي ثمرة منظومة تبدأ من القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وتمر بإنتاج المعرفة والتحقق منها، ثم تطوير التطبيقات واختبارها، وتنتهي بقدرة المؤسسات والمجتمع على استخدامها وتحسينها وتوسيع أثرها.

والمختبر ليس بديلًا عن المدرسة الجيدة، أو المصنع المتطور، أو التمويل طويل الأجل، أو الإدارة الكفؤة، أو السياسات العامة التي تستند إلى الأدلة؛ إنه جزء من شبكة واسعة يتحدد أثره بمدى اتصال عناصرها.

ومن هنا فإن التحدي أمام الدول العربية، ومصر في مقدمتها، ليس أن تنتج كل ما ينتجه العالم، ولا أن تنغلق على قدراتها المحلية، وإنما أن تختار المجالات التي تتطلب امتلاك معرفة عميقة، وأن تبني فيها قدرات حقيقية، وأن تتعامل مع التعاون الدولي بوصفه طريقًا لتوسيع إمكاناتها لا بديلًا عن تطويرها.

وقد لا يكون من الضروري تصنيع كل جهاز علمي محليًا، لكن من الضروري أن نعرف ما الذي نحتاج إليه، وكيف نقيّم أداءه، ومتى يمكن تطوير بديل مناسب، وكيف نحمي قدرتنا على الاستمرار إذا تغيرت شروط التوريد أو ارتفعت التكاليف.

وقد لا تتحول كل نتيجة بحثية إلى منتج، لكن ينبغي ألا تضيع النتائج الواعدة بين مؤسسات لا تتواصل أو أنظمة تمويل تتوقف قبل اكتمال التطوير.

وقد لا يستطيع العلم منع جميع الأزمات، لكنه يستطيع أن يمنح المجتمع قدرة أكبر على توقعها وفهمها والاستجابة لها، بدلًا من أن يبقى أسير المفاجأة والاعتماد على الآخرين.

وفي النهاية، لا يتمثل السؤال الحاسم في ما إذا كانت مختبراتنا قادرة على إنتاج اكتشافات جديدة، بل في ما إذا كنا نمتلك الإرادة المؤسسية لتحويل الاكتشاف إلى معرفة متراكمة، والمعرفة إلى قدرة إنتاجية، والقدرة إلى استقلال في القرار وتحسن في حياة الإنسان.

فالمجتمع الذي يكتفي بشراء نتائج العلم يعيش داخل مستقبل صاغه غيره، أما المجتمع الذي يستثمر في العلم ويمنحه الحرية والموارد والروابط اللازمة فيشارك في صياغة ذلك المستقبل، حتى عندما يتعاون مع الآخرين في بنائه.

إننا لا نصنع المستقبل عندما نمتلك مختبرًا حديثًا، بل عندما تصبح لدينا القدرة على تحويل المجهول إلى معرفة، والمعرفة إلى خيار، والخيار إلى واقع نستطيع فهمه وتطويره والتحكم في مساره.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى