ممر مائي من مفيض توشكى إلى الدلتا الجديدة.. هل تنقل مياه الجنوب الحياة إلى قلب الصحراء الغربية؟

إعداد: أ.د.صبحي فهمي منصور
أستاذ الأراضي بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة – مركز البحوث الزراعية
– كلنا يعلم أن أرض مصر تنحدر من الجنوب إلى الشمال، ومفيض توشكى (منسوب 126 م فوق منسوب سطح البحر، وهو أقل من منسوب بحيرة ناصر 179 م)، والذي يستوعب ما يُقدَّر بـ120 مليار م³، ويمكن تطهيره ليستوعب 200 مليار م³ من المياه، وظيفته الحالية تصريف المياه الزائدة من بحيرة ناصر إلى منخفضات توشكى. وبدلًا من ترك هذه الكمية الضخمة من المياه العذبة لتتبخر بفعل درجات الحرارة العالية في الجنوب، أو تركها تتخلل إلى المياه الجوفية، يمكننا العمل على توصيلها إلى محافظة الوادي الجديد من خلال البحيرة الغربية بمفيض توشكى، والتي تبعد عن محافظة الوادي الجديد 85 كم فقط.
ورغم أن سطح الأرض ينحدر من الجنوب إلى الشمال، كما سبق ذكره، إلا أننا وجدنا تبة صغيرة هي التي تعوق جريان الماء لكي تصل إلى المحافظة. لذا، في حالة إزالة هذه التبة، نجد أن المياه تجري في اتجاه انحدار التربة لتصل إلى واحة باريس، ثم إلى الخارجة، وهكذا يمكن استكمال رحلة المياه من خلال ممر مائي (هجين) حتى يصل إلى الدلتا الجديدة.
– ويمكن اعتبار مفيض توشكى هو نقطة الصفر لهذا الممر، باعتباره ممرًا مائيًا مقترحًا يحتاج إلى دراسة جدوى ومسح ميداني قبل اعتماده.
لذلك، لا يصح افتراض أن مياه المفيض متاحة دائمًا للمشروع، لذا يجب أن يكون السحب مشروطًا بفائض مائي آمن.
هذا الممر يبدأ من نقطة بداية مقترحة، وهي: مفيض توشكى ← حوض تجميع/تنظيم ← محطة سحب ورفع ← الممر المائي الرئيسي شمالًا ← خزانات تنظيمية ← الدلتا الجديدة.
ويجب أن تكون أول منشأة عند المفيض عبارة عن منشأة سحب وتنظيم تتحكم في كمية المياه الداخلة إلى الممر، وليس فتح قناة مباشرة من المفيض، والأفضل أن نقسم مسافة الممر إلى عدة قطاعات.
القطاع الأول: مفيض توشكى، وفيه نقترح إنشاء:
1- حوض استقبال وترسيب، وظيفته: تهدئة المياه، وحجز الرواسب والطمي، وحماية المضخات.
2- بوابات تحكم، وظيفتها: التحكم في التصرف، وإيقاف الممر عند الطوارئ.
3- محطة رفع رئيسية، وظيفتها: نقل المياه إلى منسوب بداية الممر، ويمكن تصميمها بوحدات متعددة بحيث يتدرج التشغيل حسب التصرف.
4- محطة قياس ومراقبة، وظيفتها: قياس التصرف، والمنسوب، والعكارة، والملوحة، ودرجة الحرارة.
5- قناة/خط ناقل رئيسي تبدأ مباشرة من منشأة السحب عند مفيض توشكى.
ملحوظة: الهدف استغلال مياه المفيض عندما تكون متاحة بدلًا من استنزاف مياه بحيرة ناصر بصورة مستمرة، لذا يمكن تصميم المشروع ليعمل كممر موسمي/مرن.
ارتفاع منسوب بحيرة ناصر ← تشغيل المفيض ← تحويل جزء من المياه إلى الممر ← تخزينها في خزانات وسيطة ← استخدامها لاحقًا في الدلتا الجديدة.
المسار الهندسي الأولي المقترح
أقترح في المرحلة الأولى عدم محاولة جر المياه شمالًا في خط مستقيم، وإنما إنشاء ممر جنوبي–شمالي على مراحل:
مفيض توشكى ← منخفضات توشكى ← محور الداخلة–الخارجة ← وسط الصحراء الغربية ← شمال الصحراء الغربية ← الدلتا الجديدة.
ولتنفيذ هذا الممر، يجب أن يكون على مراحل، وهنا يجب الاختيار بين مسارين، هما:
المسار A: توشكى ← مسار شرقي للواحات ← الخارجة ← شمال الصحراء.
المسار B: توشكى ← ممر مركزي بالصحراء الغربية ← شمال الصحراء.
ثم نقارن بينهما من حيث الطول، والرفع، والحفر، والصخور، والرمال، والفوالق، والتسرب، والطاقة، والتكلفة.
التصميم الهيدروليكي المبدئي
أقترح أن نبدأ الدراسة بتصرف تصميمي مفترض، وليكن 5 ملايين م³/يوم.
وهنا يمكن دراسة ثلاثة سيناريوهات:
| السيناريو | التصرف | المياه السنوية |
|---|---|---|
| A | 2 مليون م³/يوم | 0.73 مليار م³ |
| B | 5 ملايين م³/يوم | 1.83 مليار م³ |
| C | 10 ملايين م³/يوم | 3.65 مليار م³ |
والاختيار النهائي يجب أن يأتي بعد دراسة سجل مناسيب وتصرفات مفيض توشكى والميزان المائي.
نوع الممر: يُفضَّل أن يكون الممر هجينًا، بمعنى أن يتكون من قنوات مبطنة، وخطوط مواسير، وخزانات تنظيمية.
والفكرة أن المواسير تُستخدم في المناطق التي يكون فيها:
1- التسرب خطيرًا. 2- التضاريس صعبة. 3- الرمال متحركة. 4- عبور طرق رئيسية. 5- مناطق جيولوجية حساسة.
أما القناة المبطنة فتُستخدم حيث تكون التضاريس مناسبة ويمكن تقليل طاقة الضخ.
المحطات الرئيسية
نحدد عدد المحطات بعد تحليل الـDEM، لكن مبدئيًا:
محطة 1 — مفيض توشكى.
وظيفتها:
1- سحب المياه. 2- التحكم في التصرف. 3- قياس المياه. 4- الترسيب الأولي.
ثم:
1- خزان تنظيمي ↓ 2- محطة رفع ↓ 2- خزان تنظيمي ↓ 3- محطة رفع ↓ 3- خزان تنظيمي ↓ محطات الرفع الشمالية ↓ خزان الدلتا الجديدة.
وهنا نعمل على بناء خزانات وليس محطات ضخ متواصلة، نظرًا لأنها تسمح بفصل المشروع إلى قطاعات. فإذا حدث عطل في قطاع، لا يتوقف المشروع كله.
كما يمكن تشغيل المضخات في أوقات انخفاض سعر الكهرباء، والاستفادة من التخزين المائي.
نقطة الدلتا الجديدة
يجب أن نربط المشروع المقترح بمنظومة الدلتا الجديدة القائمة بدلًا من إنشاء منظومة منفصلة.
فالمنظومة الحكومية الحالية لمحور الضبعة مصممة لنقل ومعالجة حوالي 7.5 مليون م³/يوم، وتضم 13 محطة (12 رفع + محطة تنقية)، وتستهدف استصلاح نحو 362 ألف فدان جنوب محور الضبعة.
لذلك، يمكن أن يكون الممر المقترح:
مصدر مائي إضافي ← خزان استقبال ← منظومة توزيع الدلتا الجديدة.
بدلًا من إنشاء شبكة ري ثانية بالكامل.
أهم اختبار للمسار
قبل أن نقول إن هذا هو «المسار»، يجب أن نعمل تحليل نموذج الارتفاع الرقمي لسطح الأرض (Digital Elevation Model – DEM)، وهو من أهم الأدوات التي نحتاجها لتحديد المسار الهندسي لمشروع مفيض توشكى → الدلتا الجديدة.
↓ استخراج خطوط الكنتور ↓ تحديد أقل الممرات ارتفاعًا ↓ مع إضافة:
- الجيولوجيا.
- الفوالق.
- الكثبان.
- خزان الحجر الرملي النوبي.
- المياه الجوفية.
- الطرق وخطوط السكك والكهرباء.
↓ وحساب: أقل فرق ارتفاع ↓ وأقل طاقة ضخ ↓ وأقل تكلفة إنشاء ↓ ثم نستخـرج 3 مسارات نهائية للمقارنة.
وهذا يتفق أيضًا مع الاتجاه الحالي لوزارة الري نحو دمج صور الأقمار الصناعية والتصوير الجوي والذكاء الاصطناعي في إدارة وتحليل منظومة المياه.
المرحلة التالية التي أقترحها
يمكننا الآن الانتقال من التصور العام إلى «المسار الهندسي الأولي بالأرقام»، حيث نقسم الممر إلى 10–12 قطاعًا من مفيض توشكى حتى الدلتا الجديدة، ولكل قطاع نحدد:
المسافة التقريبية | منسوب البداية | منسوب النهاية | فرق الارتفاع | نوع المجرى | التصرف | محطة الرفع | الطاقة | الخزان المقترح | المخاطر الجيولوجية.
والأهم أن نجعل مفيض توشكى هو KM 0.0، ثم نتحرك شمالًا قطاعًا قطاعًا، بدلًا من إعطاء مسار عام غير قابل للحساب.
كما نستخدم الـDEM لاستخراج:
1- خريطة المناسيب. 2- درجة انحدار الأرض. 3- اتجاه الانحدار. 4- خطوط الكنتور. 5- اتجاه حركة المياه الطبيعية. 6- أماكن تجمع المياه. 7- أحواض التصريف. 8- أفضل مسار هندسي بين نقطتين. 9- كمية الحفر والردم المطلوبة. 10- محطات الرفع المحتملة. 11- الأماكن التي لا يمكن تجاوز ارتفاعاتها بالجاذبية.
والأهم بالنسبة لمشروعنا أن نضع:
مفيض توشكى = نقطة البداية، وخزان الدلتا الجديدة = نقطة النهاية.
ثم يقوم البرنامج بالبحث عن مسارات مختلفة، مثلًا:
المسار 1: 1,100 كم — فرق ارتفاع كبير — محطات رفع.
المسار 2: 1,250 كم — أطول — لكن محطات الرفع أقل.
المسار 3: 1,350 كم — أطول — لكن معظم الممر بالجاذبية.
هنا لا يكون أقصر مسار بالضرورة هو الأفضل هندسيًا، بل نبحث عن:
أقل تكلفة كلية = إنشاء + ضخ + طاقة + صيانة + مخاطر جيولوجية.
وهناك نقطة مهمة جدًا: إن تحليل DEM وحده لا يكفي لاتخاذ قرار إنشاء الممر، بل نحتاج إلى دمجه مع:
DEM + Geological Map + Faults + Groundwater + Sand Dunes + Roads + Existing Infrastructure.
وبذلك نحصل على خريطة ملاءمة هندسية (Engineering Suitability Map).
والخريطة التالية توضح المسار الأولي لممر المياه من مفيض توشكى إلى الدلتا الجديدة.
ويبلغ التقدير الأولي لطول هذا المسار، والذي يتبع المنخفضات والواحات من مفيض توشكى شمالًا حتى الدلتا الجديدة، ما بين 1400–1500 كم تقريبًا.
ويمكن أن نذكر أن طول كل قطاع من القطاعات السابقة هو كالتالي:
| القطاع | الطول التقريبي |
|---|---|
| مفيض توشكى ← الخارجة | 340 كم |
| الخارجة ← الداخلة | 156 كم |
| الداخلة ← الفرافرة | 202 كم |
| الفرافرة ← البحرية | 169 كم |
| البحرية ← منخفض القطارة | 227 كم |
| القطارة ← وادي النطرون | 273 كم |
| وادي النطرون ← الدلتا الجديدة | 52 كم |
| الإجمالي | ≈ 1,418 كم |
وهذا ليس طولًا هندسيًا نهائيًا؛ فهو محسوب من نقاط تمثيلية للمنخفضات، وليس من خط كنتوري فعلي.
الأهم:
إذا أردنا تنفيذ الفكرة فعليًا، فلا ينبغي أن نكتفي بالمسافة. يمكنني إعداد المسار الهيدرولوجي الأدق بحيث نبحث عن:
1- أقل مناسيب ممكنة على طول الطريق. 2- المنخفضات الطبيعية التي يمكن أن تستقبل المياه. 3- فرق المنسوب بين كل منخفض والذي يليه. 4- أماكن محطات الرفع فقط عند الضرورة. 5- إجمالي الرفع بالمتر. 6- طول القناة/المجرى بعد تحسين المسار.
وهذا سيعطينا رقمًا مختلفًا وأكثر دقة من 1,418 كم؛ لأن المسار الذي يتبع خطوط الكنتور قد يكون أطول أو أقصر من الخط الواصل بين مراكز المنخفضات.
والآن يمكن عمل خريطة ثانية للمسار بطول تقريبي 1,400 كم، مقسمة إلى مراحل، مع تحديد أماكن محطات الرفع المقترحة، وهذا سيعطينا رقمًا مختلفًا وأكثر دقة من المسار الأول.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



