رئيس التحرير

قناة الجزيرة بين شعار الحقيقة وواقع التحيز للكيان الصهيوني الأمريكي

بقلم: د.أسامة بدير

لطالما رفعت قناة الجزيرة شعار «الرأي والرأي الآخر»، وحرصت على تقديم نفسها كمنصة للحقيقة المجردة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، خصوصاً في لحظات الصراع الكبرى. غير أن متابعتي لتغطيتها خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، في ظل التصعيد العسكري الخطير بين الكيان الصهيوني الأمريكي ضد إيران، تثير تساؤلات جادة حول مدى التزامها الفعلي بذلك الشعار الذي شكّل حجر الأساس في صورتها الذهنية لدى جمهورها العربي.

في أوقات الأزمات والحروب، تُختبر المهنية الصحفية على نحو قاسٍ؛ فالتوازن لا يُقاس بالشعارات، بل بطريقة عرض الأخبار، وانتقاء الضيوف، وصياغة العناوين، وترتيب الأولويات. لاحظت أن بعض الروايات تُعرض بصيغة تقريرية حاسمة، بينما تُقدم روايات أخرى محاطة بعبارات تحفظ وتشكيك، وهو ما يفتح باب الجدل حول معايير التحقق وآليات التغطية.

التغطية الإخبارية في مثل هذه اللحظات الحساسة لا ينبغي أن تنزلق إلى إعادة إنتاج بيانات رسمية لأي طرف دون تمحيص متكافئ. فالإعلام، إذا فقد توازنه، يتحول من ناقل للحدث إلى جزء من معركته. والمهنية الحقيقية تقتضي إخضاع جميع التصريحات، أياً كان مصدرها، للمعايير ذاتها من التدقيق والتحقق.

كما أن المشاهد العربي بات أكثر وعياً وقدرة على رصد الفوارق الدقيقة في اللغة والنبرة والصورة. فالفارق بين «قال» و«زعم»، وبين «أكد» و«ادعى»، ليس مجرد تفصيل لغوي، بل رسالة ضمنية تُبنى عليها انطباعات الجمهور. وعندما تتكرر هذه الفوارق بصورة نمطية، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول الحياد.

الإعلام الذي يطمح لقيادة الرأي العام في المنطقة العربية يتحمل مسؤولية مضاعفة، خصوصاً في لحظات الاستقطاب الحاد. فالتوازن لا يعني المساواة الشكلية بين الضيوف، بل العدالة في طرح الأسئلة، والصرامة في التحقق، والابتعاد عن أي انطباع بانحياز غير مبرر.

إن النقد هنا ليس خصومة، بل مطالبة بالاتساق بين الشعار والممارسة. فالقنوات الكبرى تُقاس بقدرتها على مراجعة ذاتها وتصحيح مسارها، لا بالاكتفاء بتاريخها أو انتشارها.

وفي هذا السياق، أجدني مديناً باعتذار لصديق عزيز لطالما نبهني إلى ضرورة التعامل بحذر مع الخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة. لقد كنت أجادل دائماً بأن المهنية تحكم الأداء، وأن الشعارات كافية لضمان التوازن، لكن التجربة تؤكد أن المشاهدة النقدية واجب لا خيار.

أعتذر لك يا صديقي عن ثقة منحتها دون تمحيص كافٍ، وعن متابعة لم تكن بالقدر المطلوب من الحذر والتحليل. فالإعلام، كأي قوة مؤثرة، يحتاج دائماً إلى عين ناقدة لا تنخدع بالشعارات، بل تزن الأمور بميزان العقل والوعي.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. مقال رائع وجريء، يعكس وعياً نقدياً حقيقياً تجاه ما تروج له الفضائيات الكبرى. د. أسامة بدير، طرحك دقيق جداً في تفكيك الفجوة بين الشعار الإعلامي (الرأي والرأي الآخر) والممارسة الفعلية على الشاشة، خاصة في الأحداث المصيرية كالتصعيد ضد إيران.

    النقطة الأهم التي أثرتها هي “سياسة اللغة”؛ فالتفريق بين “قال” و”زعم” ليس مجرد حياد لغوي، بل هو انحياز واضح يوجه وعي المشاهد دون أن يشعر. ما أسميته “الرواية التقريرية الحاسمة” مقابل “الرواية المشكوك فيها” هو لب التحيز الممنهج الذي تمارسه بعض وسائل الإعلام.

    أما اللمسة الإنسانية في الختام، باعتذارك لصديقك، فهي تعكس شجاعة نادرة في مراجعة الذات والاعتراف بأن الثقة في المؤسسات الإعلامية يجب أن تظل مشروطة بالتمحيص، لا بالشعارات.

    فعلاً، “المشاهدة النقدية واجب لا خيار”. شكراً لهذا التحليل الموضوعي.
    إيهاب محمد زايد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى