تقارير

فك شفرة الدفاعات الطبيعية للقمح ضد حشرة البق الأخضر: نحو حماية وراثية مستدامة للمحاصيل الاستراتيجية

إعداد: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

في ظل التحديات المتزايدة التي تمس أمن الغذاء القومي والعالمي، تبرز الآفات الحشرية الغازية كأحد أعتى المهددات الحيوية لاستقرار إنتاجية المحاصيل الحقلية الاستراتيجية. وتأتي حشرة منّ القمح الأخضر أو «البق الأخضر» (Greenbug – Schizaphis graminum) في مقدمة هذه الخصوم الشرسة؛ حيث تشكل تهديدًا كبيرًا لإنتاج القمح والشعير والذرة الرفيعة في العديد من مناطق الزراعة المطرية والمروية عالميًا (مثل منطقة السهول العظمى في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتجاوز خسائر الفشوات الوبائية الحادة نحو 100 مليون دولار).

لا تقتصر الأضرار الجسيمة لهذه الحشرة على امتصاص العصارة النباتية وإضعاف الأنسجة الخلوية فحسب، بل تمتد لتفرز لعابًا سامًا Toxic saliva يحدث تحللًا نسيجيًا وبقعًا موتية على الأوراق، فضلًا عن كونها الناقل الرئيسي لواحد من أخطر الأمراض الفيروسية النباتية: فيروس تقزم الشعير الأصفر (Barley Yellow Dwarf Virus – BYDV). يتسبب هذا الفيروس في تقزم النباتات، واصفرار الأوراق واحتراق أطرافها، وتأخر خروج السنابل، وانخفاض حاد في الحاصل النهائي. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المفرط على المكافحة الكيميائية التقليدية لمواجهة هذه الآفة يُعد مكلفًا، ومستهلكًا للوقت، وغير صديق للبيئة.

تتجلى أبعاد فك شفرة الدفاعات الطبيعية للقمح واستراتيجيات المواجهة الحيوية عبر ثلاثة محاور جوهرية:

• التحري عن جينات المقاومة الذاتية R-Genes: استكشاف التنوع الوراثي للقمح وأقربائه البرية لتحديد ومطابقة الجينات المسؤولة عن المقاومة المضادة للتغذية Antibiosis أو الطاردة للحشرة Antixenosis.

• الكشف الجزيئي عن الآليات الدفاعية الخلوية: فهم كيف تتعرف الخلايا النباتية على مكونات اللعاب السام للآفة، وتنشط مسارات التراسل الهرموني (كحمض الساليسيليك والجاسمونيك) لترسيب اللجنين والسليلوز وإغلاق الأوعية اللِّحائية.

• إحباط النقل الفيروسي: قطع حلقة الوصل بين الحشرة الفائقة الناقلة وفيروس (BYDV) عبر استنباط أصناف تمتلك حماية مزدوجة ضد الآفة والفيروس معًا.

تتقاطع هذه الاستراتيجية المتقدمة بشكل مباشر وأصيل مع توجهاتنا الرائدة في قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية؛ حيث يمثل التوصيف الجزيئي والخلوي لخطوط القمح والشعير الوطنية مدخلًا استراتيجيًا لبناء منظومة دفاعية ذاتية مستدامة تحمي المحصول القومي دون الحاجة للحلول الكيميائية المجهدة للتربة والبيئة.

وفي هذا الصدد، تتضح معالم الاستفادة والتطبيقات العملية لهذه الأبحاث في بيئتنا الوطنية عبر:

  1. التقييم النسيجي والخلوي للسلالات: استخدام الفحص الميكروسكوبي الدقيق لتتبع سلامة الحزم الوعائية وخلايا البشرة في خطوط القمح والشعير عند تعرضها للإصابة بالحشرات الثاقبة الماصة.
  2. الانتخاب بمساعدة المعلمات الجزيئية MAS: تسريع نقل جينات المقاومة للبق الأخضر والفيروسات المصاحبة إلى الأصناف المصرية عالية الإنتاجية.
  3. تعزيز التعديل الجيني والدقيق CRISPR: توظيف تقنيات البيولوجيا الجزيئية الحديثة لتقوية جدر الخلايا النباتية وتحفيز إنتاج المركبات الثانوية الطاردة للحشرات.

إن نقل مركز الثقل من المكافحة الكيميائية التقليدية إلى استثارة واستغلال الدفاعات الطبيعية الكامنة في الجينوم النباتي يمثل الطريق الآمن والأساسي لتحقيق زراعة مستدامة، تكفل حماية السنابل الذهبية وتصون الأمن الغذائي القومي.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى