على جسر المسقى البحرية بدأت حكايات الكفاح وصناعة الرجال

بقلم: أ.د.محمد علي فهيم
رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية
ده جسر المسقى البحرية… زي ما هو ما اتغيرش.
طريق البلد إلى الغيط… والعكس.
كل ما أشوفه، ترجع بيا السنين لورا… أيام ما كان عندي 6 سنين، وكنت بمشي عليه كل يوم وأنا رايح أوصل الغدا لأبويا – رحمه الله.
كنت بمشي على الجسر ده حافيًا، في عز الصهد والنقارية، في بؤونة وأبيب، لما كانت حرارة القيالة تحرق كعوب الأرجل، وكأن التراب نار مولعة تحت القدمين. وكنا نهرب أحيانًا للمشي على شوك العاقول على حافة الجسر، لأنه كان أهون وأرحم من نار الأرض الملتهبة.
وكان الصهد يلفح الوجوه لفحًا، والبلد تبعد عن الغيط حوالي 2 كيلو، ولازم نروح ونرجع من غير تأخير ولا راحة… وكل يوم على نفس الحال.
ورغم المشقة، كنا نفرح جدًا لما حد يقول لنا: “روح هات الغدا”. مش لأن المشوار سهل، لكن لأنه فرصة نفك شوية من شغل النار تحت الشمس من الصبح. وقتها ما كانش فيه فرق بين عيل ولا راجل، الكل في البوتقة، والكل يتحمل نصيبه من التعب. وكان الواحد يتمنى أي مهمة، حتى لو يروح يجيب القُلّة أو الأكل أو أي حاجة، المهم يهرب دقائق قليلة من صهد العذاب.
هكذا تربينا… وهكذا نشأنا… بين نار النقارية ولهيب القيالة، نتعلم الصبر قبل الكلام، والتحمل قبل الراحة، والعمل قبل كل شيء.
ورغم كل التعب، والله كنا رجالًا على قد الحال، نسد في أي شغلة، وما كانش عندنا شيء اسمه صعب أو مستحيل.
الحمد لله… ارتحنا ورحرحنا، لكن الصحة راااحت، وعليه العوض، وسلِّم لي على الدكتوراه والأستاذية والمؤهلات العليا.
رحم الله كل من غادرونا، أولئك الذين زرعوا فينا قوة الاحتمال، وعلّمونا كيف نواجه النقارية ونقاوم الصهد، وكيف نصنع من الشدة رجالًا لا تنكسر بسهولة.
رحم الله آباءنا وأمهاتنا وجيل الكفاح كله… جيل كان يزرع في الأرض، ويزرع فينا معه الصبر والرجولة والاعتماد على النفس.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



