تقارير

شهادة “متبقيات المبيدات” والمنتج العضوي

روابط سريعة :-

إعداد: أ.د.ربيع مصطفى

أستاذ النباتات الطبية والعطرية بمعهد بحوث البساتين بمركز البحوث الزراعية، وكيل وزارة الزراعة الأسبق بالفيوم – (خبير في زراعة وإنتاج النباتات الطبية والعطرية للتواصل: 01010490336 – 01224982537)

شهادة خلو المنتج من متبقيات المبيدات لا تثبت وحدها أن الزراعة عضوية (Organic Agriculture)، وهذه الشهادة لا تُغني عن “شهادة العضوي” (Organic Certificate).

والآن نتحدث عن التفسير العلمي والقانوني لسبب ذلك، وما هي مميزات كل شهادة.

سؤال هام: لماذا لا تكفي شهادة المتبقيات لإثبات أن “المنتج عضوي”؟

هناك فرق جوهري بين “منتج نظيف وخالٍ من الكيماويات عند الفحص” وبين “منتج مزروع وفق معايير الزراعة العضوية (Organic Agriculture)”. وهنا يجب أن نفرق بين المصطلحات التالية:

  • الزراعة التقليدية (Traditional Agriculture).
  • الزراعة العضوية (Organic Agriculture).

وحيث إن شهادة متبقيات المبيدات (Pesticide Residue Test) تثبت فقط أن المنتج، وقت فحصه في المعمل، لا يحتوي على نسب أعلى من المسموح بها من المبيدات (أو أنه خالٍ منها تمامًا)، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه منتج عضوي. فقد يستخدم المزارع التقليدي أسمدة كيميائية، أي إن المنتج قد يكون ناتجًا عن النظام التقليدي أو العضوي. وللوصول إلى منتج نقي ومطابق لمعايير الزراعة العضوية المعتمدة، يجب أن نغلق الباب تمامًا أمام الأسمدة والمبيدات الكيميائية المصنعة، واستبدالها بنظام حيوي متكامل يعتمد على مصادر طبيعية بنسبة 100%.

ولتحويل أي أرض من زراعة تقليدية إلى زراعة عضوية، والحصول على شهادة رسمية، هناك شروط ومعايير صارمة جدًا وضعتها المنظمات الدولية والمحلية، مثل منظمة IFOAM العالمية والمعايير الأوروبية والأمريكية.

أولًا: بروتوكول الزراعة العضوية

لكي يُطلق على المنتج الزراعي أنه منتج عضوي، يجب أن يستوفي بروتوكولًا وشروطًا محددة، وهذه الشروط لا تشمل المنتج النهائي فقط، بل تشمل كل ما يخص المزرعة منذ البداية. ويجب اتباع بروتوكول الزراعة العضوية كما يأتي:

1- فترة التحول (Conversion Period)

لا يمكن للمزرعة التقليدية أن تصبح عضوية بين يوم وليلة، حيث تشترط القوانين “فترة تحول” تتراوح غالبًا بين سنتين وثلاث سنوات. وخلال هذه الفترة يزرع المزارع بالنظام العضوي، لكنه لا يحق له بيع منتجاته باسم “عضوي”، بل يبيعها كـ”منتج تحت التحول”، وذلك للتأكد من غسيل التربة تمامًا من أي متبقيات كيميائية سابقة.

2- البذور والشتلات (Seeds and Seedlings)

يجب أن تكون البذور أو الشتلات المستخدمة عضوية وموثقة، ولم تتم معاملتها بمبيدات فطرية كيميائية قبل الزراعة. ويُمنع منعًا باتًا استخدام البذور أو النباتات المعدلة وراثيًا (GMOs).

3- إدارة التربة والتسميد (Soil Management and Fertilization)

يُمنع استخدام أي مركبات كيميائية، مثل الأسمدة الكيميائية المصنعة (اليوريا، والنترات، والسماد المركب NPK المصنع). ويتم استخدام بدائل للمركبات الكيميائية، تشمل السماد البلدي (الكمبوست) المعالج حراريًا لقتل مسببات الأمراض، والأسمدة الحيوية (البكتيريا النافعة)، وصخور الفوسفات الطبيعية، وبقايا النباتات، مع تشجيع الدورة الزراعية (تبديل المحاصيل في الأرض) للحفاظ على خصوبة التربة طبيعيًا، كما سيأتي ذكره.

4- مكافحة الآفات والأمراض والحشائش (Control of Pests, Diseases and Weeds)

يُمنع رش أي مبيدات حشرية أو فطرية كيميائية مصنعة. ويكون البديل لمكافحة الحشرات والأمراض هو استخدام الأعداء الطبيعية للحشرات (المكافحة البيولوجية)، والمصائد الفيرومونية واللاصقة، والمستخلصات النباتية الطبيعية (مثل زيت النيم أو الشطة والثوم)، واستخدام كبريتات النحاس والكبريت الميكروني في حدود معينة مسموح بها، كما سيأتي ذكره.

أما بالنسبة للحشائش، فالبديل هو التخلص منها يدويًا أو ميكانيكيًا (بالعزق)، أو تغطية التربة (الملش)، ويُمنع تمامًا رش مبيدات الحشائش.

5- مصدر المياه وموقع المزرعة (Water Source and Farm Location)

يجب أن يكون مصدر مياه الري نظيفًا وغير ملوث بمياه الصرف الصحي أو الصرف الصناعي. كما يجب وجود مسافات عازلة أو حواجز، مثل الأشجار الكثيفة، بين المزرعة العضوية والمزارع التقليدية المجاورة لها، لمنع انتقال المبيدات عبر الهواء أو مياه الري (الرذاذ والانجراف).

ولهذا يُوصى دائمًا بزراعة مصدات الرياح وأحزمة شجرية عازلة مكونة من (3–5) خطوط شجرية عالية الارتفاع، مثل الكافور والكازورينا والسرو، لنجاح عزل المزرعة التي تعمل وفق النظام العضوي.

6- السجلات والتفتيش (Records and Inspection)

أصبح ملف الزراعة العضوية محكومًا بقوانين واضحة ومنظمة بعد صدور قانون الزراعة العضوية رقم 12 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية.

وبناءً على هذا القانون، توجد جهات حكومية رئيسية تشرف على المنظومة، وجهات معتمدة (مكاتب تفتيش) تتعامل معها مباشرة لتسجيل المزرعة ومنح الشهادة، مع الاحتفاظ بسجل دقيق جدًا يُدون فيه كل ما يدخل إلى المزرعة، مثل تاريخ شراء البذور، وكميات التسميد، وطرق المكافحة، وكميات الإنتاج.

كما تخضع المزرعة لتفتيش دوري ومفاجئ (مرة أو مرتين في السنة على الأقل) من قبل الشركات المعتمدة لمنح الشهادات، وذلك لأخذ عينات من التربة والمياه والنبات وتحليلها.

أهم بدائل الأسمدة والمبيدات المستخدمة في نظام الزراعة العضوية (بعد المراجعة اللغوية فقط دون إضافة أو حذف)

ثانيًا: أهم بدائل الأسمدة والمبيدات المستخدمة في نظام الزراعة العضوية

❖ بدائل الأسمدة الكيميائية (التغذية العضوية) (Organic Nutrition)

الهدف هنا ليس تغذية النبات مباشرة فقط، بل تغذية التربة لتصبح بيئة حية تمد النبات بالعناصر بصورة متوازنة، ومن أهم هذه البدائل:

1- الكومبوست النباتي والحيواني (Compost)

هو العمود الفقري للتسميد العضوي، حيث يُعاد تدوير المخلفات النباتية والحيوانية وتحليلها هوائيًا للقضاء على مسببات الأمراض وبذور الحشائش، وهو غني بالمادة العضوية والعناصر الكبرى والصغرى.

2- السماد الأخضر (Green Manure)

ويقصد به زراعة نباتات بقولية (مثل البرسيم)، ثم حرثها وتقليبها في التربة قبل التزهير، لتزويد التربة بنسب عالية جدًا من النيتروجين الطبيعي وتحسين خواصها الفيزيائية.

3- الأسمدة الحيوية (Bio-fertilizers)

وهي مخصبات تحتوي على كائنات دقيقة نافعة، منها:

  • مثبتات النيتروجين الجوي: مثل بكتيريا Azotobacter وAzospirillum.
  • مذيبات الفوسفات: مثل بكتيريا Bacillus megaterium، التي تحول الفوسفور المقيد في التربة إلى صورة صالحة لامتصاص النبات.
  • ميسرات البوتاسيوم: مثل بكتيريا الكبريت والسيليكات، التي تحرر البوتاسيوم في التربة.

4- المستخلصات الطبيعية السائلة

  • شاي الكومبوست: وهو منقوع الكومبوست الهوائي، غني بالمغذيات والبكتيريا النافعة، ويُستخدم رشًا أو حقنًا مع مياه الري.
  • مستخلصات الطحالب البحرية (Seaweed Extracts): وهي غنية بمنظمات النمو الطبيعية (السيتوكاينينات والأوكسينات)، وتزيد من قدرة النبات على تحمل الإجهاد الحراري والملوحة.

5- الصخور الطبيعية المطحونة

مثل الفوسفات الصخري، باعتباره مصدرًا طبيعيًا بطيء التحلل للفوسفور، وبودرة البوتاسيوم الصخري (الفيلدسبار).


❖ بدائل مكافحة الآفات (المكافحة الحيوية) (Biological Control)

في الزراعة العضوية لا ننتظر ظهور الآفة للقضاء عليها، بل نمنع انتشارها وتكاثرها باستخدام الوسائل التالية:

المبيدات الميكروبية (الممرضة للحشرات)

1- بكتيريا Bacillus thuringiensis (Bt)

تستخدم للقضاء على اليرقات والديدان، مثل دودة ثمار الطماطم ودودة ورق القطن.

2- الفطريات الممرضة

مثل فطر Beauveria bassiana، الذي يقضي على الذبابة البيضاء والتربس والمنّ عن طريق الملامسة.

3- المستخلصات والزيوت النباتية

  • مستخلص زيت النيم (Azadirachtin): يعمل كمشوه لنمو الحشرات ومانع للتغذية.
  • الزيوت العطرية الصافية: مثل زيت القرنفل، والنعناع، والزعتر، ولها تأثير طارد ومبيد للأكاروسات والحشرات الرخوة.

4- المكافحة الفطرية لأمراض التربة

ويتم ذلك باستخدام فطر Trichoderma وبكتيريا Bacillus subtilis لحماية الجذور من أعفان التربة والذبول ومرض لفحة المحاصيل.

5- الحواجز الميكانيكية والصابون البوتاسي

يُستخدم الصابون البوتاسي الطبيعي في غسل النبات وإذابة الأغطية الشمعية للحشرات، مثل الحشرة القشرية والبق الدقيقي.

التصوير والرصد والتنبؤ بالآفات، والجهات المعتمدة لمنح شهادات الزراعة العضوية (بعد المراجعة اللغوية فقط دون إضافة أو حذف)

❖ التصوير والرصد والتنبؤ بالآفات (Monitoring & Scouting)

تعبيرك عن “التصوير” ينقلنا إلى أهم جزء في الزراعة العضوية الذكية الحديثة، حيث تعتمد المكافحة، قبل كل شيء، على الرصد المبكر جدًا لمنع الآفة من الوصول إلى “الحد الحرج” الذي يسبب ضررًا اقتصاديًا، وذلك عبر الوسائل الآتية:

1- المصائد اللونية اللاصقة كأداة تصوير ورصد

يتم توزيع المصائد الصفراء والزرقاء في الحقل، ودورها لا يقتصر على المكافحة فقط، بل تعمل كـ”شاشة عرض” للمزارع؛ فبمجرد فحصها يوميًا ورؤية (أو تصوير) الحشرات الملتصقة بها، يتعرف المزارع بدقة على نوع الحشرة التي بدأت تهاجم الحقل (المن، التربس، الذبابة)، وعددها، فيتدخل فورًا بالبديل الحيوي المناسب قبل تفاقم الإصابة.

2- التصوير الرقمي وفحص المجموع الخضري

يتم استخدام تطبيقات الهواتف الذكية لتصوير أعراض النقص الغذائي أو بقع الأمراض الفطرية على الأوراق (مثل التبقعات أو اللفحات)، وتحليلها فورًا لمعرفة المسبب.

3- المصائد الفيرومونية

تُستخدم لرصد ذكور الحشرات الطائرة (مثل الفراشات وصانعات الأنفاق)، لمعرفة توقيت خروج الفراشات وبدء وضع البيض، مما يحدد التوقيت المثالي للرش ببكتيريا Bt لاستهداف اليرقات فور خروجها من البيض، وقبل دخولها إلى الثمار أو الساق.


ثالثًا: الجهات التي تقوم بإصدار شهادات الزراعة العضوية

1- الجهات الحكومية الرقابية والتشريعية

هذه الجهات لا تقوم عادةً بالتفتيش بنفسها على المزارع الفردية، ولكنها الجهة العليا التي تراقب مكاتب التفتيش وتعتمدها وتضع المعايير، وهي:

• الإدارة العامة للزراعة العضوية (المعمل المركزي للزراعة العضوية)

تتبع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، وهي المسؤول الأول عن وضع معايير الإنتاج الزراعي العضوي، ومراجعة مدخلات الإنتاج (الأسمدة والمبيدات الحيوية)، وتسجيل “جهات المطابقة” (مكاتب التفتيش).

• الهيئة القومية لسلامة الغذاء

تشترك مع وزارة الزراعة في الإشراف على المنتجات العضوية المصنعة وتداولها في الأسواق المحلية، وضمان سلامتها وجودتها، والشعار الذي يوضع عليها.


2- جهات المطابقة والتفتيش المعتمدة (التي تسجل المزارع)

لكي تقوم بتسجيل مزرعتك والحصول على شهادة “عضوي” (Organic Certification)، يجب أن تتقدم بطلب إلى إحدى مكاتب التفتيش المعتمدة دوليًا ومحليًا، والمصنفة كجهات مطابقة لدى وزارة الزراعة، ومن أشهرها في مصر:

  • المركز المصري للزراعة العضوية (ECOA): من أقدم وأشهر الجهات المصرية المحلية المعتمدة دوليًا للتفتيش ومنح الشهادات للمزارع والشركات.
  • الشركة الألمانية لضمان جودة منتجات الزراعة العضوية والحيوية (BCS Kiwa / BCS ÖKO): مكتب معتمد دوليًا، وله فرع قوي في مصر، خاصة إذا كنت تستهدف التصدير إلى الاتحاد الأوروبي.
  • مركز منطقة المتوسط للتفتيش ومنح الشهادات (IMC): جهة تفتيش ومنح شهادات معتمدة، ولها نشاط واسع في مصر ودول الشرق الأوسط.
  • الخدمات الدولية لمراقبة الجودة (QC&I): جهة معتمدة للتفتيش على المزارع والشركات، وتمنح شهادات الجودة والزراعة العضوية.
  • مركز تحديث الصناعة (IMC)، أو جمعيات زراعية كبرى، مثل جمعية تكنوجين أو ديمتر للزراعة الحيوية (Biodynamic): تساهم أحيانًا في تقديم الدعم الفني والربط مع مكاتب التفتيش الدولية.

عندما تقرر تسجيل مزرعتك، تختار أحد مكاتب التفتيش المذكورة أعلاه (مثل ECOA أو BCS) وتتقدم بطلب لديها. وتقوم الجهة بفحص المزرعة وتحليل التربة والمياه، وإذا كانت الأرض تُزرع بالكيماويات سابقًا، تدخل المزرعة في “فترة تحول” تستمر عادةً من سنتين إلى ثلاث سنوات قبل الحصول على الشهادة النهائية. أما إذا كانت أرضًا بكرًا (لم تُزرع من قبل)، فيمكن تسجيلها مباشرة بعد التأكد من نتائج التحاليل.

وعليه، نجد أن الزراعة العضوية تعتمد على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، والتعامل مع المزرعة كنظام بيئي طبيعي متكامل، دون أي تدخل كيميائي بأي شكل.

ملاحظة علمية صغيرة: أثناء المراجعة التزمت بعدم الإضافة أو الحذف كما طلبت، لكن توجد نقطة واحدة ليست لغوية وإنما علمية، وهي أن مركز تحديث الصناعة (IMC) لا يُعد جهة مانحة لشهادات الزراعة العضوية، بل جهة دعم فني وتطوير. إذا كان المقال معدًا للنشر العلمي أو في مجلة متخصصة، فمن الأفضل مراجعة هذه الجزئية مع المؤلف لضمان الدقة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى