ملفات ساخنة

حين نرمي الخبز نهدر النيل.. فاقد الغذاء خسارة للماء والأرض وجهد الفلاح

إعداد: أ.د.قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة – جامعة المنيا

في نهاية يوم طويل، قد يُلقى رغيف خبز في القمامة دون أن يلتفت إليه أحد. لكن هذا الرغيف يحمل وراءه أرضًا زُرعت، وماءً استُخدم، وفلاحًا تابع محصوله، وعمالًا حصدوا ونقلوا وطحنوا وخبزوا. حين نهدره وهو صالح للأكل، نخسر ثمرة رحلة كاملة، ونبدد موارد وجهودًا كان يمكن أن تنتفع بها أسرة. لذلك تستحق قضية فاقد الغذاء وهدره مكانًا أساسيًا في حديثنا عن الزراعة، خصوصًا عندما نبحث عن زيادة الإنتاج وتحسين دخل المزارع.

الغذاء الذي نفقده قبل أن نأكله

تبدأ المشكلة أحيانًا قبل وصول الطعام إلى المستهلك. فقد يتضرر محصول أثناء الجمع، أو يتلف خلال النقل، أو تتراجع جودته بسبب تخزين غير مناسب. وقد يصل سليمًا إلى السوق والمنزل، ثم يُشترى بكميات زائدة ويُترك حتى يفسد. لذلك نحتاج إلى النظر في السلسلة كلها، وفهم موضع الخسارة وسببها، بدل اختزال القضية في سلوك الأسرة أو إلقاء المسؤولية على المزارع وحده.

ويكشف تقرير مؤشر هدر الأغذية لعام 2024، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن العالم ولّد نحو 1.05 مليار طن من مخلفات الغذاء في 2022، لدى المنازل وخدمات الطعام والتجزئة، بما يقارب 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين. وتشمل الكمية أجزاء غير قابلة للأكل، فلا يجوز اعتبارها كلها وجبات صالحة مهدرة. وكانت المنازل مسؤولة عن 60%، وخدمات الطعام عن 28%، والتجزئة عن 12% (طبقًا لبيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة).

حين نخسر المحصول نخسر الماء

في مصر، تقودنا هذه القضية إلى الماء الذي يحمل قيمة خاصة في حياتنا الزراعية. فالغذاء يحتاج إلى موارد لإنتاجه، وما نراه على المائدة يخفي وراءه عمليات ري وتسميد وتداول وتصنيع. ولذلك فإن زيادة الانتفاع بما أُنتج تستحق اهتمامًا يوازي اهتمامنا بزيادة ما نزرعه. ويمكن أن يصبح تقليل الخسائر هدفًا في خطط المزرعة والتسويق، تتشارك فيه الجهات المعنية والمنتجون والتجار والمستهلكون.

وعنوان «نهدر النيل» يعبر عن ارتباط الغذاء بالماء، ولا يعني أن كل رغيف صُنع من قمح رُوي بمياه النيل؛ فقد يأتي القمح من الإنتاج المحلي أو الاستيراد. كما لا يعني إنقاذ رغيف استرجاع مياه استُخدمت بالفعل. المقصود أن استمرار تقليل الهدر يمكن أن يخفف إنتاج فائض لا يؤكل، ويحسن العائد الغذائي من الموارد. ومن هنا يصبح احترام الطعام جزءًا من احترام الأرض والماء والعمل.

خسارة الفلاح تحتاج إلى حساب

حين يُباع جزء أقل من المحصول، أو تنخفض قيمته بسبب تلف يمكن تجنبه، يحتاج المزارع إلى معرفة أين حدث ذلك. وأقترح أن يسجل، ولو في دفتر بسيط، الكميات المجموعة والمباعة والمرفوضة وأسباب الرفض.

ولا ينبغي حصر الحساب في وزن المفقود؛ فتراجع الجودة قد يخفض السعر أيضًا. وأقترح أن تتضمن المتابعة توقيت الجمع، وطريقة التعبئة، ومدة الانتظار، وظروف النقل، مع مراجعة العلاقة بالمشتري. وتستحق هذه المعلومات أن تدخل برامج الإرشاد، لأن الفلاح يحتاج إلى حماية قيمة محصوله حتى إتمام البيع. وقد تكون معالجة مشكلة صغيرة في التداول أكثر ملاءمة له من تحمل تكاليف إضافية لإنتاج كمية أكبر.

الحصاد والتداول وفق طبيعة المحصول

تختلف احتياجات الحبوب عن الخضروات والفاكهة، وتختلف الأصناف داخل المحصول نفسه. لذلك يجب أن تقدم التوصيات على أساس تشخيص محلي وخصائص المنتج ومتطلبات السوق. وأقترح تنظيم عروض حقلية توضح طرق الجمع والتعبئة الملائمة، ومقارنة العبوات والوسائل المستخدمة من حيث التكلفة والجودة. فالتدريب الذي يتيح للمزارع مشاهدة النتيجة وطرح الأسئلة يساعده على تقدير جدوى التغيير، ويجعل الإرشاد أقرب إلى ظروف عمله اليومية.

وأقترح أيضًا تحسين التنسيق بين موعد الحصاد واستعداد النقل والتسويق، حتى لا تبقى الكميات منتظرة دون خطة. ويمكن للجمعيات والتعاونيات تجميع احتياجات المزارعين للخدمات، والتفاوض على نقل مناسب، وربط المنتجين بالمشترين مسبقًا. والمهم أن تكون الاتفاقات واضحة بشأن الجودة والكمية والتوقيت وطريقة الدفع. فالتنظيم الجيد يحتاج إلى معلومات متبادلة ومسؤوليات محددة، وتقييم بعد الموسم يبين ما نجح وما يحتاج إلى تعديل.

التخزين والتصنيع استثمار محسوب

قد يحتاج المزارع إلى تخزين أو تبريد أو تصنيع جزء من الإنتاج، لكن اختيار الحل ينبغي أن يسبقه تقييم فني واقتصادي. وأقترح إتاحة خدمات مشتركة لصغار المنتجين عندما تكون مجدية، مع تحديد مسؤولية الإدارة والصيانة وكلفة الاستخدام. فوجود منشأة وحده لا يضمن النجاح؛ يحتاج المشروع إلى تشغيل مستمر، ومعايير جودة، وسوق يستوعب المنتج، وخطة تمويل تناسب التدفقات الفعلية للدخل والمصروفات.

ويمكن دراسة تحويل فائض سليم من بعض المحاصيل إلى منتجات مصنعة، بالتعاون مع جهات مؤهلة ووفق اشتراطات السلامة. لكن التصنيع لا يصلح وسيلة لإخفاء التلف أو تسويق غذاء غير آمن. وأقترح أن ترافق أي مبادرة تدريب ورقابة وتقييم للسوق، وأن تبدأ بتجربة محدودة قبل التوسع. بهذه الطريقة نحمي المستهلك والمزارع، ونتجنب نقل الخسارة من محصول غير مباع إلى مشروع لا يجد مشترين لمنتجاته.

البحث الزراعي يتابع رحلة الثمرة

بصفتي متخصصًا في الوراثة النباتية، أرى أن تقييم الأصناف ينبغي أن يشمل الجودة وتحمل التداول وملاءمة الاستخدام، إلى جانب الإنتاجية. وأقترح ربط برامج التربية ببحوث ما بعد الحصاد والتسويق، بحيث تُختبر الخيارات في الظروف التي سيواجهها المنتج فعلًا. فالصنف المناسب يحتاج إلى معلومات واضحة عن موعد جمعه ومتطلبات حفظه وحدود تحمله، حتى يستطيع المزارع والمشتري الاستفادة من صفاته دون توقعات مبالغ فيها.

كما نحتاج إلى بيانات مصرية تحدد الخسائر بحسب المحصول والمنطقة والموسم والمرحلة. وأقترح تعاون الجامعات ومراكز البحوث والإرشاد والقطاع الخاص في دراسات تطبيقية، ثم نشر نتائج مبسطة يستفيد منها المنتجون. ولا تكفي نسبة عامة لتوجيه القرار؛ المطلوب معرفة السبب والتكلفة والحل الممكن. ويمكن قياس فاعلية البرامج بمقارنة الخسارة والعائد قبل التدخل وبعده، مع مراعاة تغير الأسعار والطقس وظروف السوق.

المائدة شريك للحقل

في المنزل، تستطيع الأسرة مراجعة الموجود قبل الشراء، وتقدير احتياجاتها، وتنظيم استخدام الطعام. وأقترح متابعة ما يُهدر أسبوعيًا لمعرفة الأصناف والكميات التي تتكرر خسارتها، ثم تعديل الشراء والتحضير وفق ذلك. وينبغي الالتزام بتعليمات الحفظ والسلامة، والاستفادة من المتبقي الصالح فقط. ويمكن للمطاعم تطبيق المبدأ نفسه، بقياس الفائض وضبط التحضير والحصص، وتنظيم التبرع بالغذاء الآمن عبر جهات مؤهلة.

ومع اليوم الدولي للتوعية بالفاقد والمهدر من الأغذية في 29 سبتمبر، يمكن أن نجعل المناسبة بداية لعمل يستمر طوال العام (برنامج الفاو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة). وأقترح حملة تجمع الجمعية الزراعية والمدرسة والسوق والوحدة المحلية، تقدم رسائل محددة وخدمات قابلة للتطبيق. فالمزارع يحتاج إلى إرشاد وتسويق، والتاجر إلى تداول مناسب، والأسرة إلى تنظيم الاستهلاك. وعندما تتكامل هذه الأدوار تصبح حماية الغذاء مسؤولية مشتركة ونتيجة يمكن قياسها.

إن حماية رغيف الخبز تبدأ من الحقل وتمتد إلى المائدة. وكل خطوة تقلل تلفًا يمكن تجنبه تستحق أن تدخل حساب الأمن الغذائي ودخل الفلاح. فلنحسب نجاح الزراعة بما ننتجه وبما يصل سليمًا إلى الناس، ولنحترم في الطعام أثر الأرض والماء والعمل. حين نحفظ الغذاء، نمنح جهد الفلاح قيمة أكبر، ونزيد الانتفاع بمواردنا، ونترك للأجيال القادمة ثقافة تعرف أن النعمة تحتاج إلى رعاية.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى