الجهاز الإداري للدولة بين الإصلاح وضخ دماء جديدة

بقلم: أحمد إبراهيم
وكيل وزارة ومشرفاً على شبكة الإذاعات الإقليمية بالإذاعة المصرية والمستشار الإعلامي لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي سابقاً
هل أصبح الجهاز الإداري للدولة هو المشكلة.. أم أن المشكلة الحقيقية كانت في الطريقة التي أُدير بها هذا الجهاز لعشرات السنين؟ السؤال يستحق أن يُطرح بصراحة، بعيدًا عن الشعارات والأحكام الجاهزة. نعم، لا أحد يستطيع إنكار أن الفساد تسلل إلى بعض مفاصل الجهاز الإداري، وتحول إلى إدارة فساد وليس فساد إدارة، وأن البيروقراطية والروتين وسوء الإدارة عطلت مصالح المواطنين وأعاقت مسيرة التنمية في أوقات كثيرة.
لكن هل كان الموظف وحده مسؤولًا عن كل ذلك؟ وهذا السؤال طرحته على وزراء أكفاء سابقين للتنمية الإدارية والمحلية، منهم د. أحمد درويش، واللواء محسن النعماني، واللواء أبو بكر الجندي. الحقيقة أن الجهاز الإداري كان مظلومًا قبل أن يكون ظالمًا.
فقد عانى من سوء اختيار بعض القيادات، ومن ضعف الأجور والحوافز، وقلة التدريب، وغياب معايير واضحة وشفافة للتعيين والترقي، بينما كانت الواسطة والمجاملة في فترات سابقة تتقدم أحيانًا على الكفاءة وتكافؤ الفرص.
وفي الوقت نفسه، تضخم الجهاز الإداري بصورة كبيرة، حتى تجاوز عدد العاملين به سبعة ملايين عام 2010، وهو ما جعل إعادة النظر في سياسة التعيينات أمرًا مفهومًا وضروريًا، خاصة مع ارتفاع فاتورة الأجور والمرتبات.
ومن هنا جاء قرار وقف التعيينات الحكومية منذ عام 2011. لكن ما كان علاجًا مناسبًا في وقت ما، قد يتحول بمرور الزمن إلى مشكلة جديدة. فبعد نحو خمسة عشر عامًا، تغيرت خريطة الجهاز الإداري تمامًا. بعد وفاة وخروج الملايين إلى المعاش، تراجعت أعداد العاملين بصورة مستمرة، حتى أصبح العجز يضرب مصالح حكومية مختلفة، بما فيها جهات كانت تعاني في الماضي من التكدس.
والأخطر أن العجز لم يعد في الوظائف الإدارية فقط، وإنما وصل إلى الوظائف الفنية والتخصصية التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
في قطاع الزراعة مثلًا، كيف يمكن أن نتحدث عن زيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، بينما تعاني بعض الجمعيات الزراعية والوحدات البيطرية ومراكز الإرشاد الزراعي من نقص الأطباء البيطريين والمهندسين والمتخصصين؟
وكيف نطالب بتطوير التعليم، بينما تعاني مدارس عديدة من نقص المعلمين؟ حتى العجز وصل إلى مصلحة الضرائب.
لكن القضية الأخطر في رأيي تتعلق بالمراكز البحثية التطبيقية، وفي مقدمتها مركز البحوث الزراعية ومركز بحوث الصحراء.
البحث العلمي ليس أجهزة ومعامل ومبانٍ فقط. البحث العلمي هو الإنسان أولًا. هو العالم الذي أمضى أربعين عامًا في الحقل والمعمل، وهو الخبرة التي اكتسبها، وهو الباحث الشاب الذي يقف إلى جواره ليتعلم منه قبل أن يرحل. عندما يتوقف دخول الباحثين الجدد، لا يتوقف مجرد التعيين؛ وإنما تنقطع حلقة مهمة من حلقات نقل المعرفة والخبرة من جيل إلى جيل.
وقد نخسر بعد سنوات خبرات لا يمكن شراؤها بالمال. لهذا أعتقد أن الوقت قد حان لمراجعة شاملة لسياسة التعيينات، ليس للعودة إلى التكدس القديم، وإنما للانتقال إلى تعيين ذكي وموجه وفقًا للاحتياج الحقيقي للدولة.
نحتاج إلى استقطاب الكفاءات الشابة، وإعادة بناء الهرم الوظيفي، وسد العجز في الوظائف الفنية والتخصصية، وإتاحة فرص عادلة لأوائل الخريجين والمتفوقين في التخصصات التي تحتاجها الدولة. وهذا لن يكون مجرد حل لمشكلة الجهاز الإداري، بل سيكون أيضًا رسالة مهمة للشباب: اجتهد وتفوق، فهناك مكان للكفاءة.
نحن لا نحتاج إلى ملايين الموظفين الجدد، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن ندير دولة حديثة بجهاز إداري يشيخ عامًا بعد عام دون ضخ دماء جديدة، خاصة مع الزيادة السكانية المطردة، والأهم من ذلك كله: لا يجب أن ننظر إلى الجهاز الإداري باعتباره عبئًا ينبغي التخلص منه، بل باعتباره مؤسسة وطنية تحتاج إلى إصلاح وتجديد.
مصر دولة عريقة، وجهازها الإداري يمتلك خبرات تراكمت عبر عقود طويلة. وهو الذي حماها في العديد من الأزمات، آخرها خلال ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، حيث لم تتوقف مصالح المواطنين، وكانت الحياة مستمرة في فترات لم يكن البلد بها حكومة ولا رئيس جمهورية.
يمكن محاربة الفساد دون محاربة الموظف. ويمكن القضاء على البيروقراطية دون القضاء على الجهاز الإداري.
ويمكن تجديد الدماء دون العودة إلى التكدس. الإصلاح أفضل من الهدم.. والتطوير أفضل من الاستبدال. فالدولة القوية ليست التي تهدم مؤسساتها القديمة، وإنما التي تعرف كيف تصلحها، وتستفيد من خبراتها، وتمنحها دماء جديدة.
أرجو ألا نتعامل مع الجهاز الإداري بنفس منطق قطع الأشجار، فبعد وقوع الكارثة يكون العلاج صعبًا، وأحيانًا يكون مستحيلًا وباهظ التكلفة.
ختامًا، الجهاز الإداري المصري لا يحتاج إلى مقصلة.. بل يحتاج إلى عملية جراحية دقيقة: نزيل منها الفساد والروتين، ونُبقي على الخبرة، ونضخ دماء الشباب، ونستخدم التكنولوجيا الحديثة والتحول الرقمي، وهنا تبدأ عملية تجديد شباب الدولة نفسها.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



