صحة

الشعير في مواجهة الخبز الأبيض.. ماذا خسرنا عندما تغيّر غذاؤنا؟

كتبت: د.شكرية المراكشي أحيانًا لا تكمن المشكلة في الطعام الذي نتناوله فقط، وإنما في الطريقة التي ننظر بها إليه. فقد تحول الخبز الأبيض في مجتمعاتنا من مجرد غذاء إلى عادة يومية راسخة، بينما تراجع حضور الحبوب الكاملة التي عرفها أجدادنا، وفي مقدمتها الشعير والشوفان والقمح الكامل.

وهنا لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى إلغاء الخبز الأبيض أو تقديم الشعير باعتباره غذاءً سحريًا، وإنما بطرح سؤال أكثر أهمية: ماذا خسرنا عندما أصبح غذاؤنا أكثر اعتمادًا على الدقيق الأبيض وأقل اعتمادًا على الحبوب الكاملة؟

الشعير.. حبة غذائية تستحق العودة إلى المائدة

يُعد الشعير من الحبوب التي تستحق اهتمامًا أكبر ضمن النظام الغذائي، لاحتوائه على الألياف الغذائية، خاصة ألياف «البيتا جلوكان»، إلى جانب البروتينات والمعادن ومركبات نباتية أخرى.

وتسهم الألياف الغذائية عمومًا في دعم صحة الجهاز الهضمي، كما يرتبط تناولها ضمن نظام غذائي متوازن بتحسين التحكم في مستويات سكر الدم، وتعزيز الشعور بالشبع، ودعم صحة القلب.

وينطبق جانب من ذلك على الشوفان، الذي يُعد أيضًا مصدرًا مهمًا للبيتا جلوكان، ولذلك يحظى بمكانة متزايدة في الأنظمة الغذائية التي تهتم بجودة الغذاء وتنوعه، وليس فقط بعدد السعرات الحرارية.

لكن هناك نقطة علمية مهمة يجب توضيحها؛ فاللايسين ليس مادة «تشد العظم وتطيله» كما يردد البعض، وإنما هو حمض أميني أساسي يدخل في بناء البروتينات، وله دور مهم في النمو وصحة الأنسجة والعظام. والحصول على احتياجات الجسم منه لا يعتمد على الشعير وحده، بل على تنوع مصادر البروتين في النظام الغذائي.

كما أن طول الإنسان وقوة بنيته لا يمكن اختزالهما في نوع واحد من الخبز أو الحبوب، فالنمو نتاج تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والتغذية والصحة العامة والهرمونات والنشاط البدني والظروف المعيشية خلال مراحل الطفولة والمراهقة.

ومن ثم، فإن القول إن الخبز الأبيض وحده هو سبب قصر القامة أو «التقزم» لدى الأجيال الحديثة، ليس تفسيرًا علميًا دقيقًا.

المشكلة ليست في رغيف الخبز وحده

هذا لا يعني أن التغيرات التي طرأت على أنماط غذائنا لا تستحق التوقف أمامها. فالمشكلة الأوسع تكمن في التحول الذي شهده النظام الغذائي ككل؛ إذ تراجع في كثير من الأحيان الاعتماد على الحبوب الكاملة والبقول والخضروات والأغذية الغنية بالألياف، لصالح منتجات تعتمد بدرجة أكبر على الدقيق المكرر والسكريات والدهون والمنتجات فائقة التصنيع.

وهنا يجب أن نفرق بين الخبز الأبيض باعتباره أحد مكونات النظام الغذائي، وبين النظام الغذائي بأكمله.

فالخبز الأبيض ليس سمًا، كما أن الشعير ليس دواءً سحريًا. وتبدأ المشكلة عندما يصبح الغذاء فقيرًا في التنوع والألياف والعناصر الغذائية، وغنيًا في الوقت نفسه بالسكريات والمنتجات فائقة التصنيع.

ولعل الأهم أن نعيد النظر في علاقتنا بالحبوب الكاملة والقديمة، ليس باعتبارها مجرد تراث غذائي، وإنما باعتبارها أيضًا جزءًا من مستقبل الأمن الغذائي. فالشعير محصول مهم زراعيًا، كما يمكن أن تسهم الحبوب الكاملة والبقول وغيرها في بناء منظومة غذائية أكثر تنوعًا، خاصة في عالم يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالمياه والمناخ وتكاليف إنتاج الغذاء.

ومن هنا، أرى أن السؤال الحقيقي ليس: هل نأكل الشعير أم الخبز الأبيض؟ وإنما: هل نعرف فعلًا ماذا نضع في أطباقنا ولماذا؟

لقد كان أجدادنا يعتمدون على غذاء بسيط، لكن البساطة لم تكن تعني بالضرورة الفقر الغذائي؛ فقد كانت الحبوب والبقول والخضروات مكونات أساسية في مائدتهم، قبل أن تتغير أنماط الإنتاج والاستهلاك بفعل صناعة الغذاء الحديثة.

ولذلك فإن العودة إلى الغذاء الصحي لا تعني العودة إلى الماضي بكل تفاصيله، وإنما تعني الاستفادة من حكمة الماضي في ضوء العلم الحديث.

نحن لا نحتاج إلى حرب على الخبز الأبيض، بقدر حاجتنا إلى ثقافة غذائية تجعل الحبوب الكاملة حاضرة، والتنوع أساسًا، والاعتدال قاعدة.

فالجسم لا يُبنى من نوع واحد من الطعام، وإنما من منظومة متكاملة تشمل الغذاء والصحة والحركة والنوم والظروف البيئية.

وربما تكون أهم رسالة يمكن أن نتعلمها من قصة الشعير هي أن الغذاء ليس مجرد شيء يسكت الجوع، وإنما قرار طويل الأثر؛ يبدأ من المزرعة، ويمر بالمطحنة والمصنع والمطبخ، وينتهي داخل أجسادنا.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه دائمًا ليس فقط: ماذا نأكل؟

بل: ماذا سيصنع هذا الطعام في أجسادنا، وفي صحتنا، وفي مستقبل غذائنا؟

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى