أبناؤنا لا يسمعون الكلام أم أننا لم نعد نفهم لغة هذا الجيل؟

بقلم: د.أسامة بدير
في جلسة امتدت لساعات مساء أمس، هاتفني أحد أصدقائي وهو يحمل قدراً كبيراً من الحيرة والضيق، يشكو حال أبنائه الذكور والإناث الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و22 عاماً. كان الرجل يتحدث بحسرة واضحة، وهو يروي مواقف متكررة تؤكد – من وجهة نظره – أن هذا الجيل أصبح أكثر عناداً وإصراراً على السير وفق أهوائه الخاصة، حتى وإن كانت النتائج تحمل الفشل أو الخسارة أو الوقوع في الأخطاء نفسها مرات متتالية دون الاستفادة منها أو التعلم من دروس الحياة.
الحقيقة أنني أثناء استماعي إليه لم أستطع أن ألومه بالكامل، كما لم أستطع أيضاً أن أضع اللوم كله على الأبناء. فنحن أمام جيل نشأ في زمن مختلف تماماً عن الأجيال السابقة؛ زمن مفتوح بلا حدود، تتداخل فيه الأفكار والثقافات والمؤثرات عبر الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى بات الشاب الصغير يشعر أنه يمتلك من المعرفة ما يجعله قادراً على اتخاذ القرار دون الرجوع إلى أحد، رغم أن التجربة الحياتية الحقيقية لا تزال محدودة للغاية.
المشكلة الكبرى أن بعض الشباب اليوم يخلطون بين الثقة بالنفس وبين تجاهل النصيحة. فليس كل تمرد بطولة، وليس كل مخالفة لرأي الأسرة دليلاً على قوة الشخصية أو الاستقلالية. هناك مواقف كثيرة تحتاج إلى عقل أكثر هدوءاً وخبرة، لأن الحياة ليست مجرد آراء تُقال، بل تجارب قاسية يدفع الإنسان ثمنها من عمره واستقراره ومستقبله. والمؤلم أن بعض الأبناء لا يدركون قيمة النصيحة إلا بعد الاصطدام المتكرر بالواقع، وعندها يكون الوقت قد تأخر أو أصبحت الخسائر أكبر من مجرد خطأ عابر.
وفي المقابل، فإن على أولياء الأمور أيضاً أن يدركوا أن المقارنة المستمرة بين جيلهم وجيل أبنائهم لم تعد منصفة أو مفيدة. فالحياة تغيرت بشكل هائل، والتحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الأبناء اليوم تختلف كثيراً عما عاشه الآباء قبل عقود. لذلك فإن تكرار عبارات مثل “نحن كنا نسمع الكلام” أو “لم نكن نتصرف هكذا” قد يزيد الفجوة اتساعاً بدلاً من أن يقرب المسافات. المطلوب اليوم ليس فرض السيطرة فقط، بل تطوير أساليب الحوار والاحتواء والاستماع، لأن لغة الأوامر وحدها لم تعد كافية لبناء جسر من الثقة مع هذا الجيل.
ورغم كل ما يقال عن صعوبة التعامل مع أبناء اليوم، فإن الحقيقة الثابتة التي لا تتغير هي أن الأسرة ستظل الملاذ الأول والأصدق لأي إنسان. فلا يوجد على ظهر الأرض من يحب الأبناء بصدق وإخلاص مثل آبائهم وأمهاتهم، ولا أحد يخاف على مستقبلهم مثلهم. ولهذا فإنني أوجه رسالة صادقة إلى شباب اليوم: استمعوا جيداً إلى أولياء أموركم، حتى وإن اختلفتم معهم أحياناً. ناقشوهم، تحاوروا معهم، لكن لا تستهينوا أبداً بخبراتهم أو نصائحهم، فهم لم يصلوا إلى هذا العمر إلا بعد تجارب طويلة ومريرة أحياناً. قد ترون بعض آرائهم قديمة، لكن كثيراً منها يحمل من الحكمة ما قد ينقذكم من أخطاء موجعة. فالأب والأم لا يريدان السيطرة عليكم، بل يريدان فقط أن يروكم أفضل وأقوى وأكثر أماناً في هذه الحياة الصعبة.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


