رأى

الاستثمار في الحد من مخاطر الكوارث: هدف سنداي الثالث

بقلم: د.شكرية المراكشي

الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية

في عالمٍ يعلو فيه صخب المدن وتتشابك فيه خرائط التنمية، نادراً ما نلتفت إلى قلب الأشياء: إلى تلك الهياكل الصامتة التي تحفظ الحياة وتمنحها انتظامًا وسط الفوضى. المستشفى الذي يقف في وجه الوباء، المدرسة التي تفتح أبوابها رغم الشتاء، الجسر الذي لا يسقط حين تعلو الأمواج—كلها ليست مجرد مبانٍ من إسمنت وحديد، بل أوتاد الاستقرار في زمن يهدده اللايقين المناخي والكوارث المتزايدة.

لكن هل هذه البنى التحتية محصّنة؟ أم أنها مجرد واجهات أنيقة قابلة للانهيار؟  حين يتحدث العالم عن الكوارث، تنصبّ الأضواء على الضحايا والخسائر، تُرفع تقارير الإغاثة، وتُحصى الأضرار. أما الحديث عن ما كان يمكن أن يُنجَز قبل الكارثة، عن الوقاية الصامتة، عن البنية التحتية كدرع لا كمجرد ديكور، فيأتي متأخرًا، هامشيًا، وربما لا يأتي أبدًا.

هنا، يطلّ “الهدف الثالث من إطار سنداي” كنداء استيقاظ، لا كمجرد توصية. حماية البنية التحتية الحيوية ليست رفاهية هندسية، بل هي لبّ العدالة الاجتماعية حين نتحدث عن الحق في الوصول إلى تعليم آمن، ورعاية صحية مستقرة، وطرق لا تغدو فخاخًا مائية مع أول مطر. إنها العدالة حين تكون الجغرافيا عادلة، لا تترك قرية تغرق بينما تُحصّن مدينة، ولا تبني جدارًا حول المطار وتترك المدرسة بلا سقف.

المدرسة ليست جدرانًا، بل مستقبل يُكتب داخل جدرانها، والمستشفى ليس أجهزة فقط، بل ملاذ أخير لإنسان يتشبث بحقه في الحياة. فكيف نحمي هذه المعاقل؟ كيف نبنيها لا كمنشآت خرساء، بل ككائنات تتنفس وتقاوم وتبقى صامدة أمام العاصفة؟ هذا هو سؤال سنداي، … سؤال لا يوجَّه إلى المهندسين فقط، بل إلى صناع القرار، إلى من يرسم أول خط في الموازنة العامة، إلى من يحدد إن كانت هذه المدرسة مجرد رقم في خطة، أم ملجأ من الغرق، وإن كان هذا المستشفى مجرد حجر في خرائط الاستثمار، أم جدار حياة في لحظة انكشاف.

سؤال سنداي الثالث لا يُقاس بالبوصلة أو المسطرة، بل يُقاس بالأثر: هل صمدت البنية؟ هل حفظت الأرواح؟ هل بقيت الجسور قائمة، لا تفصل الناس بل تجمعهم حتى في زمن الطوفان؟

إن حماية البنية التحتية الحيوية هي اختبار لقدرتنا على أن نخطط، لا فقط أن نُسعف، أن نبني بأسئلة الغد، لا بردود أفعال الأمس. فحين تكون المدارس آمنة من السيول، والمستشفيات مزوّدة بخطط طوارئ، والطرقات مصمّمة لتقاوم لا لتنهار، نكون قد اقتربنا من تعريف حقيقي للعدالة المناخية.

فهل نحن نبني لنعيش، أم نُشيّد ليظهر البناء فقط؟  وهل نستطيع أن نحول كل منشأة عامة إلى حصنٍ صغير في وجه الكارثة؟  ذاك هو التحدي، وتلك هي الإجابة التي ما زال العالم يتلكأ في كتابتها.

ألمقال 3-“المدارس لا تحتمل السيول” — حماية البنية التحتية الحيوية

لا شيء أكثر قسوة من كارثةٍ كان يمكن تفاديها، ولا أشد مضاضة من ألمٍ سببه الإهمال لا القدر. ففي كل مرة تهطل فيها السماء بعنف، أو تهتز الأرض بغضب، يتكشّف ما أخفته الخرائط: هشاشة ما ظنناه متينًا، وانكشاف ما حسبناه محصّنًا. وحين تتقدّم فرق الإغاثة وسط الركام، يعلو سؤال خافت لكنه جارح: ماذا لو كنا قد استثمرنا في الوقاية؟ ما الذي كان يمكن إنقاذه لو سبقنا الخطر بخطوة، لو أنفقنا القليل قبل أن نخسر الكثير؟

الاستثمار في الحد من مخاطر الكوارث ليس ترفًا ماليًا، بل هو الفارق بين حياةٍ تستمر، وحلمٍ ينطفئ تحت الأنقاض. هو فلسفة بناء تبدأ من الإيمان بأنّ الكوارث ليست مفاجآت عمياء، بل نتائج حتمية لإهمالٍ مزمن. هو تحوّل في الرؤية، حيث تصبح الجدران أكثر من جدران، وتُحتسب الكلفة لا بما يُدفع اليوم، بل بما يُنزَف غدًا من ميزانيات وأرواح.

إنه البند الغائب في دفاتر الميزانية، والحاضر دومًا في دفاتر الفقد. فهل آن الأوان لنستفيق قبل أن ينهمر المطر الأخير؟

هل بنيتنا التحتية التعليمية والصحية محصّنة ضد تغيّر المناخ والكوارث المفاجئة؟

في كل شتاء تعود الأسئلة دون إجابات، تعود السيول فتغرق الفصول، وتهوي الأمطار الثقيلة على أسقف المدارس كما لو كانت تختبر هشاشتها عمدًا. نتابع المشهد ذاته في نشرات الأخبار: تلاميذ يخوضون الطين في طريقهم إلى الصف، أسرة تُنقل على الأكتاف بعد أن تعطلت أجهزة المستشفى بفعل انقطاع الكهرباء، ممرات تغمرها المياه، وجدران تتقشر تحت وطأة الإهمال لا الزمان. وكأن بنايات التعليم والشفاء لم تُصمم لتواجه قدرًا، بل لتخضع له في أول اختبار.

البنية التحتية التعليمية والصحية ليست رفاهية معمارية، إنها العمود الفقري لأي مجتمع يدّعي قدرته على الصمود. حين تسقط مدرسة تحت المطر، لا يسقط حجر فقط، بل يسقط درس، ويتأخر مستقبل، وتتشقق ثقة طفل في الأمان. وحين يتعطل مستشفى في لحظة طارئة، لا تُفقد فقط أجهزة، بل تُفقد أرواح، وينكشف عجزٌ لا يُداوى بالاعتذار. إن مقاومة المبنى لا تنفصل عن كرامة من فيه، ولا عن جدوى ما يُقدَّم بين جدرانه. فكيف نطالب طفلًا بأن يحلم، وهو يرتجف على مقعد مبلل؟ وكيف نداوي جريحًا في مستشفى قد يصير هو نفسه ضحية العاصفة القادمة؟

في زمن تغيّرت فيه طبائع الفصول، ولم تعد الكوارث تُمهل، بات من العبث أن نبني كما كنا نبني. لم يعد كافيًا أن تكون الجدران قائمة، بل أن تكون قادرة على الثبات في وجه الغضب الطبيعي الذي يتكرّر دون استئذان. التغير المناخي لم يعد مفهومًا بيئيًا مجردًا، بل أصبح ضيفًا دائمًا على أبواب المدارس والعيادات، يطرق بعنف حين يغيب التخطيط، ويقتحم حين نتجاهل دروس الأمس.

التحصين لا يبدأ بالإسمنت فقط، بل يبدأ بوعيٍ يعتبر البنية التحتية جزءًا من الأمن القومي، ومن الحق في الحياة الكريمة. يبدأ بتصميم منشآت لا تكتفي بأن تُبنى، بل تُخطط لتقاوم. يبدأ بسؤال يُطرح على كل من يوقّع على مشروع أو خطة: هل فكرت في الغد؟ هل رسمت خرائط الأمطار؟ هل حسبت حساب الزلزال أو الفيضان أو الانهيار؟ أم أنك اكتفيت بما يُرضي الورق والعرض والميزانية المؤقتة؟

البنية التحتية التي لا تُحصن تُحوّل المدارس إلى مصائد، والمستشفيات إلى أطلال. والمجتمعات التي لا تُعيد النظر في فلسفة البناء، تبني قبورها بأيديها. فالصمود لا يُشترى بعد الكارثة، بل يُصنع قبلها، والمبنى الذي ينجو يُصبح رمزًا، لا مجرد هيكل. ومنشآت التعليم والصحة ليست مجرد خدمات، بل خطوط الدفاع الأولى في معركة الإنسان مع الهشاشة. فهل نحن مستعدون؟ أم ما زلنا ننتظر الصفعة القادمة لنفكر؟

مفهوم البنية التحتية الحيوية:

لا تعني فقط الجسور والمطارات، بل تمتد إلى المدارس، المستشفيات، محطات الكهرباء والمياه، وحتى الطرق المؤدية إليها

حين نتحدث عن البنية التحتية الحيوية، يذهب الذهن فورًا إلى الصور الكبرى: الجسور الممتدة كأذرع فولاذية فوق الأنهار، المطارات التي تستقبل العالم وتودّعه، محطات الكهرباء التي تضيء المدن ليلاً. لكن الحقيقة أعمق من ذلك، وأقرب بكثير مما نتصور. فالبنية التحتية الحيوية لا تُقاس بحجمها، بل بوظيفتها في لحظة الخطر، حين يُختبر كل شيء، وتنكشف أولوياتنا في وجوه الغافلين.

المدرسة التي تُبقي الطفل آمناً أثناء العاصفة، ليست أقل أهمية من برج مراقبة في مطار دولي. والمستشفى الذي لا تنقطع عنه الكهرباء أثناء فيضان، هو أكثر حيوية من مرفق ترفيهي فاخر على الساحل. محطة المياه في قرية نائية، أنبوب الصرف الذي يمنع الغرق في حي شعبي، طريقٌ ضيّق يصل قرية بالجبل، كلّها بنى تحتية حيوية، ليس لأنها عظيمة في ظاهرها، بل لأنها حاسمة في أثرها على استمرار الحياة اليومية، وعلى صمود المجتمعات حين تتقلب السماء.

هذه البنى ليست صامتة كما نعتقد، إنها تتكلم حين يضرب الزلزال، تصرخ حين تغمرها المياه، وتنهار حين نخذلها بتقاعسنا في صيانتها أو تجاهلنا لأهميتها. وحين تتوقف، لا تتوقف معها الخدمات فقط، بل تتوقف دورة الأمان، تتوقف المدرسة عن أن تكون حضنًا للعلم، ويتحوّل المستشفى إلى عبء لا إلى ملاذ، وتُعزل القرى عن بعضها كأنها جزر مقطوعة عن الزمن.

إن الطريق المؤدي إلى مدرسة ريفية قد يكون شريان نجاة، لا مجرد ممر ترابي. والمضخة التي تسقي مستشفى صغيرًا في أطراف المدينة قد تكون خط الدفاع الأول ضد كارثة صحية، لا مجرد معدّات صدئة. إن البنية التحتية الحيوية هي ما يجعل الدولة تنبض تحت الضغط، ويجعل المجتمع لا ينهار عند أول اختبار. هي ما لا يُرى في نشرات الأخبار إلا حين يغيب، وما لا يُذكر في خطب التنمية إلا إذا سقط.

وحين نحمي هذه البنى، لا نحمي منشآت فقط، بل نحمي حق الإنسان في الطمأنينة، في استمرارية حياته رغم اضطراب المناخ وجنون الكوارث. فنحن لا نملك ترف الإهمال بعد الآن، ولا نستطيع أن نرسم خرائطنا بلون الإسمنت فقط، بل بلون الاحتياج، بلون الصمود، بلون الحياة.

ضعفها يُضعف الدولة في لحظة الكارثة، ويجعل الضحايا أكثر عرضة للمخاطر حتى بعد انتهاء الأزمة. 

حين تنهار البنية التحتية في لحظة الكارثة، لا ينهار معها الحجر فقط، بل يتصدع الشعور بالأمان، وتبدأ دوامة لا تنتهي من الخسارات المتراكمة. فالدولة التي لا تملك بنية تحتية قوية، لا تملك قدرة حقيقية على الاستجابة، ولا تملك وسيلة لحماية مواطنيها حين تصبح الطبيعة خصمًا لا يُروَّض. إنها تقف مكشوفة، تلهث خلف الحدث، وتكتشف متأخرة أن ما تم توفيره من ميزانية، يُدفع مضاعفًا من دم الناس وكرامتهم ومستقبلهم.

في لحظة الكارثة، تصبح الثواني أثمن من الذهب، وتُصبح القدرة على التحرك والتواصل والإخلاء والإنقاذ مرهونة بالبنية التي بُنيت يومًا أو أُهملت. حين تُقطع الطرق، يُحاصر الناس في منازلهم كما في أقفاص. وحين تنهار شبكة الكهرباء، تُشلّ المستشفيات، وتدخل غرف العناية في عتمةٍ قاتلة. وحين تنهار المدارس، لا يُجبر الضرر، بل يُنتزع من قلوب الأطفال شيء من الثقة بالمستقبل.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الكارثة نفسها، بل في ما بعدها. في الفجوة التي تبتلع الزمن، حين تتحول العودة إلى الحياة إلى كفاح طويل، لأن ما انهار لم يكن مجرد مبنى، بل منظومة لم تُحصَّن. الضحايا لا يكونون فقط من فقدوا أرواحهم تحت الأنقاض، بل من تُركوا بعد ذلك في العراء، بلا ماء نظيف، بلا دواء، بلا مأوى، بلا مدرسة تستأنف التعليم، أو مستشفى يستأنف العلاج. الكارثة تنتهي في نشرات الأخبار، لكن آثارها تمتد في جسد المجتمع المنهك، الذي يجد نفسه وحيدًا في ترميم ما لم يُجهَّز أصلاً للنجاة.

وكلما كانت البنية التحتية أضعف، كانت الكارثة أعمق، وكانت العودة أصعب، وكان الفقر أوسع، وكان الألم أطول عمرًا. فالدولة التي تتهاوى فيها الجسور والأنابيب والمباني في وجه كل عاصفة، لا تُحكم فقط بالقرارات، بل تُحكم بضعفها، ويُصبح شعبها ضحية مزدوجة: ضحية الطبيعة، وضحية التجاهل البشري لما كان يجب أن يُبنى منذ زمن.

إن البنية التحتية ليست فقط اختبارًا هندسيًا، بل اختبار لقدرة الدولة على الوفاء بأبسط عهودها: أن تحمي من يعيش فيها حين يغضب الغيم، أو يهتزّ التراب. وكل ضعفٍ فيها، هو شرخ في السيادة، وثغرة في الكرامة، وممرٌ مفتوح لتفاقم الأزمات، حتى حين تصمت الكارثة وتغادر.

1ـ أمثلة حية من الواقع:

مدارس تغرق كل شتاء: ليست مجرد أضرار مادية، بل انقطاع عن التعليم، قلق نفسي، ومخاطر صحية. 

في كل شتاء، لا تهطل الأمطار فقط، بل تهطل معها الدروس المؤجلة، والأحلام المبتلّة، والأجساد المرتجفة خلف جدران تسرّب الماء ولا تردّه. ليست مشاهد غرق المدارس مشاهد استثنائية كما يُفترض أن تكون، بل أصبحت فصلًا متكررًا من رواية العبث، تُروى كل عام بتفاصيل أكثر قسوة، وبأصوات أطفالٍ حفظوا الطريق إلى قاعات الطوارئ بدلًا من حفظ الجداول الحسابية.

حين تغرق المدرسة، لا تُحتسب الخسائر بالمقاعد والطاولات فقط، بل في العيون التي تنظر إلى المياه وهي تتسلل إلى أحذيتها، في القلوب الصغيرة التي تخشى العودة في اليوم التالي، في الكتب التي تتحوّل إلى أوراق طينية، وفي السبورات التي تمحوها العواصف لا الممحاة. إنها ليست حادثة عابرة، بل انقطاع عن المسار الطبيعي للحياة، تشويش على ذاكرة الطفولة، وهزّة خفية في نفس طفل يُقال له إن التعليم هو الأمل، ثم يُترك ليشاهد مدرسته تتقوّض مع كل قطرة مطر.

يتسلل القلق إلى الأهالي، وتتحول المدرسة إلى مصدر تهديد بدل أن تكون حاضنة أمان. ماذا لو انهار السقف؟ ماذا لو انجرفت ساحة اللعب؟ ماذا لو لم تُفتح الأبواب في الصباح لأن الطوفان اجتاح الممرات؟ وما ذنب المعلم الذي يُطلب منه أن يُدرّس بين البرك، أو أن يُطمئن طفلًا مبللاً وهو نفسه لا يجد ملجأً جافًا؟

ووراء كل هذا، تتفاقم المخاطر الصحية التي لا تُرى بالعين المجردة. مياه ملوثة، رطوبة تتسلل إلى الصدور، أمراض جلدية وتنفسية تنتشر في صمت، في مدارس يُفترض أنها محاضن للعلم، لا بؤر للأوبئة. ومن لم يتأثر بالماء تأثر بالخوف، ومن لم يغِب جسدًا، غاب ذهنًا، وتهشّم وجدانيًا في قاعة باتت تُربك الطمأنينة أكثر مما تُرسّخ المعرفة.

هذه المدارس التي تغرق ليست حالات فردية، بل شواهد على هشاشة النظام، وعلى غياب العدالة المناخية والتنموية. إنها رسالة واضحة تقول إن هناك من يذهب إلى المدرسة بالقوارب، لا للوصول إلى البحر، بل ليصل إلى حرف الألف. وإنه حين يُحرم الطفل من المدرسة لأيام، يُخصم من مستقبله سنوات. فهل بعد كل هذا، نعتبر غرق مدرسة مجرد “حادث موسمي”؟ أم نراه كما هو: شرخ في أساس دولة لم تُحصّن الأمل كما يجب؟

مستشفيات بلا خطط طوارئ: غياب المولدات، أو نقص المعدات المتنقلة أو فرق الطوارئ. 

في اللحظة التي يشتدّ فيها الخطر، تصبح المستشفى آخر أمل، وآخر خط دفاع بين الحياة والموت. لكنها في كثير من الأماكن، تتحول في لحظة الأزمة من ملاذٍ إلى متاهة، ومن حصن إلى نقطة ضعف. مستشفيات بلا خطط طوارئ، بلا أنفاس احتياطية في شكل مولدات كهرباء، بلا أطقم مدربة على الفوضى، بلا أجهزة تنقل، ولا غرف بديلة، كأنها وُجدت لتعمل فقط حين تكون الحياة هادئة، لا حين تشتعل.

حين تنقطع الكهرباء فجأة في غرفة العناية المركزة، لا يخيّم الظلام فقط، بل يُخمد النفس الأخير لمن كان ينتظر ومضة نور كي يبقى حيًّا. حين يتعطل المصعد في لحظة طوارئ، لا يتعطل معه الحديد فقط، بل يتوقف الزمن لمن ينتظر الإخلاء في الطابق العلوي، أو للطاقم الذي يلهث ليحمل سريرًا ثقيلًا على السلالم. وعندما تغيب خطة الإخلاء أو خطة الاستدعاء، تتحول قاعة الطوارئ إلى مشهد من الفوضى، ويُترك الطاقم الطبي وحده، يواجه الإعصار بلا درع، ولا خارطة طريق.

أين تذهب الحاضنات حين ينقطع التيار؟ من يضمن استمرار أجهزة التنفس الصناعي حين تعجز الشبكة؟ كيف نواجه الزلزال أو الفيضانات حين يكون المخزن خاليًا من الأسرة المتنقلة، أو حين لا تملك سيارة الإسعاف وقودًا كافيًا؟ في غياب الخطة، تصبح كل دقيقة تائهة، وكل إجراء مرتجفًا، وكل مصاب رقماً يتأرجح بين الأمل والخذلان.

ولا يقتصر الأمر على المعدات، بل يتعداه إلى غياب تدريب منتظم للكوادر على سيناريوهات الكارثة، على كيفيّة التعامل مع تدفّق غير متوقع للمصابين، على كيفية إنشاء نقاط طوارئ بديلة حين تُغلق الأبواب، أو تُغمر الساحات. فالمستشفى، مهما كانت جدرانه لامعة، يظلّ هشًا إن لم يُبْنَ على ثقافة التأهب، إن لم يُصغِ إلى سيناريو الكارثة قبل أن تقع.

وما أقسى أن يكون الإنسان في أمسّ الحاجة إلى رعاية، فيجد المكان عاجزًا مثل جسده، مكانًا لم يُهيّأ للمفاجآت، بل فقط للروتين، ولم يُخطّط ليُنقذ، بل ليعمل في الأوقات العادية.

حين تُهمل خطط الطوارئ، لا تُرتكب فقط أخطاء تقنية، بل تُرتكب خيانات صامتة للحق في الحياة. فالمستشفى ليس مكانًا للبقاء فقط، بل ينبغي أن يكون بوصلة نجاة في أشدّ اللحظات اضطرابًا. وكل غياب فيه، هو حضور مضاعف للخطر، وكل ثغرة فيه، هي احتمال مفتوح للفقد. فهل يُعقل أن تكون غرفة الطوارئ غير طارئة؟ وأن يكون المكان الذي نهرع إليه بحثًا عن النجاة، بحاجة إلى من يُنقذه هو الآخر؟

طرق تنهار مع أول مطر: تعني عزلة المجتمعات النائية، وتعطيل الإغاثة، وانهيار سلاسل التوريد. 

حين يهطل المطر، لا يكون الخطر دائمًا في السماء، بل في الأرض التي تخون مَن يسير عليها. الطرق التي تنهار مع أول زخة ليست مجرد شقوق في الإسفلت، بل شقوق في جسد الدولة، وثغرات في أمن الناس وكرامتهم. في المجتمعات النائية، لا تُقاس الطرق بالكيلومترات، بل بالوصول أو العزلة، بالحياة أو الانتظار الذي لا نهاية له.

طريقٌ يتآكل مع المطر، يعني أن قرية بأكملها تُطوى من الخريطة مؤقتًا، كأنها لم تكن. لا سيارة إسعاف تستطيع الدخول، لا شاحنة إمدادات، لا معلّم يصل إلى مدرسته، لا خبز يُوزَّع، ولا دواء يُسلَّم. يُغلق المسار، فيُغلق معه زمنٌ من الأمل، ويبدأ فصلٌ من الانتظار المرّ، حيث يُصبح الوصول إلى المستشفى مغامرة، والعودة إلى البيت تحدّيًا، والنجاة فعلًا معلقًا على رحمة الطين والحجارة.

الطريق ليس مجرد مسافة معبّدة، بل شريان يغذّي الحياة اليومية، يوصل الطفل إلى المدرسة، والمزارع إلى سوقه، والمريض إلى علاجه، والعامل إلى خبزه. وعندما ينهار هذا الشريان، يختنق الجسد بأكمله. تتعطل الإغاثة، ويتوقف توزيع الأغذية، وتنهار سلاسل التوريد كقطع دومينو، لا لأنها ضعيفة في مركزها، بل لأن الأطراف تُركت مكشوفة لسنوات، تُرمّم مرة، وتُهمل عشرة.

وفي كل موسم مطري، يُعاد المشهد ذاته: جسور صغيرة تجرفها السيول، طرق ترابية تبتلع المركبات، قرى تُعزل كأنها محكوم عليها بالإقامة الجبرية في مواجهة الطبيعة. ولا شيء يحدث بعدها، سوى التصريحات الموسمية، والوعود المؤجلة، والمقاولين الذين يعودون ليعيدوا ترقيع الفشل ذاته كل عام.

الطريق حين يُبنى بصدق، لا يُبنى فقط لحركة السيارات، بل لكرامة الناس. وعندما تنهار الطرق بسهولة، تنهار معها ثقة الناس في دولتهم، وفي قدرتها على حمايتهم وربطهم ببقية العالم. فالعزلة ليست فقط جغرافية، بل نفسية أيضًا، وحين يشعر المجتمع أنه منسيٌّ في الطين، يصبح الخطر أكبر من عاصفة، بل يتحول إلى شعور دائم بأن النجاة ليست حقًّا، بل حظًا عابرًا قد لا يتكرر.

2ـ هل تُقيَّم المنشآت عند بنائها بناءً على مخاطر الكوارث المستقبلية؟ أم فقط على أساس الكلفة وسرعة الإنجاز؟

عند النظر إلى ما يُشيَّد في كثير من مدننا وقرانا، يتبادر سؤال خافت لكنه حادّ: هل هذه المنشآت بُنيت لتقاوم الزمن والمفاجآت، أم لتُنجز بسرعة وتُفتتح في حفل مصوَّر؟ هل طُرِحت على طاولة التخطيط خرائط الكوارث المحتملة، أم أن الورقة الوحيدة التي سيطرت على المشهد كانت فاتورة التكاليف؟

كثيرٌ من المباني العامة، من مدارس ومستشفيات وجسور ومراكز خدمات، تُقيَّم وفق معايير تُشبه طقوسًا بيروقراطية مكررة، تُنجز سريعًا على الورق، وتُمرر من لجنة إلى لجنة، لكن القليل منها يتوقف أمام سؤال بالغ الأهمية: ماذا لو ضرب الزلزال؟ ماذا لو فاض النهر؟ ماذا لو هبّت العاصفة؟ تُبنى الجدران على عجل، وتُصبّ الأساسات بمواد قد لا تُختبَر كما يجب، ويُختار الموقع لا على أساس الأمان المناخي، بل وفق وفرة المساحة أو سهولة الشراء أو حتى النفوذ الإداري.

المنشآت التي لا تُفكر بالكوارث قبل أن تبني، تُصبح بحد ذاتها كارثة مؤجَّلة، ومجرد ديكور مؤقت سرعان ما يكشف عجزه عند أول اختبار. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: الكلفة التي نعتقد أننا نوفرها بعدم بناء مصدّات السيول، أو بتجاهل تقوية الهياكل ضد الزلازل، أو بإغفال اعتبارات الرياح والمياه، ندفعها لاحقًا أضعافًا مضاعفة، لا من خزينة الدولة فقط، بل من أرواح المواطنين، من مستقبلهم، من ثقتهم في منظومة تُشيِّد لتُعرض لا لتصمد.

السرعة في الإنجاز قد تكون مطلوبة أحيانًا، لكن حين تصبح الغاية بدل أن تكون وسيلة، تتحول إلى سباق مع الخطر لا سباقًا ضده. كثيرٌ من المشاريع تسير بوتيرة محمومة للحاق بتقويم سياسي أو موسمي، لتُنجز قبل مناسبة أو مؤتمر، لا قبل فصل الأمطار. وكأن البنية التحتية تُبنى لتُلتقط معها الصور، لا لتقف وحدها حين تُهتز الأرض.

إن التقييم الحقيقي لأي منشأة لا يكون فقط بتكلفتها أو وقت إنجازها، بل بقدرتها على الصمود حين يغيب الاستقرار، حين تصير البيئة خصمًا لا حليفًا. مدرسة لا تنهار على تلاميذها حين تهطل الأمطار، مستشفى يبقى مشغّلًا رغم انقطاع الكهرباء، طريق لا يتحول إلى فخ عند الفيضان—هذه هي المعايير التي يجب أن تسود.

فهل آن الأوان لنُعيد النظر في مفهوم “الإنجاز”؟ هل نكتفي بمنشآت تقف أمام الكاميرات؟ أم نريدها أن تقف في وجه الأعاصير؟ السؤال لا يخص المهندسين وحدهم، بل كل من يخطّ سياسات الإنفاق، ويقرر إن كان المستقبل يستحق أن يُحصَّن، أم أن يُؤجَّل حتى الكارثة التالية.

هل هناك خرائط مخاطر محدثة تُوضع في الاعتبار أثناء تخطيط المنشآت العامة؟

في عالمٍ يزداد اضطرابًا، لم يعد بناء المنشآت العامة مجرد عملية هندسية، بل صار أشبه بخياطة دقيقة في جسد الطبيعة، تتطلب فهمًا عميقًا لتقلباتها ونزواتها. ومع ذلك، يظل السؤال يرنّ في الأذهان: هل نخطط منشآتنا فوق خرائط الخطر، أم فوق خرائط العقار؟ هل تُستحضر خرائط المخاطر المحدثة على الطاولة حين نرسم أساسات مدرسة أو مستشفى أو طريق؟ أم تُركن في الأدراج، ويُؤثر عليها ملف السرعة أو ملف الاستثمار؟

الخرائط ليست مجرد أوراق طبوغرافية، بل هي ذاكرة الأرض، تحكي لنا أين انفجرت السيول، وأين تصدعت التربة، وأين اشتعلت الحرائق، وأين تنفست الصحراء غضبها. إنها نبوءة علمية، وليست خيالًا، لكنها لا تُؤخذ دائمًا على محمل الجد. في كثير من الحالات، تُبنى المنشآت في مناطق سبق أن شهدت كوارث طبيعية، دون أن تُحدَّث بياناتها، أو تُراجع احتمالات تكرار الخطر. كأننا نعيد الخطأ ذاته، على أمل أن تغمض الطبيعة عينيها هذه المرة.

ما قيمة مدرسة مشيدة بإتقان، إن كانت قائمة على حافة وادٍ موسمي؟ وما نفع مستشفى مجهز بأحدث المعدات، إذا ما غمرته مياه نهر خرج عن مساره كل عقد من الزمن؟ كثير من المآسي التي نراها على الشاشات ليست وليدة مفاجآت عمياء، بل نتيجة لتجاهل خرائط كانت تصرخ بالتحذير، لكن أحدًا لم يصغِ.

وفي مقابل ذلك، نجد نماذج قليلة لكنها لامعة، لدول ومجتمعات أدركت أن رسم منشأة على الورق يبدأ من قراءة الأرض بعيون علم، لا بعيون الطمع العقاري أو الاعتبارات المؤقتة. خرائط المخاطر هناك ليست مستندات ثانوية، بل وثائق سيادية تُحدث دوريًا، تُدمج في كل قرار تخطيطي، وتُترجم إلى واقع عبر قوانين بناء مرنة ودقيقة في آنٍ واحد.

المؤلم أن بعض الدول تملك هذه الخرائط، لكن لا تفعّلها. تُعدّ بدعم دولي، وتُعلّق على الجدران، وتُذكر في التقارير، ثم تُغيب حين يبدأ التنفيذ الفعلي. وما أكثر المشاريع التي تجاهلت حقائق الجيولوجيا والمناخ والتاريخ الطبيعي، فقط لتقع لاحقًا ضحية الجهل المتعمد أو “الاستعجال التنموي”.

إن خرائط المخاطر ليست عائقًا أمام البناء، بل حارسًا له. إنها الدليل الذي يُرشدنا إلى حيث يُبنى الأمل بأمان، لا حيث يُغرس في الرمال المتحركة. ومع كل عام تتغير فيه أنماط الأمطار، وتزداد فيه درجات الحرارة، ويشتد فيه العنف المناخي، تصبح الحاجة إلى تحديث هذه الخرائط والالتزام بها مسألة بقاء لا خيارًا.

فهل نستمر في البناء على الرمال، أم نضع أقدامنا على خرائط تقول لنا الحقيقة، مهما كانت مُكلفة أو مزعجة؟
السؤال لم يعد بيئيًا فقط، بل أخلاقيًا وتنمويًا بامتياز.

3ـ الربط بــ”إطار سنداي:

البنية التحتية الحيوية أحد الأعمدة الأربعة في إطار سنداي. 

حين أقرّ العالم “إطار سنداي” للحد من مخاطر الكوارث، لم يكن ذلك مجرد اتفاق دولي آخر يُضاف إلى رفوف المؤتمرات، بل كان بمثابة إعلان يقظة جماعية في وجه زمن تتكاثر فيه الكوارث كما تتكاثر المدن. ومن بين أعمدته الأربعة، برز عمودٌ لا يمكن تجاهله أو تأجيله: حماية البنية التحتية الحيوية. لا كرفاهية تنموية، بل كضرورة وجودية.

فالبنية التحتية، في هذا السياق، لم تعد مجرّد منشآت من إسمنت وحديد، بل تحوّلت إلى شرايين تُبقي المجتمعات حيّة وسط فوضى الطبيعة. إنها المستشفى الذي يجب ألا يتوقّف حين ينهار كلّ شيء من حوله، والمدرسة التي يجب أن تظل واقفة حين يتشقق الشارع، ومحطة المياه التي لا تتسمم حين تغمر السيول الحقول، والجسر الذي يجب أن يصمد ليصل الناس إلى النجاة، لا إلى الهاوية.

إطار سنداي لم ينظر إلى هذه البنى بوصفها “موجودات فنية” تُدرَج في الميزانية، بل كأرواح صامتة تحرس حق الإنسان في التعليم، في الصحة، في التنقل، في الغذاء، في البقاء ذاته. ولأن الكارثة لا تستأذن حين تأتي، كان لا بد من بناء هذه البنى لا كحصون مادية فقط، بل كبنية مقاومة في فلسفة التخطيط، في العقل الإداري، في تفاصيل التمويل، في كودات البناء، وفي سياسات التشغيل والصيانة.

ومن هنا، فإن حماية البنية التحتية الحيوية لم تُوضع في الهامش ضمن سنداي، بل صارت أحد أركانه الأربعة. وبهذا الترتيب المفاهيمي، لم يعد ممكنًا الفصل بين حماية الإنسان، واستدامة الخدمات، وقوة المؤسسات، وبين مدى متانة ما بُني على الأرض. فإذا كانت البنى تنهار مع أول اختبار، فما قيمة خطط الطوارئ؟ وما جدوى الاستثمارات؟ وما معنى الدولة حين لا تصمد منشآتها ساعة الأزمة؟

لقد أراد إطار سنداي أن يعلّمنا درسًا واضحًا: أن مقاومة الكوارث لا تبدأ بعد وقوعها، بل تُبنى في الجدران، في الأنابيب، في الأسلاك، في الهندسة، في الخيال الذي لا يرى المطر مشهدًا شاعريًا فقط، بل احتمالًا فيضانًا يختبر كل ما بُني وسُجِّل وفُتِح بحفلٍ وخطاب.

والأجمل أن هذا العمود – حماية البنية التحتية الحيوية – لا يخدم فقط في لحظة الكارثة، بل يصنع مجتمعات أقوى، واقتصادات أكثر مرونة، ومدنًا تُخطَّط بروح المسؤولية لا بمزاج الربح السريع. إنه عمودٌ لا يُرى بعين العجلة، بل يُبنى بعينٍ ترى المستقبل بكل ملامحه المجهولة، وتقول: نحن مستعدون.

الإطار يدعو إلى تحويل المدارس والمستشفيات إلى “ملاجئ آمنة” وقت الكوارث وليس العكس. 

حين يشتدّ الزلزال، أو تهبّ العاصفة، أو تتدفق السيول من كل جانب، لا يبحث الناس عن القصور، بل عن أبسط ما يُشبه الحماية. ينظرون حولهم في لهفة، ويتجهون بالغريزة نحو المدرسة القريبة، نحو المستشفى الأقرب، وكأن تلك المباني التي ألفوها في ساعات السلام، ستظل واقفة حين ينهار كل شيء آخر.

في لحظة الكارثة، تصبح المدرسة أكثر من جدران للتعلّم، والمستشفى أكثر من غرف للعلاج. تتحوّل إلى ملاذٍ، إلى حضنٍ جماعيّ لا يُسأل فيه عن اسم ولا عن وضع اجتماعي، بل فقط عن النجاة. ولهذا، جاء “إطار سنداي” لا ليقترح، بل ليدعو بوضوح وصرامة إلى تحويل هذه المنشآت إلى ملاجئ آمنة، لا أن تكون هي الضحية الأولى في قائمة الانهيارات.

مدرسةٌ تُبنى فوق أرض منبسطة دون اعتبار لمسار السيول، أو بسقف هشّ لا يقاوم المطر، ليست فقط مشروعًا ناقصًا، بل هي وعدٌ بالخطر. مستشفى بلا طوارئ بديلة، بلا مخزون مياه ولا مولدات، لا يصلح أن يكون مأوى لحظة انهيار، بل يتحول إلى رمز للفوضى حين يحتاجه الناس كمنارة، فيجدونه مظلمًا.

الفكرة التي ينادي بها الإطار ليست تقنية بحتة، بل أخلاقية وإنسانية قبل كل شيء. إن تحويل المدارس والمستشفيات إلى ملاجئ لا يعني فقط تدعيم الجدران، بل يعني إعادة تعريف دور هذه المنشآت في الحياة المجتمعية. يعني أن يكون تصميم المدرسة مسبقًا على احتضان من لا مأوى له في وقت الخطر، أن تحتوي ساحتها خزانات مياه ووسائل إنارة بديلة، أن تفتح أبوابها للناس لا أن تُقفل. أن تُصمَّم على أنها “بيت الطوارئ” حين تغيب كل البيوت.

وهكذا أيضًا تُبنى المستشفيات، لا كمراكز شفاء فقط، بل كمراكز حماية. أن تكون نواتها صامدة، وأسوارها مدروسة ضد الزلازل، ومخارجها واضحة، وطاقمها مدرّب لا فقط على العناية، بل على إدارة الحشود والنجاة الجماعية.

إنها فكرة عميقة تختصرها جملة سنداي بدقة: “لا ينبغي أن تكون المدارس والمستشفيات ضحايا الكارثة، بل أدوات للنجاة منها.”  جملة تحوّل كل مبنى إلى وعد، كل حائط إلى أمان، كل نافذة إلى شرفة تُطلّ على الحياة رغم هدير العاصفة.

فكم من مرة رأينا فيضاناتٍ تقتحم فصول الدراسة بدلًا من أن تُفتح لها؟ وكم من مرة غابت الكهرباء عن مستشفى لحظة الانفجار، في الوقت الذي كان يُفترض أن يكون صرحًا مضيئًا وسط ظلام المدينة؟

إنّ بناء الملجأ لا يكون بعد الكارثة، بل قبلها بسنوات، بهندسةٍ تحترم احتمالات المستقبل، وبإرادة لا تخجل من أن تبني لما هو غير مرئي، لما قد لا يأتي، لكنها تبنيه احترامًا للإنسان، ولحقه في أن يجد مكانًا آمنًا حين يفقد كل شيء.
وذاك هو جوهر سنداي: ألا تكون الملاجئ ترفًا، بل قاعدة. وألا تتحول المدارس والمستشفيات إلى قصص رعب في زمنٍ كان يمكن فيه أن تكون قصص نجاة.

“من يصرف على الوقاية؟” — الاستثمار في الحد من مخاطر الكوارث 

من يصرف على الوقاية؟ سؤال لا يبدو في ظاهره إلا رقمًا في جدول الموازنات، لكنه في جوهره أكثر الأسئلة إلحاحًا في زمن يتسارع فيه جنون الطبيعة، وتتكرّر فيه الكوارث وكأنها أصبحت فصولًا عادية من حياة المدن. إنه سؤال يُخفي وراءه طبقات من التردد السياسي، ومنطقًا اقتصاديًا قصير النظر، واستهانةً مؤلمة بثمن التأهب الذي يُغني عن نزيف الفقد لاحقًا.

فالوقاية ليست شعارًا يُكتب في لافتة، بل استثمار طويل النفس لا تُرى ثماره في دورة مالية واحدة، ولا تُلتقط صوره في افتتاحات رسمية. الوقاية لا تلمع أمام الكاميرات، لأنها لا تبني برجًا زجاجيًا، بل تحصّن جدارًا قديمًا في مدرسة بعيدة، وتدعم أساسات مستشفى ريفيّ، وتضع سِترًا فولاذيًا أمام موجةٍ لم تأتِ بعد. لكنها إن جاءت، كانت الفارق بين حيٍّ وميت، بين خسارة مالية وخسارة وطنية.

ورغم هذا، ما زالت موازنات العالم تميل إلى ما يُسمى “البنية الفوقية” — الجسور العملاقة، المباني الرمزية، المشروعات السريعة التي تُبهر العين وتُكسب التصفيق. أما البنية الوقائية، تلك التي لا يُدرك وجودها إلا حين تمنع الكارثة من الحدوث، فغالبًا ما تُهمَّش، وتُؤجَّل، وتُحذف من جداول الأولويات تحت ذريعة الكلفة أو “غياب الحاجة الفورية”. كأننا لا نؤمن أن الكارثة قادمة إلا حين تطرق بابنا وتحطم كل شيء.

الاستثمار في مصدّات السيول، في محطات إنذار مبكر، في شبكات صرف ذكية، في إعادة تخطيط المناطق المعرضة للخطر، في تدريب المجتمعات على الطوارئ — كل ذلك لا يحقق أرباحًا مالية فورية، لكنه يحمي أرواحًا، ويحفظ اقتصادات، ويمنح المجتمعات مناعة حقيقية أمام صدمات قد تدمر حاضرها وتبدّد مستقبلها. لكن من يتبنّى هذا النوع من الاستثمار؟ من يملك الشجاعة ليقول: سأصرف اليوم لأمنع كارثة لم تقع بعد؟

حتى الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية باريس للمناخ، ورغم ما تحمله من آمال وتمويلات مرصودة على الورق، لم تجد طريقها بعد إلى الإنفاق الفعلي على الوقاية. فتظل المشاريع المقاومة للكوارث حبيسة الملفات، تنتظر مستثمرًا لا يبحث عن مجد شخصي، بل عن استقرار جمعي، لا يريد صورة في الجريدة، بل مستقبلًا بلا نعوش جماعية أو مدارس غارقة.

إن الكارثة، حين تحدث، لا تكلّف مالًا فقط، بل تترك أثرًا اجتماعيًا ونفسيًا لا تمحوه التعويضات. كل دولار لم يُصرف على الوقاية، سيتحوّل إلى عشرة تُنفق على الإنقاذ والإصلاح والبكاء على الأطلال. فمتى نكفّ عن علاج ما يمكن منعه؟ متى نؤمن أن الإنفاق على اللاحدث هو أعظم إنجاز؟

الوقاية ليست إنفاقًا في الفراغ، بل هي الاستثمار في الهدوء، في الاستمرار، في أن تبقى الحياة تسير دون أن تكتب فصولها الطبيعة نيابةً عن الإنسان. إنها استثمار في أمل لا يظهر في الميزانيات، لكنه يُنقذ ما لا يُعوَّض.
ومن يصرف على الوقاية؟
من يملك رؤية لا تنتهي عند حدود العام المالي، بل تمتد إلى حيث يسكن الضمير، وتنمو الشجرة التي تظلل الأجيال القادمة.

الكارثة لا تصبح أرخص بعد حدوثها، بل تصبح أكثر قسوة على الإنسان والموازنة معًا. 

الكارثة، حين تقع، لا تأتي على استحياء، ولا تسأل قبل أن تُفسد. تدخل كما العاصفة، بلا مقدماتٍ تُذكر، وتترك خلفها أثرًا لا يُقاس فقط بما تكسر من حجارة، بل بما تسرق من نفوس، وما تزرع من خوف، وما تهدر من كرامة. كثيرون يظنون أن الكارثة لحظة وتنقضي، لكنها في الحقيقة تبدأ حين يظن الجميع أنها انتهت. لأنّ ما يُهدم في الداخل لا تُصلحه الرافعات، وما يُستنزف من خزائن الدولة لا تعوّضه وعود المعونة.

فحين تُغرق السيول قرية، لا تدفع الدولة فقط ثمن الجدران التي انهارت، بل أيضًا تكلفة المدارس التي أُغلقت، والمستشفيات التي تعطّلت، والمحاصيل التي فسدت، والوظائف التي توقّفت، والحياة التي تعطّلت مثل آلة كسرت إحدى تروسها. يُصبح كل يوم تأخير في إعادة البناء، خسارة مضاعفة، وكل عائلة متضررة عبئًا متزايدًا على أنظمة الضمان، وكل طفل لم يعد إلى مدرسته قنبلة مؤجلة في وجه المجتمع.

وما يُنفق بعد الكارثة ليس مجرد أموال، بل أضعاف ما كان يمكن إنفاقه لو أننا استثمرنا في الوقاية. كأنك تركت بيتك من دون صيانة لعقدٍ من الزمن، ثم جرفه المطر في ليلة. أيهما كان أرخص؟ إصلاح السقف في أوانه، أم إعادة بناء الحياة من الأساس؟ إن ما يُنفق على الإنقاذ والإغاثة وإعادة الإعمار دائمًا ما يكون أعلى، لا لأن تكلفة المواد زادت، بل لأن الثمن صار يُدفع بأثر رجعي، بثمن الذعر، والشتات، وانعدام الثقة.

ثمّة خسائر لا تُحسب بالدولار، بل بالدموع. عائلة فقدت معيلها لأن الطريق انقطع، مريض مات لأن المستشفى لم تصمد، طلاب تسرّبوا من التعليم لأن مدرستهم تحوّلت إلى أطلال. الكارثة تسرق أكثر مما تُعلن، وتترك على طاولة الدولة فواتير لا تُدفع مرّة واحدة، بل تُقسط على سنوات من الترميم، من التداوي، من محاولة استعادة ما فُقد.

وهكذا، حين نؤجل الإنفاق على الوقاية بحجة “الضائقة المالية”، نكون كمن يدّخر المال على حساب حياته. نربح رقماً في الموازنة، ونخسر أمنًا وكرامة واستقرارًا. لأن الكارثة، ببساطة، لا تصبح أرخص بعد وقوعها، بل تصبح أكثر قسوة، لأنها تقتصّ من الإنسان أوّلًا، ثم من الميزانية ثانيًا، ثم من الإيمان بأننا كنا نستحق مصيرًا أفضل.
وفي النهاية، لا تبكي الخزائن وحدها، بل تبكي الأرواح التي لم تجد جدارًا يحميها، رغم أن بناءه لم يكن مستحيلًا… فقط كان مؤجَّلًا.

المنطق المعكوس في الإنفاق:

في عالمٍ يشتعل بالكوارث ثم يُطفئها بمياه الندم، يبدو منطق الإنفاق كأنه يُدار بعكس البوصلة. تُصرف الأموال بسخاء بعد أن تقع الفاجعة، وتُفتح صناديق الطوارئ فقط حين تشتعل النيران وتغرق القرى وتتهدّم الجسور، بينما الوقاية تُهمَّش، وتُؤجَّل، وتُناقَش طويلًا ثم تُهمَل كأنها ترف لا ضرورة. تُبنى الدول على كفّ الحسابات، لكنّها تنسى أن ما يُستثمر في المجهول يُنقذ ما لا يُعوّض في الحاضر.

يتم بناء مشاريع ضخمة، لكن دون أن تُخصص لها أنظمة تصريف سيول، أو مولدات طاقة، أو خرائط إخلاء.

يُشيَّد المشروع، وتُرفع الستائر، وتُلتقط الصور، وتُعلّق اللوحات التي تبارك الإنجاز. مبانٍ فخمة تُلامس السماء، واجهاتٌ زجاجية تلمع تحت شمس الوطن، أعمدة شاهقة تُعلن عن “نهضة” عمرانية تسابق الزمن. لكن ما لا يُرى غالبًا، هو الأهم: أن هذا الصرح الذي أبهر الجميع، بُني دون أن تُدرَس تحته الأرض جيدًا، دون أن تُحفر تحته شبكة تصريف تحمل عن الناس لعنة السيول، دون أن يُجهَّز بسواعد تولد الطاقة عند انقطاع التيار، دون أن يُرسم له سيناريو نجاة حين يدقّ الخطر أبوابه.

في قلب الإنجاز غالبًا ما تختبئ الثغرات. مشاريع تكلّف الملايين، لكنها تعجز عن مواجهة أول عاصفة شتوية. تتكدّس المياه عند مداخلها كأنها لم تكن يومًا على ورقة مهندس، وتغيب الكهرباء عنها كما لو أنها بُنيت لتضيء في الأوقات السعيدة فقط. لا مولدات احتياطية، لا منافذ طوارئ، لا خرائط إخلاء واضحة تُنقذ من بالداخل إذا ما اهتزّت الأرض أو تصاعد دخان أو هبّت ريحٌ عاتية.

إن بناء المشروع دون بنية وقائية، يشبه إعداد وليمة بلا ماء للشرب، أو تشييد قصر من ورق وسط حقل أعاصير. فالسيول لا تعبأ بجمال البلاط، والزلازل لا تُجامل في حضور التدشين، والحرائق لا تنتظر التعليمات لتُطفأ. إن لم تكن البنية التحتية محصّنة منذ اللحظة الأولى، تحوّلت المنشآت من رموز حضارية إلى فخاخ مميتة.

ما نفع مستشفى يضم أحدث الأجهزة إن كان يُظلم مع أول عطل كهربائي؟ ما جدوى مدرسة فسيحة إن غمرتها مياه الأمطار لأن مهندسًا لم يُفكّر في أن الأرض تميل؟ كم من حياة يمكن أن تنقذها خريطة إخلاء واحدة مرسومة على جدار، وكم من فوضى يُمكن أن تمنعها صفارة إنذار لم تُركَّب لأنها “ليست ضرورية الآن”؟

هذا الغياب لا يُفسَّر فقط بالإهمال، بل أحيانًا بالمنطق العكسي: الإنفاق على ما يُرى، وتوفير ما يُظنّ أنه لا يُستخدم. وكأن الاحتياط عبء، والتأهب رفاه، والمخاطر لا تخص إلا النشرات الجوية.

لكن الزمن لا يرحم. والمطر لا يُمهل. والكارثة لا تطرق بابًا قبل أن تدخل. فإما أن نُشيّد بعينٍ ترى الغد قبل أن يقع، أو نظل نُعيد بناء ما تهدّم، ونُحصي الخسائر بعد أن يتكرّر الدرس نفسه مرةً بعد مرة، في كل مشروع بلا قلبٍ ينبض وقت الخطر.

في المقابل، لا تُصرف ميزانيات كافية لزرع أشجار حول القرى، أو لبناء سدود صغيرة، أو لتدريب فرق طوارئ. في الزوايا البعيدة، حيث القرى تعانق التلال أو تستكين على حواف الوديان، تمرّ الكوارث في صمتٍ لا تلتقطه الكاميرات. هناك، لا تُسجَّل الأرقام إلا بعد فوات الأوان، ولا تصل التصريحات إلا حين تُجرف الطرق أو تُطمس الملامح. وفي تلك الأماكن، تبرز المفارقة الموجعة: في الوقت الذي تُرصَد فيه المليارات لمشاريع عملاقة في المدن، لا تُصرف ميزانيات كافية لغرس شجرة واحدة تحمي من انجراف التربة، أو لبناء سد صغير يُهدي جريان السيل بدل أن يُطلقه غضبًا مفاجئًا، أو لتدريب مجموعة من شباب القرية على إسعاف أنفسهم حين تغيب النجدة.

الوقاية هناك تبدو كحلم مؤجل، كأن حياة الريف لا تستحق الخطط المسبقة، وكأن الكوارث تُصيب المدن أولًا. تُترك الجبال دون حزام أخضر يثبّت سفوحها، وتُهمل الأودية التي ما زالت تُحفَر فيها الذكريات عن سيولٍ اجتاحت بيوت الطين والخشب، وتُعلَّق آمال المجتمعات الصغيرة على الحظّ، لا على التخطيط.

كم من قرية كادت تنجو لو زُرعت على أطرافها صفوف من الأشجار تقاوم العواصف؟ وكم من وادٍ كان يمكن ترويضه بسدٍّ ترابي بسيط، لولا أن الميزانية لم تتّسع إلا للأرصفة في المدن الكبرى؟ إن زراعة شجرة في مكانها الصحيح قد تقي منزلًا من الانهيار، وبناء حاجزٍ مائي صغير قد يحمي عشرات الهكتارات من التدمير، وتدريب عشرة شبّان على الإسعاف والإنقاذ قد يكون الفارق بين موتٍ مؤلم ونجاةٍ صعبة لكنها ممكنة.

لكن هذه الإجراءات، رغم بساطتها، لا تجد طريقًا إلى جداول الأولويات. لأنّها لا تُعلن عن نفسها، ولا تُبهر من يزور، ولا تُلهم من يبحث عن “مشروع يُفتتح”. إنها مشاريع بلا أضواء، لكنها مليئة بالحياة. مشاريع لا تتكلّف الكثير، لكنها تُنقذ الكثير.

إن زرع الأشجار حول القرى ليس زينة بيئية، بل درع من جذور في وجه الانزلاقات والطمي. وإن السدود الصغيرة ليست مجرد أعمال ترابية، بل صمامات أمان لكبح جموح الطبيعة. وإن تدريب فرق الطوارئ المحلية ليس ترفًا، بل هو اعتراف بأنّ أقرب من يُمكنه إنقاذ الناس، هم الناس أنفسهم.

في مقابل الهياكل العملاقة التي تُبنى لتُرى، تقف هذه التدابير الوقائية كهمسات هامشية، تُقصى من الميزانيات، وتُؤجل من الخطط، وكأنها ترفٌ لا ضرورة له. بينما هي، في حقيقتها، خط الدفاع الأول، وحزام النجاة الأخير حين يفاجئنا الخطر من حيث لا يُتوقع.

فإلى متى نظل نُراهن على الصدفة، ونهمل الزرع البسيط، والجدار الترابي الصغير، والدورة التدريبية التي قد تُنقذ قرية كاملة؟  ربما حين نغيّر السؤال من: كم تكلّف؟  إلى: كم تمنع؟  ندرك أن ما يُسمى بالبسيط، هو في الحقيقة… كل شيء.

الفجوة بين الإنفاق على البنية الفوقية والبنية الوقائية

في مشهد التنمية، تلمع الأبراج وتُرصّع الطرق بالإسفلت، وتُزيَّن المدن بالمشاريع الكبرى كأنها واجهات نصر لا يقبل الغبار. لكن خلف هذا البريق، تختبئ فجوة عميقة لا تُرى، فجوة بين ما يُبنى ليُبهر، وما يُهمل لأنه لا يُشاهد. البنية الفوقية تأخذ نصيب الأسد من الميزانيات، بينما البنية الوقائية تُترك على هامش الخطة، كأن الوقاية لا تستحق أن تُموَّل لأنها لا تقيم حفلًا ولا تلتقط لها صورة عند الافتتاح.

الطرق تُرصف لكن لا تُحصّن، المدارس تُشيَّد لكن لا تُؤمن. 

الطرق تُرصف كما لو أننا نُهدِي البلاد جدائل من الإسفلت، تنساب بسلاسة بين التلال والسهول، تُعلن عن وصول “التنمية” إلى أماكنها. تُفرَش بإتقان، تُدشَّن بحضور المسؤولين، وتُصوَّر بطائرات الدرون وهي تلمع تحت شمس اليوم الأول. لكن أحدًا لا يسأل: ماذا لو جاء الغد حاملاً معه سيلًا؟ من يحمي هذا الشريان من أن يتحوّل إلى خندقٍ مفتوح؟ من يضمن أن لا تبتلعه الأرض مع أول مطر، أو أن لا يقطعه انجراف بسيط؟

نرصف الطريق، نعم، لكن لا نحصّنه. لا ندرس سلوكه في وجه الكوارث، لا نرسم له ممرات تصريف، لا نبني له حواجز تحميه من الوحل المنحدر، ولا نضع في حسابنا أن الشارع الجميل اليوم قد يُصبح فخًّا غدًا إن لم يُصمَّم بعينٍ ترى ما وراء الطقس المعتدل.

والمدارس تُشيَّد، صفوف أنيقة، نوافذ عريضة، ملاعب ودهانٌ جديد، جدرانٌ تعلن عن وعود بالتعليم والنهضة. لكن من يؤمنها؟ من يضمن ألا تصبح هذه الجدران مصائد حين تهبّ العاصفة أو يرتفع منسوب المياه؟ كم مدرسة بُنيت على ضفاف وادٍ قديم دون دراسة، أو على أرض طينية لا تحتمل المطر؟ كم مبنى تعليمي انهار أو غمرته المياه أو انقطعت عنه الكهرباء، لأن في لحظة الإنشاء كان السؤال فقط: “كم تُكلّف؟” وليس “كيف تصمد؟”

إن المدرسة ليست فقط مكانًا للتعلّم، بل مَلاذ. والطرق ليست فقط وسيلة للوصول، بل شرايين نجاة. فإذا لم نحصّنها، لم نبنِ حقًا، بل زيَّفنا البناء.

نحن نُشيّد دون أن نؤمّن. نرفع المنشآت كأنها ستبقى للأبد، متناسين أن الأرض تتغيّر، وأن المناخ لم يعد كما كان، وأن الغد لا يشبه الأمس في شيء. حين تُبنى الطرق دون أن تُحصّن، تُغلق في وجه الإغاثة حين يحتاجها الناس. وحين تُشيّد المدارس بلا اعتبار للسلامة، تُغلق أبوابها في أول طارئ، ويعود الأطفال إلى بيوتهم محمّلين بالخوف بدل الدروس.

فأي نهضة هذه التي تتوقف مع أول هطول؟ وأي تعليم هذا الذي لا يصمد أمام العاصفة؟ وأي طريق هذا الذي ينكسر حين تُختبر قوته؟

البناء الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الجدران ولا بعدد الأمتار المُعبّدة، بل بما يصمد وقت الخطر، وبما يبقى واقفًا حين يتساقط كل ما هو زائف.  وإن لم نُحصّن ما نرصف، ولم نُؤمّن ما نُشيّد، فنحن لا نبني مستقبلًا… بل نؤجل كارثة.

غالبًا ما تكون مشروعات الوقاية غير جاذبة سياسياً لأنها “غير مرئية” — الوقاية لا تُرى حتى تقع الكارثة. 

في عالمٍ تسيطر عليه الصورة، ويتقدّم فيه مَن يرفع الشريط الأحمر لا مَن يضع الحجر الأول، تُصبح مشروعات الوقاية كأنها أبناءٌ منسيّون للتنمية. لا تلتقطها الكاميرات، ولا تُصدّر في نشرات الأخبار، ولا يتسابق المسؤولون على توقيع لوحاتها الافتتاحية. إنها أعمال صامتة، تنمو في الظلّ، تُبنى تحت الأرض، تُخطّط على الورق، وتُنجز لتمنع لا لتُظهر. ولذلك، كثيرًا ما تكون خارج خارطة الجاذبية السياسية، لأنها ببساطة… لا تُرى.

السياسي يبحث عن الأثر الفوري، عن الإنجاز الملموس، عن المشروع الذي يمكن أن يضع اسمه عليه ويقف أمامه ملتقطًا صورة يتذكّرها الناس. يريد شارعًا معبّدًا، أو مستشفى بواجهة لامعة، أو جسرًا ضخمًا يُغيّر ملامح المكان. أما الوقاية، فتبني شبكة صرف غير مرئية تحت الأرض، أو تُحسّن منحدرًا جبليًا حتى لا ينهار، أو تُغرس شجيرات في أطراف قرية لا يمرّ بها أحد. من يصفّق لذلك؟ من يراه أصلًا؟

الوقاية تُصرف لها الأموال ولا تُرى نتائجها إلا حين لا تحدث الكارثة. وإن لم تحدث، قيل إن الإنفاق كان “مبالغًا فيه”. وإن حدثت رغم الجهود، سقط اللوم على من خطّط. إنها معركة خاسرة في عيون الطامحين للشهرة العاجلة، لكنها المعركة الحقيقية في عيون من يعرف أن إنقاذ الحياة لا يحتاج جمهورًا.

كم من سدّ صغير أنقذ قرية كاملة من الانجراف؟ وكم من نظام إنذار مبكر مكّن الناس من الهروب قبل وصول الفيضان؟ وكم من تمرين طوارئ بسيط أنقذ أرواحًا في لحظة انهيار؟ لكن كل هذه البطولات بلا أبطال، بلا حفل، بلا لوحة تذكارية. فقط حياةٌ تمضي… لأن هناك من فكّر قبل أن تقع الفاجعة.

الوقاية، في جوهرها، ليست عملًا يُحتفى به، بل ضمير يُمارس بصمت. إنها شكلٌ من أشكال الإيثار المؤسسي، حيث تُنفق الدولة دون انتظار شكر، وتُخطط دون وعدٍ بالثناء، وتُنفّذ مشروعات لا تُرى إلّا حين لا يحدث ما كان سيحدث.

وما لم يُدرِك صانعو القرار أن أعظم الإنجازات هي تلك التي تمنع الكارثة من أن تُكتب، سنظل ندور في حلقة الاستجابة والتعافي، بينما الوقاية تُغادر من الباب الخلفي… كما جاءت، بصمت.

2ـ غياب التمويل الوقائي في الموازنات العامة:

في دفاتر الموازنات، تسكن الأرقام كأنها حقائق لا تُناقش، تُوزَّع الأموال على ما يُرى ويُلمَس ويُصفَّق له، بينما يُترك حقل الوقاية في الهامش، كأنّ الخطر لا يستحق ميزانية حتى يطرق الباب. تغيب مشروعات التصريف والإنذار والتدريب من البنود الكبرى، ليس لأن الكوارث توقّفت، بل لأنّ الذاكرة قصيرة، والسياسة لا تنتظر ما لا يُدرّ عائدًا فوريًا.

مخصصات التأهب إما غائبة، أو متواضعة جداً مقارنة بحجم الخطر.

 كأننا نعيش على هامش الاحتمال، نراهن على الحظ أكثر مما نؤمن بالاستعداد. مخصصات التأهب في موازنات الدول تأتي غالبًا كحاشية مهملة في كتابٍ مزدحم بالعناوين اللامعة. لا تجدها في الصفحات الأولى، ولا تحتلّ بندًا مستقلًا يليق بخطرٍ يهدد الأرواح والاقتصادات، بل تأتي أحيانًا متفرقة، متواضعة، كأنها هدية اضطرارية لا قناعة راسخة.

نُقرّ بوجود الخطر في التصريحات، لكننا نُهمّشه في الأرقام. نعترف بأن التغيّر المناخي يتسارع، وأن السيول والحرائق والأعاصير لم تعد استثناءً، ثم نُخصص للتأهب ما لا يكفي لبناء سور واحد حول مدرسة، أو لتدريب فرقة إنقاذ في إقليمٍ كامل. الميزانيات تُضخّ في مشاريع ضخمة تُبهج النظر، بينما تبقى مشروعات الإنذار المبكر، والملاجئ الآمنة، والمعدات المتنقلة، بلا صوت ولا نصيب.

إن مقارنة بسيطة بين ما يُصرف على البنية الفوقية وما يُمنح للتأهب تكشف الفجوة الفاضحة. فبينما تُبنى المستشفيات بمليارات، قد لا يُخصَّص ما يكفي لتأمينها بمولد احتياطي. تُشيَّد المدارس في مناطق مهددة دون دراسة التربة أو منسوب الخطر، لأن “التكلفة” تُصبح مبررًا للسكوت، وكأن حياة الأطفال تقبل التفاوض. تُرصف الطرق دون حواجز، وتُترك القرى دون أشجار تحميها من الانجراف، لا لشيء إلا لأن بند الوقاية لا يجذب ولا يضغط أحدٌ من أجله.

المشكلة ليست فقط في ضآلة المخصصات، بل في عقيدة الإنفاق ذاتها. ننتظر الكارثة، ثم نفتح الصناديق، ونستدعي الخبراء، ونحمل الميكروفونات إلى مواقع الانهيار. نُقرّ بأن ما جرى كان يمكن منعه، ونرفع شعارات “الدروس المستفادة”، ثم نعود لنغلق الدفاتر على مخصصاتٍ هزيلة لا تكفي لشراء الوقت حين تبدأ الساعة في العدّ العكسي.

لكن الخطر لا ينتظر ميزانية العام المقبل. ولا يؤجل زحفه حتى يُقرَّ قانون جديد. هو يأتي حين يُهمل، ويضرب حين يُنسى، ويصنع فجائعه من غفلة الأرقام وضعف الرؤية. فإما أن نغيّر منطق التخصيص ونمنح التأهب ما يستحقه من قوة وثقة، أو نظل نُرمم الخراب بعد كل عاصفة، متسائلين: لماذا لم نكن مستعدين؟
والجواب، في كل مرة، مدفون في الهامش نفسه… حيث تُقبر مخصصات الوقاية.

حتى في الخطط المناخية، مثل اتفاقية باريس، هناك فجوة بين الالتزامات المالية والواقع التنفيذي، خصوصًا في الدول النامية

. في قاعات المؤتمرات الدولية، تُرفع الأيدي للموافقة على النصوص التاريخية، وتُعلَّق الآمال على الحبر الموقَّع فوق الورق. تُعلن الالتزامات بصوتٍ مرتفع، وتُتلى البنود في خطبٍ رنانة تُبشّر بعصر جديد من “العدالة المناخية” والتضامن الدولي. كانت اتفاقية باريس للمناخ في 2015 لحظة كهذه — لحظة بدت وكأن العالم قد قرر أخيرًا أن يتحد في وجه الكارثة القادمة. لكن بعد أن انفضّ الجمع، وبعد أن طُويت الأوراق الأنيقة، بقي الواقع أقل حماسة، وأبطأ كثيرًا مما وعدت به الكلمات.

فبينما ينص الاتفاق على دعم الدول النامية بنحو 100 مليار دولار سنويًا لمساعدتها على التأقلم مع تغير المناخ، فإن التدفقات الفعلية ظلت أقرب إلى الوعود منها إلى التنفيذ. كثير من تلك الأموال إما لم تصل، أو وصلت مشروطة، أو ذهبت في صورة قروض لا منح، مما حوّل “المساعدة” إلى عبء إضافي. والنتيجة؟ دول تعاني من آثار التغير المناخي يومًا بعد يوم، بلا قدرة حقيقية على التكيف، لأنها ببساطة لم تتلقّ ما يكفي لتبدأ.

هذه الفجوة بين الالتزام والتنفيذ ليست مجرد مسألة مالية، بل مسألة حياة وموت. حين تُطلق دولة فقيرة خطة لتقوية سواحلها ضد ارتفاع منسوب البحار، ولا تجد تمويلًا، فهي لا تُؤجّل مشروعًا فقط، بل تُغامر بمستقبل مجتمعات بأكملها. حين تحتاج المناطق الجافة إلى أنظمة حصاد مياه أو تقنيات زراعة مقاومة للجفاف، ولا تجد دعمًا كافيًا، فهي لا تتخلف عن الركب، بل تسير نحوهارها بيئي موعود.

الفارق الكبير أن الدول التي أطلقت وعود التمويل تملك الوقت والخطط والبدائل، بينما الدول التي تنتظر، تعيش في مواجهة مباشرة مع الخطر، لا تملك إلا الأمل، والأمل لا يكفي لبناء سدّ أو لنقل قرية أو لإنشاء شبكة إنذار مبكر.

حتى عندما يُموَّل مشروع هنا أو هناك، تأتي الشروط معقدة، والإجراءات بيروقراطية، والسرعة بطيئة لا تليق بإيقاع المناخ الذي يتغيّر دون إذن، ولا ينتظر ختمًا رسميًا على مشروع مقاومة. كل هذا يعكس خللًا عميقًا في فهم العدالة المناخية: فالمشكلة ليست في صياغة التعهدات، بل في تجسيدها على أرضٍ تحترق، وسواحل تغرق، وزمنٍ يضيق.

ما لم يُسدّ هذا الفارق بين ما يُعلَن وما يُنَفَّذ، ستبقى اتفاقية باريس وكل ما تبعها قصصًا جميلة تُروى في المؤتمرات، بينما تبقى الدول النامية على الهامش، تقاوم بكفٍّ عارٍ ما وعدت به البشرية بأصابع مرفوعة… ثم أنزلتها دون أن تُكمل الالتزام. وهكذا، لا يتغير المناخ فقط، بل تتآكل الثقة، وتتشقق جسور الأمل بين عالمٍ يملك القدرة… وعالمٍ يواجه المصير وحده.

3ـ الجدوى الاقتصادية للوقاية:

ليست الوقاية رفاهية مالية، بل أذكى استثمار يمكن أن تقوم به دولة تعرف أن الكارثة أغلى من الحماية. فكل درهم يُصرف قبل الأزمة، يختصر آلافًا بعدها، وكل مشروع وقائي صغير قد يمنع انهيارًا كبيرًا في الأرواح والبنية والميزانية. هي معادلة لا تحتاج إلى حسابات معقّدة، بل إلى بصيرة تدرك أن ما لا يحدث بفضل الوقاية… هو أعظم ما حدث.

كل دولار يُستثمر في الوقاية يُوفّر من 4 إلى 7 دولارات تُنفق لاحقًا على الإغاثة والإعمار (حسب البنك الدولي). 

في عالمٍ تتسارع فيه الكوارث وتتقلّص فيه فرص النجاة، يصبح الوقت أثمن من الذهب، والوقاية أذكى من المعالجة. حين يقول البنك الدولي إن كل دولار يُستثمر في الوقاية يوفر ما بين أربعة إلى سبعة دولارات تُنفق لاحقًا على الإغاثة والإعمار، فهو لا يُلقي رقمًا في الهواء، بل يكشف عن جوهر الحكمة الغائبة في كثير من السياسات: أن التدخل قبل الانهيار لا يحفظ فقط الأرواح، بل يحمي الجيوب، ويُبقي الأوطان متماسكة أمام هزات الطبيعة وجنون المناخ.

هذا الدولار الوقائي ليس مجرد تكلفة، بل مفتاحٌ لدرء كلفةٍ أكبر. إنه الجدار الذي يُبنى قبل أن ينهار السقف، والممر الآمن الذي يُرسم قبل أن يفيض الوادي، وخطة الإخلاء التي تُدَرَّب عليها القرى قبل أن تُحاصرها النيران أو السيول. إنه الاستثمار في الحياة قبل أن تتحول إلى أنقاض، وفي البقاء قبل أن يصبح البحث عن النجاة رفاهية لا يملكها الفقراء.

ولنتخيل سيناريوهين بسيطين: الأول، دولة أنفقت جزءًا يسيرًا من ميزانيتها على دعم نظم تصريف المياه في المناطق المعرّضة للسيول، ودعّمت المدارس والمستشفيات بوسائل حماية بسيطة كالمولدات والإنذار المبكر. والثاني، دولة انتظرت حتى غمرتها الكارثة، فبدأت بعدها في تعويض المتضررين، وإصلاح الطرق، وإعادة بناء المنشآت، ودفع فواتير التأخير والفوضى والانهيار. أي الدولتين أذكى اقتصاديًا؟ وأيّهما أرحم بشعبها؟ وأيهما أقرب إلى الاستدامة؟ الإجابة لا تحتاج إلى خبير اقتصاد… بل إلى قلبٍ يدرك أن الكلفة الحقيقية ليست بالأرقام، بل بالأثر البشري لما ضُيّع.

كل دولار يُستثمر في الوقاية يُنقذ منزلاً من الانهيار، ومستشفى من الغرق، وطريقًا من القطع، وطفلًا من الذعر. كل دولار يُنفق على خريطة مخاطر أو تدريب فرق إنقاذ أو زراعة حزام أخضر حول قرية، هو درع خفيّ قد لا يصفق له أحد، لكنه يصنع الفارق يوم الامتحان.

إننا لا نخسر الأموال حين نستثمر في الوقاية، بل نربح المستقبل. والاقتصاد الذي لا يحسب حساب الكارثة، هو اقتصاد هشّ، يُبنى على الرمال، ويُهدَم مع أول موجة. أما الاقتصاد الذي يجعل من الوقاية أولوية، فهو الذي يفهم أن أعظم العوائد لا تأتي من الأبراج الزجاجية، بل من قرية نجت… لأنها كانت مستعدة.

الكوارث تُفقِد الدولة رأس المال البشري لا فقط البنية التحتية — الطالب الذي يفقد مدرسته قد لا يعود، والمزارع الذي يفقد أرضه قد لا ينتج مجددًا. 

حين تضرب الكارثة، فإن أول ما يتهاوى ليس الجدران فقط، بل الأحلام التي بُنيت داخلها. قد تُرمَّم مدرسة بعد الطوفان، وقد يُعاد تعبيد الطريق الذي جرفته السيول، لكن من يعيد الطفل الذي انقطعت سنته الدراسية إلى مقعده القديم؟ من يعيد الفلاح الذي فقد موسمه، وأرضه، ومصدر رزقه إلى الحقل بنفس اليقين والحماس؟ الكارثة لا تسرق البنية التحتية فحسب، بل تسرق معها ما هو أعمق… رأس المال البشري، ذلك المورد الذي لا يُستورد ولا يُعوَّض بسهولة.

الطالب الذي تغرق مدرسته كل شتاء، قد يفقد ارتباطه بالتعليم شيئًا فشيئًا. تتكرر الانقطاعات، وتتحول المدرسة إلى مبنى غير آمن، غير مرحّب، غير موثوق. يبدأ الغياب كاستثناء، ثم يصبح عادة، ثم يتحوّل الفقد التعليمي إلى فجوة لا تُردم. وفي مجتمعات هشّة أصلًا، قد يكون هذا الانقطاع بداية طريق لا عودة فيه، حيث يخرج الطفل من مسار التعليم ليُضاف إلى قوائم البطالة أو الهجرة أو التسرب.

والمزارع، حين يرى أرضه تُغمر أو تُجرف أو تُصيبها ملوحة زاحفة بعد عاصفة، لا يخسر فقط المحصول، بل يفقد الثقة في الموسم القادم. كيف يزرع وهو لا يعرف إن كانت الأرض ستبقى أم تُطمَر من جديد؟ كيف يخطط حين لا توجد حماية ولا دعم ولا إنذار مبكر؟ البعض يغادر، والبعض يستدين ثم يتعثر، والبعض يُحوّل أرضه إلى أرض بور، تاركًا الزراعة خلفه كذكرى مؤلمة.

رأس المال البشري لا يُقاس فقط بعدد العاملين أو المتعلمين، بل بالاستمرارية في العطاء. والكوارث، حين تتكرّر دون وقاية، تقطع هذا الخيط. تزرع الخوف في قلب الطالب، واليأس في عين الفلاح، والتردد في عقل الطبيب الذي لا يجد مستشفاه آمنًا، أو المهندس الذي لا يثق بأن منشأته ستصمد. الكارثة تُرعب، تُرهق، وتُطفئ جذوة المحاولة لدى الناس.

وحين تنكسر الثقة بين المواطن وبنية دولته، لا تعود القضية فقط إصلاح مبنى أو تعبئة ميزانية، بل تصبح معركة ترميم الانتماء، وبناء جسور جديدة بين الناس وأرضهم، بين الطفولة والمدرسة، بين المزارع والحقول، بين العمل والحلم.

لذلك، فإن كل مشروع وقائي هو في جوهره استثمار في الإنسان قبل المكان. حماية المدرسة ليست فقط لحماية الطوب والإسمنت، بل لحماية مستقبل طفل. وحماية الأرض ليست فقط لمنع الفيضان، بل لحماية ذاكرة فلاح، وتاريخ إنتاج، ومورد حياة. فالدولة التي تفقد رأس مالها البشري… تفقد قدرتها على النهوض، مهما عظمت الجدران.

4ـ دعوة لاقتصاد مقاوم للكوارث:

في زمنٍ تتكاثر فيه العواصف، وتُعيد الطبيعة صياغة الحدود والخرائط، لم يعد يكفي أن يكون الاقتصاد منتجًا أو تنافسيًا، بل صار لزامًا أن يكون مقاومًا. اقتصاد لا تنهار أعمدته مع أول زلزال، ولا تتجمد شرايينه تحت وطأة السيول. اقتصاد يُخطَّط له كما تُبنى القلاع: لا للزينة، بل للصمود في وجه الغزو القادم… غزو الكارثة.

يجب إعادة تعريف المشاريع التنموية بحيث لا تُموّل بدون تضمين بند “المرونة ضد الكوارث“. 

لقد ولى زمن المشاريع التي تُقاس جدواها بعدد الطوابق، أو بكمية الإسمنت المسكوب فيها. نحن الآن في عصر تتقلب فيه الأرض تحت أقدامنا، وتغضب فيه السماء فجأة، ويصبح البناء نفسه اختبارًا للصمود لا للزينة. ولذا، لم يعد مقبولًا أن يُمنح أي مشروع تنموي شارة الانطلاق ما لم يكن فيه بند واضح، صريح، صارم… بند “المرونة ضد الكوارث”.

المرونة لم تعد خيارًا هندسيًا، بل معيارًا وجوديًا. المشروع الذي لا يصمد أمام زلزال أو سيول أو حرائق، ليس مشروعًا تنمويًا، بل قنبلة موقوتة تُدفن في الأرض وتنتظر ساعة الانفجار. يجب أن يعاد تعريف مفهوم “التنمية” ليتجاوز الإنجاز اللحظي إلى قدرة المشروع على البقاء، على التكيّف، على التحول من منشأة صامتة إلى ملاذ عند الخطر، ومن عبء إلى نقطة ارتكاز.

بند “المرونة ضد الكوارث” لا يعني فقط تصاميم مقاومة للزلازل أو أسقفًا مدعّمة، بل يشمل أنظمة تصريف ذكية، ومخارج إخلاء واضحة، ومولدات طاقة، ومخزونًا طارئًا، وتدريبات مستمرة للكوادر. إنه يعني أن المشروع لا يُبنى للحاضر فقط، بل للمستقبل غير المتوقع. يعني أن هناك سيناريوهات للغد تم التفكير فيها منذ اللحظة الأولى للحفر.

ولعل الأهم من كل هذا، أن التمويل نفسه يجب أن يكون مشروطًا بهذا البند. لا تمويل بلا ضمانات صمود. لا صرف على ما قد يصبح أنقاضًا مع أول كارثة. من يمول دون اشتراط المرونة، يشارك – ولو بصمت – في صنع هشاشة مكلفة، وفي تعميق جراح المستقبل.

وحين يصبح هذا الشرط عرفًا عالميًا، فإن خريطة التنمية نفسها ستتغير. ستُبنى المشاريع في مواقع مدروسة، وتُستخدم مواد مستدامة، وتُختبر الخطط قبل التنفيذ، وتُزرع في الناس ثقافة النجاة لا ثقافة الافتتاحات. فالمباني التي تُقص شريطها الرسمي اليوم، يجب أن تكون قادرة على الصمود حين تُدقّ طبول الخطر غدًا.

المرونة ضد الكوارث ليست مجرد “بند إضافي”، بل هي قلب العقد بين الدولة والمواطن، بين المموّل والمجتمع، بين التنمية والحياة. إنها الإجابة الوحيدة الصادقة على سؤال العصر: كيف نبني ما لا يهدم؟ كيف نُشيّد ما يبقى؟ وكيف نضمن أن لا تتحول إنجازات اليوم إلى أطلال الغد؟

الشراكة بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني لبناء مشروعات تنموية ذكية ومحمية.

 في زمنٍ تتداخل فيه المخاطر كما تتشابك خطوط المدن، لم يعد بالإمكان الاعتماد على طرفٍ واحد لحماية المجتمعات من الكوارث. الدولة وحدها لا تكفي، والقطاع الخاص لا ينجو بمفرده، والمجتمع المدني ليس مجرد مراقب أو متطوع وقت الأزمات. إنها منظومة مترابطة، لا تنهض إلا حين تتشابك الأيدي الثلاث: الحوكمة، والريادة، والضمير الجمعي.

فالشراكة بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني لم تعد ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة وجودية في بناء مستقبل محصّن. القطاع العام يمتلك الرؤية والتشريع والقدرة على التوجيه، بينما القطاع الخاص يملك السرعة، والابتكار، والموارد، والمجتمع المدني يملك البوصلة الأخلاقية، وعمق الارتباط بالميدان، والحسّ الفوري بما يحتاجه الناس. وعندما تُصاغ المشاريع التنموية بروح جماعية، فإنها لا تُبنى فقط لتكون جميلة، بل لتبقى… وتحمي.

فكر في مدرسة تُشيَّد في منطقة معرضة للسيول. لا يكفي أن تبنيها وزارة التعليم، بل يحتاج المشروع إلى تمويل مرن من القطاع الخاص، وتصميم يراعي معايير السلامة البيئية، ومشاركة من المجتمع المدني تُحدد الأولويات، وتضمن أن لا يُقصى أحد عن الاستفادة منها. أو مستشفى يُخطَّط له كملجأ في حال الكارثة، لا يكتفي فقط بخدمة المرضى في الأوقات العادية، بل يتحول إلى مركز إنقاذ بفضل شراكات تموّل تجهيزاته، وتُدرب كوادره، وتضمن استمرارية خدماته.

الشراكة هنا ليست شعارًا. هي توزيع للذكاء والمسؤولية. كل طرف يرى من زاويته ما لا يراه الآخر. الدولة تفكر بالإطار الوطني، والقطاع الخاص يقرأ الأرقام والفرص، والمجتمع المدني يصغي لصوت الناس. وعندما يلتقون حول طاولة التخطيط، لا تُولد فقط مشروعات ذكية، بل مشروعات تعرف كيف تحمي نفسها، وكيف تتطور، وكيف تصمد في وجه غير المتوقع.

والأهم أن هذه الشراكة تبني الثقة. حين يرى المواطن أن مشروعًا تنمويًا يحمل بصمات أطراف متعددة، يصبح أكثر انتماءً إليه. يشعر أن المدرسة ليست بناء حكوميًا فقط، ولا مبادرة خيرية فقط، بل ثمرة تعاون من أجل الجميع. وهذا الشعور لا يُقاس بالميزانيات، بل بالاستعداد الجماعي للوقوف في وجه الكارثة كجسد واحد، لا كمؤسسات متفرقة.

الشراكة الثلاثية هي السياج الذي يطوّق التنمية بالعقل والحماية. فإذا أردنا لمشاريعنا أن تكون ذكية بحق، لا تكفي التكنولوجيا ولا الخرائط… بل نحتاج إلى أن نزرع فيها روح التشارك، حتى لا تكون مجرد بنايات تقف، بل كيانات تعيش وتقاوم… وتبقى.

من يصرف على الوقاية؟ حين تصبح الكارثة أغلى من أن تُحتمل..

في كل مرة تُعلن فيها الأخبار عن كارثة جديدة، تتقاطر الوفود، تُطلق التصريحات، تُنصب الخيام، وتتحول المأساة إلى مشهد مكرّر من الإنقاذ المتأخر. لكن أحدًا لا يسأل: كم كانت لتُكلّفنا الوقاية؟ وكم أصبحت تكلّفنا الآن؟

الإنفاق بعد الكارثة يشبه محاولة إنقاذ سفينة غارقة بملعقة. الأموال تُصرف، نعم، ولكن على الحطام لا على الأمل. يُعاد بناء ما تهدّم، لا ما كان يجب أن يُصمَّم منذ البداية ليصمد. تُرمم الطرق التي جرفها السيل، لكن لا تُبنى مصدّات السيول. تُغرقنا الأمطار، فننظّف، ثم ننسى، حتى تغرقنا من جديد.

والسؤال الذي يظلّ بلا جواب: من يصرف على الوقاية؟

في دهاليز الموازنات، تبدو مشاريع الوقاية كأنها ترف لا ضرورة، بند يمكن تأجيله، أو حذفه تحت مسمى “ترشيد الإنفاق”. لا أحد يرى سدًّا صغيرًا يُبنى، ولا شجرة تُزرع لتمنع انهيار التربة، ولا خطة إخلاء تُدرب عليها مدرسة في قرية بعيدة. الوقاية لا تُقص شريط افتتاحها، ولا تُنقل على شاشات الأخبار. إنها الصمت الذي ينقذ، لا الضجيج الذي يتفاخر.لكن الحقيقة التي لا نريد أن نواجهها:

الكارثة لا تصبح أرخص بعد حدوثها، بل تصبح أكثر قسوة على الإنسان والموازنة معًا.

تقول دراسات البنك الدولي إن كل دولار يُستثمر في الحد من المخاطر يُوفر لاحقًا ما بين 4 إلى 7 دولارات من خسائر محتملة. فلماذا نستثمر في البنية الفوقية وننسى بنية النجاة؟ تُشيد الأبراج، لكن تُهمل مصارف المياه. تُعبد الطرق، لكن تُنسى الجسور. يُبنى مستشفى حديث، بلا مولدات بديلة ولا مخارج طوارئ.

وهنا، تتقاطع الخديعة مع الواقع: مشاريع البنية التحتية مقاومة الكوارث قد تكون “أغلى” في البداية، لكنها الأرخص على المدى الطويل. أما الاكتفاء بالحد الأدنى، فهو توقيع غير معلن على فاتورة الكارثة القادمة.

ثمّة اتفاقيات دولية كاتفاقية باريس للمناخ، رُصدت فيها مخصصات للتمويل المناخي، لكن الكثير منها ظلّ في خانة الوعود. وبينما تتصارع الدول الكبرى على التعويضات والتزامات التمويل، تبقى الدول الفقيرة تواجه مصيرها بلا درع. لا حماية للسواحل، لا مصدّات للسيول، لا شبكات إنذار مبكر، ولا حتى حملات توعية منتظمة.

والنتيجة؟
بلدان تغرق كل عام، ميزانيات تُستنزف، فقراء يزدادون فقرًا، وأطفال يُولدون في عالم لا يتعلّم من كوارثه، بل فقط يعيد إنتاجها.

نحن بحاجة إلى فلسفة إنفاق جديدة، تُعيد ترتيب الأولويات لا بناءً على الضجيج، بل على الحياة.
نحتاج إلى تحويل مشروعات الوقاية من بند ثانوي في الهامش، إلى عنوان في الصفحة الأولى.

فمن الذي يصرف على الوقاية؟الذي يرى المستقبل، قبل أن ينهار الحاضر. الذي يفهم أن الكارثة ليست مفاجئة، بل نتيجة لتجاهل طويل الأمد.  الذي يدرك أن البناء الحقيقي، ليس في ارتفاع الطوابق، بل في عمق التأسيس.
وأن أغلى استثمار، ليس في الحجر، بل في النجاة.

هل نستطيع تغيير هذا المنطق؟ أم أننا سنبقى نُطفئ النار كل مرة، ثم ننسى، حتى يحترق البيت الأخير؟

الوقاية ليست جدارًا يُبنى، بل بصيرة تُستعاد ،هي الشجرة التي تُزرع اليوم لتصدّ الريح غدًا، والسدّ الصغير الذي يكبر في صمت ليكبح فيضانًا صاخبًا.  الوقاية هي الحارس الصامت في زمنٍ لا يحب الحُرّاس، ويحب التصفيق بعد فوات الأوان.  هي تلك اليد التي تُصلح السقف في النهار، قبل أن يهطل المطر في الليل.

لكننا، في غفلتنا الجماعية، نظلّ نُشيِّد بيوتًا من ورق، ثم نصرخ حين تهبّ الريح. نرسم المدن على الرمال، ثم نبكي حين تجرفها المياه.

فهل نغيّر المعادلة، ونؤمن بأنّ الوقاية ليست إنفاقًا، بل نجاة؟  أم نظلّ نكتب شهادات الوفاة في دفاتر الميزانية، ونرجو من الكارثة أن تتأخّر قليلًا؟

حماية البنية التحتية الحيوية لا تعني فقط صيانتها بعد الكارثة،

حماية البنية التحتية الحيوية ليست رد فعل متأخرًا على كارثة حدثت، ولا عملية إنقاذ لمبنى يتهاوى، أو طريق ينهار، أو مستشفى يغرق. إنها فن استشراف الغد، وتخطيط اليوم بعقلٍ لا يسكنه الاطمئنان الزائف، بل يسكنه وعيٌ حيّ بأن القادم قد لا يُمهل أحدًا. هي فعل استباق، وعقلٌ لا يُخدَع بزهو الافتتاحات، بل يسأل دائمًا: وماذا لو هبّت الريح؟ وماذا لو خرجت السماء عن صمتها؟ وماذا لو ارتجّت الأرض من تحتنا؟

نحن لا نحمي جدارًا، بل نحمي حيوات. لا نُحصّن سقفًا، بل نحصّن طفلاً يقرأ تحته، ومريضًا يتشبث به، وعاملاً يعبر تحته في طريقه إلى لقمة العيش. الوقاية ليست بندًا في جدول الموازنات، بل عقد أخلاقي مع المستقبل. إن الاستثمار في الوقاية هو تمامًا كالتأمين على الحياة، لا يُمنح لمن يملك المال فقط، بل لمن يملك الحكمة. لأن الحكيم وحده يدرك أن كل درهم يُصرف قبل الكارثة، قد يُنقذ ألف درهم بعدها، وكل ساعة تخطيط تُمنح قبل الخطر، قد توفّر أيامًا من البكاء والفوضى والموت الصامت.

ما نحتاجه ليس فقط هندسة مقاومة، بل فلسفة بناء جديدة… فلسفة لا تفصل بين الجمال والسلامة، ولا تختزل التنمية في عدد الطوابق والمشاريع المنجزة، بل تُعيد الاعتبار لفكرة البقاء. نحتاج إلى أن نبني مدارس تعرف كيف تتحول إلى ملاجئ، ومستشفيات تتحول إلى قلاع، وطرقات لا تنقطع في وجه الغيث. نحتاج إلى أن تُصمَّم شبكات الحياة لا لتخدم في الأوقات العادية فقط، بل لتنجو وتُنقذ عندما يعلو صوت الخطر.

إن أي مشروع تنموي لا يُبنى على أسس مقاومة… ليس مشروعًا بل قنبلة مؤجلة. وكل شجرة تُزرع قرب قرية، وكل خندق يُحفر ليصد السيل، وكل خطة طوارئ تُدرّب عليها الأيادي قبل أن ترتبك… هو استثمار لا يظهر في عناوين الأخبار، لكنه يتجلى حين تصمت العاصفة وتبقى البيوت واقفة.

فلنعد تعريف التنمية على أساس البقاء، لا الزينة. على أساس الحماية لا الاستعراض. لأن العالم تغيّر، والمناخ تغيّر، وما عاد بمقدورنا أن نعيش على خرائط قديمة لا تأخذ الكارثة في الحسبان. فإما أن نبني من الآن بعيون ترى ما لا يُرى، أو ننتظر الخطر ليوقظنا… وربما لا يجد فينا من يستيقظ.

بكل ما تحمله الخاتمة من نبضٍ إنساني وحكمة استراتيجية، فإنها تفتح الباب على مصراعيه نحو المقال الرابع من سلسلة سنداي، الذي لا يتوقف عند “التحصين الهندسي”، بل يتقدم خطوة إلى الأمام نحو تعزيز القدرة على الصمود والتكيف.

فإذا كانت البنية التحتية القوية هي جدار الصدّ الأول، فإن المجتمع الواعي، المدرَّب، القادر على التكيف، هو الحصن الحقيقي الذي لا ينهار. في المقال الرابع، ندخل في قلب الإنسان لا فقط في جدار المبنى. نناقش كيف تُبنى المرونة في النفوس لا في الخرائط فقط، وكيف تتحول القرى والمدن من مناطق هشّة إلى مجتمعات تعرف كيف تنجو، وتقاوم، وتعيد البناء من بين الركام.

المقال الرابع: حين تقف القرية بعد العاصفة ليس فقط كيف نمنع الانهيار، بل كيف ننهض بعده. كيف نُعلّم المجتمعات أن الكارثة ليست نهاية، بل امتحان للجاهزية، وكم من مجتمعاتٍ ضعيفة البنية، صمدت لأنها كانت قوية الوعي. وكيف تتحول الزراعة، والتعليم، والخدمات، إلى منظومات مرنة تعرف كيف تتنفس تحت الماء، وتقف تحت الريح، وتزرع في التربة المبللة بالأمل بعد الفيضان.

البند الرابع من إطار سنداي، الذي يتمحور حول “زيادة القدرة على الصمود”، لا يدعو فقط إلى الإنقاذ، بل إلى التحوّل: من ضحية إلى فاعل، من مستقبل للمساعدات إلى صانع للنجاة.

ترقبوا هذا المقال، حيث نرسم ملامح المجتمعات القادرة لا فقط على الاحتماء… بل على الحياة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى