رأى

اتفاق باريس.. طموح في الخطاب ضعيف في التطبيق!

بقلم: د.شكرية المراكشي

الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية

حين وقّعت دول العالم على اتفاق باريس عام 2015، ضجّت القاعات بالتصفيق، وسرعان ما انتشرت العبارات التي تصفه بـ”الاتفاق التاريخي” و”نقطة التحول الكبرى” في المعركة ضد التغير المناخي. بدت اللحظة وكأنها انتصاراً أخيراً للعقل الجمعي للبشرية، لحظة نادرة توافق فيها الكبار والصغار، الأغنياء والفقراء، على أن الكوكب في خطر، وأنهم جميعًا مستعدون للعمل. لكن الزمن، كعادته، لا يحتفل بالكلمات، بل يحاسب على الأفعال. وبعد سنوات من تلك اللحظة الحماسية، تتكشف الحقائق شيئًا فشيئًا، ويظهر أن ما بدا وعدًا عظيماً، قد كان في جوهره اتفاقًا هشًا، خجولاً، يكتفي بالتمنيات ولا يُلزم بشيء.

فمن حيث اللغة، كان الاتفاق طموحًا، يعلن عن أهداف كبرى مثل حصر الاحترار العالمي دون درجتين مئويتين، بل ويدعو للسعي إلى وقف الارتفاع عند 1.5 درجة فقط. لكن أين هي الآليات الملزمة؟ أين هي العقوبات على من لا يلتزم؟ كل ذلك كان غائبًا، أو مؤجلًا، أو موضوعًا في إطار من “التعاون الطوعي”. الكلمات كانت مطاطية، والتعهدات خاضعة للتقدير الوطني لكل دولة، وكأن الكوكب يتسع لترف التأجيل والتردد.

ثم جاءت السنوات التالية لتفضح الفجوة بين النوايا والواقع. معظم الدول لم تلتزم حتى بالتعهدات الضعيفة التي قدمتها. الانبعاثات واصلت الارتفاع، الاستثمارات في الوقود الأحفوري لم تتراجع، والدعم المالي الموعود للدول النامية بقي مجرد أرقام معلقة في الهواء. الدول الغنية – التي يُفترض أن تقود الانتقال الأخضر – لم تبدُ جادة في تقليص بصمتها الكربونية بقدر جديتها في حماية اقتصادها القائم على الوقود الأحفوري.

هكذا تكشف أن اتفاق باريس، رغم كل الهالة الإعلامية التي أحاطت به، لم يكن نقطة التحول التي نحتاجها، بل مجرد إعلان نوايا أنيق في عالم يسوده منطق المصالح، لا منطق النجاة. لقد اتفق العالم على ما يشبه خريطة طريق، لكنه لم يلتزم بسلوك الطريق ذاته. لقد تحدث كثيرًا، لكن حين حان وقت التحرك، بدا وكأنه يبحث عن أعذار لا عن حلول.

فهل فشل اتفاق باريس؟ قد يكون من القسوة أن نقول “نعم” بشكل قاطع، لكن من الإنصاف أن نعترف بأن العالم لم يعطه فرصة حقيقية للنجاح. الاتفاق لم يكن عاجزًا بحد ذاته، بل عُطّل عمدًا، بسبب تردد السياسات، وجبن المصالح، وعناد النظام الاقتصادي القائم. وإذا استمر الحال كما هو، فإن اتفاق باريس سيُذكر في كتب التاريخ ليس كاتفاق أنقذ العالم، بل كتحفة دبلوماسية خذلها من وقعوا عليها.

العيوب الأساسية تشمل:

اولا: عدم الإلزام القانوني: الدول تحدد أهدافها طوعًا، ولا توجد آلية فعالة لمحاسبتها. .

من بين أكثر ما يُضعف اتفاق باريس ويجعل تطبيقه أقرب إلى التمنيات منه إلى التعهدات، هو غياب الإلزام القانوني. فالاتفاق بُني على مفهوم “النية الحسنة”، حيث تضع كل دولة خطتها الخاصة، وتحدد لنفسها مقدار ما تريد تقليصه من انبعاثات الكربون، وفق ما تراه مناسبًا لاقتصادها وقدراتها. لا توجد سلطة عليا تلزم، ولا محكمة بيئية تُحاسب، ولا عقوبة تُفرض على من يخل بالاتفاق أو يتنصل من وعوده. هكذا، تحوّل الاتفاق إلى وثيقة تعبر عن الطموح أكثر مما تُجسّد إرادة تنفيذ حقيقية.

ولعل الخلل الأعمق يكمن في هذه الفلسفة التي اعتمدت على “المرونة المطلقة” كوسيلة لجذب أكبر عدد ممكن من الدول للتوقيع، لكنها في الوقت نفسه سلبت الاتفاق قوته الفعلية. فعندما تُترك الالتزامات للمزاج السياسي المحلي، وتُصاغ الأهداف المناخية بلغة دبلوماسية مريحة لا تُغضب أحدًا، فإننا لا نحمي المناخ، بل نحمي المصالح.

ثم تأتي المعضلة الكبرى: ما الفائدة من اتفاق لا يملك أدوات للردع؟ كيف يمكن للعالم أن يواجه أزمة وجودية بحجم تغيّر المناخ من خلال آلية أقرب إلى التوصيات الأخلاقية منها إلى القرارات الملزمة؟ العالم اليوم لا يفتقر إلى البيانات أو الأدلة أو حتى النوايا الحسنة، بل يفتقر إلى الإرادة المُلزمة، إلى الاتفاقات التي لا تترك المجال للمراوغة، ولا تكتفي بالتقارير الدورية والقمم الرمزية.

النتيجة أن بعض الدول تعاملت مع اتفاق باريس كأداة للعلاقات العامة أكثر منه كميثاق مُلزم لإنقاذ الكوكب. تقدم تقارير مطوّلة عن “الخطط”، تنظم حملات دعائية عن “التحول الأخضر”، لكنها على الأرض تواصل دعم مشاريع الوقود الأحفوري، وتمنح التسهيلات لشركات النفط والغاز، وتتهرب من أي التزام قد يُكلفها تضحية اقتصادية ولو محدودة.

في غياب الإلزام القانوني، تحوّل الاتفاق إلى مرآة تعكس ازدواجية العالم: حديث عن التضامن العالمي، وممارسة مبنية على الحسابات الفردية. وكلما اشتدت الأزمة، وكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالتحرك، تجد بعض الدول نفسها أكثر حرجًا، فتُكثف الوعود… لا الأفعال.

“نوايا حسنة” غير مضمونة: لا توجد أدوات رقابة فعالة لقياس مدى التزام الدول بوعودها. . 

إذا كانت النوايا الطيبة تشكّل قاعدة جيدة للعلاقات الإنسانية، فهي بالتأكيد لا تكفي لتأسيس نظام عالمي يُعالج أزمة بحجم تغيّر المناخ. الاعتماد على “النوايا الحسنة” للدول في تنفيذ تعهداتها المناخية يشبه التعويل على الوهم في مواجهة الإعصار. فالعالم لا يواجه أزمة بسيطة أو طارئة مؤقتة، بل تحديًا شاملاً يهدد الحياة ذاتها على الكوكب، ومع ذلك، تُدار الاستجابة لهذه الأزمة كما لو أنها مسألة أخلاقية فردية، تُترك لكل دولة لتختار “مدى رغبتها” في المساهمة.

غياب أدوات الرقابة الفعالة هو أحد أبرز نقاط الضعف في اتفاق باريس. صحيح أن الاتفاق يطلب من الدول تقديم تقارير دورية حول تقدمها، لكن من الذي يملك سلطة فحص هذه التقارير بموضوعية؟ ومن الذي يضمن أن الأرقام المعلنة ليست مزينة أو منتقاة بعناية؟ لا توجد هيئة رقابية محايدة وقوية تمتلك سلطة تقويم الأداء أو محاسبة المتهربين. وحتى تلك الآليات القليلة التي أُنشئت للمتابعة، كآلية “الشفافية المعززة”، تفتقر إلى الأدوات العقابية، وتكتفي غالبًا بالتوصيات.

ثم إن “النوايا” ليست عملة معترف بها في الاقتصاد السياسي الدولي، ولا يمكن البناء عليها حين تتعارض مع مصالح اقتصادية ضخمة، أو حين تتبدل الأولويات السياسية من حكومة لأخرى. وما دامت الاتفاقات المناخية لا تخرج من إطار المجاملات الدبلوماسية، فإن التفاوت في الالتزام سيبقى واسعًا، والفجوة بين ما يُقال وما يُفعل ستتسع عامًا بعد عام.

الاعتماد على نوايا غير مضمونة يعكس سذاجة في فهم طبيعة العلاقات الدولية، التي تقوم على المصالح لا على المبادئ. وهو كذلك هروب من المسؤولية الجماعية نحو خطاب فردي مريح، يسمح لكل دولة أن تقول: “لقد حاولت”. لكن الواقع يقول شيئًا آخر، فبينما تتحدث الدول عن “تحول أخضر”، تُموّل بالمليارات مشاريع فحم ونفط وغاز جديدة. وبينما تصدر تقارير الالتزام، تختفي الغابات، وتُدفن الانبعاثات تحت أرقام مضللة.

ما يحتاجه العالم ليس أن نُحسن النية، بل أن نحسن الفعل، وأن نُفعّل أنظمة متابعة ومساءلة تكون فعلاً دولية، شفافة، غير خاضعة للضغوط السياسية أو الاقتصادية. فبدون رقابة حقيقية، تصبح النوايا مجرد غطاء ناعم لإخفاء التراخي، ويصبح الاتفاق مجرد وثيقة بروتوكولية تُقرأ على المنصات وتُنسى في الواقع.

الدول الكبرى تتهرب من مسؤوليتها التاريخية في تلويث الكوكب وتساوي نفسها بالدول النامية

في مشهد المناخ العالمي، تلوح عبارة “المسؤولية المشتركة” كأنها مبدأ عادل ومنصف، لكنها في كثير من الأحيان تتحوّل إلى أداة لتذويب الحقيقة وتخفيف ثقل الذنب التاريخي عن كاهل من صنع الكارثة أساساً. فحين تقف الدول الصناعية الكبرى — تلك التي غذّت ثوراتها الاقتصادية بحرق الفحم والنفط لعقود طويلة — لتعلن أن الجميع “شركاء في المعاناة”، فهي بذلك تعيد صياغة التاريخ، لا الاعتراف به. وكأنها تقول: فلنبدأ الصفحة من الآن، ولننسَ من كتب الصفحات السوداء السابقة بالدخان الأسود والانبعاثات الخانقة.

تمييع المسؤوليات ليس مجرد انحراف أخلاقي في سردية المناخ، بل هو سياسة منهجية تمارسها الدول الغنية بدهاء. فبدلاً من الاعتراف الصريح بأنها ساهمت بنصيب الأسد في رفع درجات حرارة الكوكب، وبدلاً من دفع فاتورة ملوّثاتها الماضية، نجدها تُساوي نفسها بالدول النامية التي لم تحرق ولم تبنِ مصانع أو بنى تحتية تُنذر العالم بالاحتباس الحراري، لكنها الآن تدفع الثمن مضاعفاً: مرة لأنها ضحية العواقب، ومرة لأنها مطالبة بالالتزام بتخفيض الانبعاثات من موارد لا تملكها أصلاً.

إن الدول الكبرى لا تكتفي بالتهرب من ماضيها، بل تحاول فرض شروط حاضرها على الجميع. تطرح سياسات خضراء لا تأخذ في الحسبان الفجوة التنموية، وتطالب دول الجنوب بالالتزام بنفس المعايير دون أن توفر الدعم الكافي. وهكذا يتحول التحول الأخضر إلى عبء جديد يُضاف إلى كاهل من لم ينل بعد حقه من التنمية، وكأن المطلوب هو أن يُضحّي الفقير مرّتين: مرة من أجل النمو الاقتصادي الذي حُرم منه، ومرة من أجل كوكب دمره غيره.

وفي المحافل الدولية، تُساق الكلمات بحذر شديد، وتُفرَك التعابير لتبدو متوازنة، بينما الحقيقة جليّة خلف الستار: هناك من لوّث، وهناك من تلوّثت حياته بالنتائج. وهناك من يملك ثروات وموارد، وهناك من يلهث وراء قروض مشروطة ليبني سداً أو يزرع شجرة. لكن بدل أن تُنصف الاتفاقات المناخية هذا التفاوت الجذري، نراها تميل نحو لغة “المساواة الشكلية”، حيث يُحمّل الجميع المسؤولية كأنهم بدءوا السباق في اللحظة نفسها وعلى الأرضية نفسها، وهذا محض وهم.

العدالة المناخية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالمسؤولية التاريخية، لا من التهرب منها عبر المصطلحات الملساء. وتبدأ من تعويض الضرر لا من توزيع اللوم. أما إذا استمر العالم في هذا المسار من التمييع والمساواة الشكلية، فلن تثمر كل القمم والمؤتمرات إلا بيانات ختامية أنيقة تخفي تحت سطورها ظلماً ممتداً، يتغذّى على نفاق الكبار وصمت الصغار.

ضعف التمويل المناخي: التعهدات بتقديم 100 مليار دولار سنويًا للدول الفقيرة لم تتحقق فعليًا، أو تأخرت وتقلصت.

في قلب كل قمة مناخية، يتكرر ذلك الرقم الرمزي: مئة مليار دولار سنويًا، كالتزام من الدول الغنية تجاه الدول النامية لمساعدتها في مواجهة الكوارث المناخية والتحوّل نحو اقتصاد أخضر. وعلى الورق، يبدو الرقم كافيًا ليبعث شيئًا من الأمل، لكن الواقع أكثر خيبة من أن يُرمم بالشعارات. فهذه الأموال، التي وُعد بها منذ أكثر من عقد، لا تزال حبرًا على ورق في معظمها، تتناقص حين تُقارن بالحاجات الفعلية، وتتأخر حين يُسابق الخطر الزمن، وتتقلص حين تدخل دهاليز السياسة الدولية وأسواق المال.

التمويل المناخي ليس منّة، بل استحقاق. هو الحد الأدنى من العدالة في عالم فَرض فيه الأغنياء فاتورة مناخية هائلة على الفقراء دون أن يمنحوهم الأدوات الكافية للدفاع عن أنفسهم. فحين تعلن دولة صغيرة في المحيط الهادئ عن خططها لرفع مستوى السواحل، أو حين تحاول دولة إفريقية بناء بنية تحتية للطاقة النظيفة، تجد نفسها رهينة لمشاريع تمويل بطيئة، بيروقراطية، مشروطة، وموجهة غالبًا لخدمة مصالح المانحين لا احتياجات المتضررين.

ولا يقف الأمر عند التأخير أو التقلص، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا التمويل. جزء كبير من المبالغ يُقدَّم في شكل قروض، لا منح، ما يعني أن الدول الفقيرة مطالبة بسداد تكلفة معالجة مشكلة لم تكن هي من صنعها. والأسوأ من ذلك أن بعض الدول المانحة تُدرج تمويلاً تجاريًا عادياً أو مساعدات إنمائية سابقة تحت بند “التمويل المناخي”، فيبدو الرقم على الورق متضخّمًا، لكنه في الميدان فارغ من القيمة.

الوعود المناخية باتت تُشبه الشيكات المؤجلة، تُصرف في المؤتمرات ولا تصل إلى البنوك البيئية للدول الفقيرة. هذا الخلل الجذري في تمويل العدالة المناخية يعكس غياب الإرادة الحقيقية لدى الدول الكبرى، ويفضح الفجوة الهائلة بين ما يُقال وما يُفعل. فبينما تتسابق الحكومات الغنية على خطب المنابر، تتباطأ أيديها حين يُطلب منها الدفع، وكأن التضامن العالمي يمكن أن يُبنى بالكلمات وحدها.

في النهاية، فإن غياب تمويل مناخي فعّال، شفاف، وعادل، لا يهدد فقط الدول الفقيرة، بل يهدد مصير المعركة المناخية بأكملها. فمن دون أدوات حقيقية، لا يمكن للجنوب العالمي أن يشارك فعليًا في التحوّل الأخضر. ومن دون شراكة صادقة، ستظل قضايا المناخ أسيرة الغرف المغلقة، فيما العالم الحقيقي يشتعل حرفيًا بحرائق الجفاف، ويغرق فعليًا تحت أمطار الفوضى المناخية.

ثانيًا: التناقض بين الوعود البيئية والمصالح الاقتصادية

في كل قمة مناخية، يتكرر المشهد ذاته: قادة العالم يتوافدون ببدلات أنيقة، يعتلون المنصات، ويطلقون وعودًا لامعة حول خفض الانبعاثات، حماية الغابات، والتحوّل إلى اقتصاد أخضر. لكن ما إن تُطفأ الأضواء وتُطوى أوراق الخطابات، حتى تبدأ الحقيقة في التسلل بهدوء، لتكشف عن تناقض صارخ بين ما يُقال على المنابر وبين ما يُنفذ في الكواليس. ففي عالم تحكمه المصالح، تصبح البيئة ضحية سهلة في صراع غير متكافئ مع الاقتصاد.

كيف يمكن أن نصدّق أن الدول الكبرى جادة في محاربة تغير المناخ، بينما هي نفسها لا تزال تستثمر بمليارات الدولارات في الوقود الأحفوري؟ كيف يمكن الوثوق بحكومات تتحدث عن “الحياد الكربوني” بينما تمنح إعفاءات ضريبية لشركات النفط وتغضّ الطرف عن مشاريع التوسع في الفحم والغاز؟ في العلن، يبدو المشهد مثالياً؛ اتفاقيات، خرائط طريق، وأهداف طموحة. أما في الخفاء، فهناك شبكات مصالح، لوبيات صناعية، وصفقات طاقة تُدار بصمت خلف الأبواب المغلقة.

التناقض لا يتوقف عند السياسات فحسب، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية نفسها. الاقتصاد العالمي لا يزال مبنيًا على أنماط إنتاج واستهلاك تدمّر البيئة وتكافئ الملوّثين. لا تزال الأسواق تعتبر قطع الأشجار تجارة مربحة، واستخراج النفط ضرورة تنموية، وتوسيع الطرق السريعة علامة على “التقدم”. وفي هذا السياق، تصبح الوعود البيئية مجرّد زينة تُعلّق على حائط المجتمع الدولي لإخفاء هشاشة الإرادة السياسية، لا أكثر.

حتى في لحظات الكوارث المناخية الكبرى، حين يفيض نهر أو تشتعل غابة، تستفيق الضمائر للحظة، ثم تهدأ مجددًا تحت ضغط الأسواق وأسعار الأسهم. فالمناخ لا يُنتخب، لكن السياسيين يُنتخبون، وغالبًا ما يخضعون لإملاءات الشركات التي تموّل حملاتهم وتؤثر في قرارهم. وهكذا، يصبح الحفاظ على البيئة عملاً “ترفياً” مؤجلاً إلى إشعار آخر، بينما تُمنح الأولوية لاستقرار الأسواق، ونمو الناتج المحلي، و”مناخ الأعمال” لا مناخ الكوكب.

وفي ظل هذا التناقض، يتحول الحديث عن العدالة المناخية إلى ترف لغوي، وفكرة “التحوّل العادل” إلى شعار خالٍ من المضامين، لأن العدالة في الأساس تتطلب تضحية من الأقوياء، ومراجعة لجذور النظام الاقتصادي نفسه. لكنها تضحية لم يحن وقتها بعد، على ما يبدو، بالنسبة لمن بيدهم زمام القرار.

إن لم يُكسر هذا التناقض البنيوي بين حماية الكوكب وتحقيق الأرباح، فإن العالم سيظل يدور في حلقة من الكلام الفاخر والفعل الفارغ. وسيبقى المناخ هو الخاسر الأكبر في معركة تُدار بميزان المصالح لا ميزان الأخلاق.

هنا يكمن جوهر الأزمة: لا أحد يريد دفع ثمن التحول الأخضر. 

هنا بالتحديد، في هذه النقطة المفصلية، تتجلّى جوهر الأزمة المناخية: لا أحد يريد أن يدفع الثمن. الجميع يريد بيئة نظيفة وهواء نقي ومناخًا مستقرًا، لكن حين يصل الأمر إلى التكاليف—السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية—تبدأ الأصابع في الإشارة بعيدًا، وتتراجع الحماسة سريعًا، ويذوب الالتزام كما يذوب الجليد في القطب الشمالي.

الدول الغنية تتحدث عن “الانتقال العادل” إلى الاقتصاد الأخضر، لكنها نادرًا ما تعترف بأنها بنيت ثرواتها على مدار قرون من الاستغلال البيئي والتاريخي للمستعمرات السابقة. هي الآن تطلب من الدول النامية أن تتخلى عن الفحم دون أن تقدّم البدائل، أن توقف مشاريع البنية التحتية الملوثة دون أن تموّل الطاقة النظيفة، أن تضع قيودًا صارمة على التصنيع بينما لا تزال الشركات الغربية تستهلك وتنتج بوحشية. إنها تطلب التضحية من الفقير دون أن تتنازل عن امتيازات الغني.

أما الحكومات، فتخشى من كلفة القرار السياسي. فالتحول الأخضر يتطلب إصلاحات غير شعبية: رفع الدعم عن الوقود، تغيير أنماط الاستهلاك، فرض ضرائب كربون، إعادة توزيع الموارد. وهذه قرارات تحتاج إلى شجاعة، إلى إرادة سياسية نادرة، إلى قادة مستعدّين للمخاطرة من أجل مستقبل لا يضمن لهم مكاسب انتخابية فورية. لكن في عالم السياسة، لا أحد يريد أن يدفع ثمن عدم الشعبية، في حين أن المناخ لا ينتظر نتيجة الانتخابات.

الشركات الكبرى كذلك ليست مستعدة للتخلي عن نماذجها الاقتصادية القائمة. فهي تطلب الوقت، وتفاوض على الاستثناءات، وتحارب أي تشريع يفرض عليها تغييرات جذرية. شعارها الضمني هو: “نحن مع حماية البيئة، لكن بشرط ألا تمسّ أرباحنا”. وهكذا يصبح “التحول الأخضر” مشروعًا معلقًا بين الطموح والواقع، بين الوعود والمصالح، بين الأخلاق والسوق.

حتى على مستوى الأفراد، يظهر هذا التردد. فالجميع يحب فكرة الطاقة النظيفة، لكن قلة فقط تقبل بتكاليفها: فواتير أعلى، تغييرات في نمط الحياة، تقليل الاستهلاك. الإنسان الحديث تعوّد على الراحة الملوثة، ويخشى فقدان امتيازاته حتى لو كان الثمن انهيار الكوكب الذي يعيش عليه. وهكذا، تظل الأزمة قائمة، لا بسبب نقص الحلول، بل لأن الثمن يبدو فادحًا في عيون الجميع، فيما الكوكب يدفع وحده الفاتورة.

في نهاية المطاف، لن يحدث التحول الأخضر الحقيقي إلا عندما يدرك العالم أن ثمن التقاعس أكبر بكثير من ثمن العمل. أن التكلفة الحقيقية ليست في ترك الفحم، بل في التمسك به. أن التضحية اليوم، ولو كانت مؤلمة، أقل كلفة من الانهيار غدًا. وحتى يتحقق هذا الوعي، ستبقى قضايا المناخ حبيسة الندوات، وستظل الجملة الأشهر في كل قمة: “نحتاج إلى مزيد من الوقت”، بينما لا يتبقى من الوقت إلا القليل.

الدول الصناعية لا تزال تعتمد على الفحم والنفط، بحجة “الحق في التنمية“. 

في مشهد يكاد يكون سرياليًا من فرط التناقض، ترفع الدول الصناعية راية “الحق في التنمية”، مبررة بها استمرارها في الاعتماد على الفحم والنفط، وكأنها تتناسى أنها قد نالت نصيبها – وأكثر – من هذا “الحق” منذ قرون. تبرر استخدامها المستمر للوقود الأحفوري بأنه ضرورة اقتصادية، وبأن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، متناسية أن تلك الليلة امتدت عقودًا، وأن النهار لم يشرق بعد.

هذه الدول، التي شيدت حضارتها على أكتاف الفحم، ونهضت صناعتها على أنفاس النفط، وتقدمت جامعاتها وقطاعاتها الطبية والتكنولوجية على أموال انبعثت منها كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، تحاول اليوم إقناع العالم بأنها ما تزال في طور “التنمية”. إنها مفارقة مريرة أن تطالب أكثر الأمم تلوثًا بهامش إضافي من التلويث، وكأن المناخ لا يعرف حدودًا ولا يحاسب على تراكمات الماضي.

اللافت أن هذا التمسك بالوقود الأحفوري لا يأتي من دول فقيرة تبحث عن فرص للنهوض، بل من دول غنية تمتلك الوسائل والتكنولوجيا والأموال للتحول، لكنها تتقاعس عن اتخاذ الخطوة الفعلية. تفضل طريق الراحة على طريق التغيير، وتستمر في دعم شركات النفط والفحم بمليارات الدولارات سنويًا، وكأنها تضع الوقود الأحفوري في غرفة الإنعاش وتقاتل من أجل إبقائه حيًا، لا لشيء سوى أن مصالحها الاقتصادية والسياسية ما زالت مرتبطة بأنابيب النفط وأكوام الفحم.

في المؤتمرات، تُلقي هذه الدول الخطب الرنانة عن الالتزام بخفض الانبعاثات، وفي الوقت ذاته توقّع عقودًا جديدة للتنقيب عن النفط، وتفتح مناجم فحم جديدة، وتضع العراقيل أمام مشروعات الطاقة المتجددة إذا تعارضت مع حسابات الربح. إنها تلعب على الحبلين، وتخاطب العالم بلسان أخضر، فيما قلبها لا يزال أسود كوقودها.

بلغة الأرقام، لا يزال الفحم يشكّل مصدرًا رئيسيًا للكهرباء في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا والصين، ويُستخدم كذريعة لخلق الوظائف أو تأمين الاستقرار الطاقي، رغم أن العلم يحذر من أنه من أكثر مصادر الطاقة تدميرًا للمناخ. النفط أيضًا ما يزال عصب الاقتصاد في كثير من الدول، ليس فقط في الاستهلاك المحلي بل أيضًا في حسابات التصدير والتحالفات الجيوسياسية.

هكذا، تُمارس الدول الصناعية سياسة الكيل بمكيالين: تطلب من الدول النامية أن تلتزم بخفض الانبعاثات، أن توقف مشروعاتها الجديدة، أن تضع قيودًا على نموها الصناعي، لكنها لا تطبق القواعد نفسها على نفسها، ولا تعترف بالديْن البيئي الذي تراكم عبر عقود من التصنيع الملوث.

النتيجة أن ثقة الجنوب العالمي بالشمال الصناعي تتآكل، وتتبدد الآمال باتفاق منصف، ويستمر الكوكب في دفع ضريبة هذا الانفصام الجماعي في الخطاب والممارسة. إن العالم لا يفتقر إلى التكنولوجيا أو الخطط، بل يفتقر إلى شجاعة الاعتراف بأن زمن “التنمية الملوثة” قد انتهى، وأن من استفاد طويلاً من الكعكة لا يمكنه الاستمرار في أكلها ثم الحديث عن “العدالة المناخية”.

الشركات متعددة الجنسيات تمارس ضغطًا خفيًا (وأحيانًا علنيًا) على السياسات المناخية لتبقى مصالحها محمية. 

في كواليس القرار المناخي، حيث تجتمع الحكومات وتُصاغ الاتفاقيات وتُنسج العبارات “الأنيقة”، تقف الشركات متعددة الجنسيات كقوة خفية، تمسك بخيوط اللعبة وتوجه دفتها كما تشاء. هذه الشركات لا تجلس في الصفوف الأولى للمؤتمرات، لكنها حاضرة في كل سطر يُكتب، وفي كل رقم يُخفض أو يُرفع، وفي كل بند يبدو “غامضًا” أو “مرنًا” بشكل مريب. وجودها لا يحتاج إلى إعلان صريح، لأنه محفور في صلب المنظومة الاقتصادية ذاتها.

هذه الكيانات الاقتصادية العملاقة، التي تتجاوز في بعض الأحيان ميزانياتها السنوية ميزانيات دول بأكملها، لا تترك الأمور للمصادفة. هي لا تنتظر ما ستقرره الحكومات بشأن المناخ، بل تبادر بتهيئة البيئة السياسية والاقتصادية بما يتوافق مع مصالحها. تمارس ضغطًا ممنهجًا، يبدأ عبر جماعات الضغط التي تملأ أروقة البرلمانات، ولا ينتهي عند تمويل الحملات الانتخابية والسيطرة على الإعلام والرأي العام.

في العلن، تتحدث هذه الشركات عن “الاستدامة” و”المسؤولية البيئية” و”التحول الأخضر”، وتعرض شعاراتها الخضراء على واجهات المباني وعبوات المنتجات. لكن في الخفاء، تدفع بمصالحها لتفرغ السياسات من مضمونها. ترفض فرض ضرائب صارمة على الانبعاثات، وتحارب مشاريع القوانين التي تقيد استخدام الوقود الأحفوري، وتدفع ببدائل شكلية أشبه بـ”الطلاء الأخضر” الذي يُخفي نفس الممارسات القديمة.

وما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا أن الحكومات، وخاصة في الدول الصناعية الكبرى، لا تقف في وجه هذه الشركات كما ينبغي، بل تتعامل معها كشركاء لا يمكن المساس بهم. فمصالح الاقتصاد الوطني، وفرص العمل، والهيمنة التكنولوجية، جميعها باتت مرتبطة بأداء هذه الكيانات. لذلك، عندما تضغط شركة نفط كبرى على صانع قرار لإعادة النظر في سياسة بيئية صارمة، فإن القرار يُعاد فعلاً. وعندما تلوّح شركة عملاقة بخسارة الآلاف من الوظائف إذا لم تُعفَ من بعض القيود، تُعفى فورًا، حتى لو كان الثمن كوكبًا بأكمله.

بعض الشركات لا تكتفي بالضغط الخفي، بل تمارس نفوذها علنًا عبر تقارير وتمويل دراسات مشكوك في حيادها العلمي، تدّعي أن التحول إلى الطاقة المتجددة “سيُدمّر الاقتصاد” أو “يُهدد الأمن القومي”. في حالات أخرى، تساهم في إفراغ القمم المناخية من معناها الحقيقي، عبر تمويلها أو الترويج لمخرجاتها، لتتحول إلى مهرجانات استعراض خادعة، تُعطي انطباعًا بالتحرك بينما يجري التلاعب بالاتجاهات الحقيقية خلف الكواليس.

وهكذا، وبينما يُطلب من المواطن العادي أن يُقلل من استهلاك البلاستيك أو أن يطفئ الأنوار، تستمر هذه الشركات في التوسع والتلويث والاستثمار في نفس النماذج الاقتصادية التي أوصلت العالم إلى هذه الأزمة. هي ليست فقط جزءًا من المشكلة، بل غالبًا هي من تُعيد رسم حدود المشكلة لتُناسب مصالحها. وحتى اللحظة، ما تزال تملك من النفوذ والوسائل ما يكفي لتعطيل أي تحوّل حقيقي نحو العدالة المناخية، ما لم ينهض العالم لمساءلتها، لا مهادنتها.

القرارات المناخية غالبًا ما تُؤجل أو تُخفف حتى لا تُربك الأسواق والبورصات. 

في عالم يتقاطع فيه السياسي مع الاقتصادي، وتُقاس فيه قرارات الكوكب بميزان الربح والخسارة، تصبح القضايا المناخية رهينة جملة واحدة: “لا تزعجوا الأسواق”. ولهذا السبب، غالبًا ما تُؤجل القرارات المناخية أو تُخفف نبرتها حتى لا تُربك البورصات، وحتى لا تهتز مؤشرات الأسهم، وكأن إنقاذ الأرض يجب أن ينتظر إذنًا من “وول ستريت” أو “بورصة طوكيو”.

حين يُطرح قرار جريء بفرض ضرائب صارمة على الكربون، أو إيقاف دعم الوقود الأحفوري، لا يكون أول ما يُفكر فيه حجم الانبعاثات التي سيُخفضها هذا القرار، بل كم شركة ستغضب؟ كم مستثمرًا سيهرب؟ كم سهمًا سينخفض؟ تصبح المسألة أقل ارتباطًا بمستقبل الأجيال، وأكثر تعلقًا بإغلاق اليوم المالي في المنطقة الخضراء.

الحكومات، وخصوصًا في الدول الصناعية الكبرى، تُراعي أعصاب السوق كما لو كانت تتعامل مع طفل حساس. تُقدِّم التصريحات بعناية، وتُصاغ القوانين بحذر، وتُؤجل الخطوات الحاسمة حتى إشعار آخر، وكل ذلك خشية أن “تتزعزع ثقة المستثمرين”. إنها مفارقة عجيبة: يُطلب منا أن نثق بأن السوق سيجد الحلول، لكنه يرتعد بمجرد صدور قرار جاد لإنقاذ البيئة. فهل السوق أداة للحل، أم عائق يُخشى من رد فعله؟

البنوك المركزية وشركات الاستثمار وصناديق التقاعد العملاقة، كلّها تُلقي بظلالها الثقيلة على غرف صناعة القرار المناخي. فعندما تُطرح السياسات البيئية التي تستهدف الحد من التلوث، يُعاد حساب كل شيء: كيف ستتأثر أسهم شركات الطاقة؟ هل سيصمد قطاع السيارات التقليدية؟ ماذا عن صادرات الفحم؟ كل هذا يُناقش قبل أن يُنظر في نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

ولأن الأسواق تحب الاستقرار وتكره المفاجآت، يُفضَّل دائمًا تقديم حلول “تدريجية”، أي مُفرغة من الجدوى الفعلية. وبدلًا من سن قوانين ملزمة، يتم اللجوء إلى مبادرات طوعية، وبدلًا من وضع مهل نهائية صارمة، تُعتمد جداول زمنية مرنة، وبدلًا من المواجهة، تُختار التهدئة. وفي النهاية، لا يتغير شيء جوهري، لكن الجميع يشعر براحة نفسية مؤقتة لأن البورصة لم تهتز.

وبين كل هذا، يواصل الكوكب ارتفاع حرارته، وتمتد مواسم الجفاف والفيضانات والحرائق، فيما تصر الأسواق على أن “الاستقرار المالي” هو الأولوية. لا يُقال ذلك بصراحة، لكنه يُترجم في كل قرار أُجِّل، وكل سياسة خُففت، وكل وعد بيئي صار ضحية لتقلبات المؤشرات.

هكذا تتأجل العدالة المناخية، لا لأن العلماء لم يُنذروا، ولا لأن النوايا غائبة تمامًا، بل لأن الأسواق المالية لا تحب المفاجآت، ولا تطيق خسائر مؤقتة من أجل مصلحة دائمة.

حتى التحول نحو الطاقة المتجددة بات أحيانًا محكومًا بالربح أكثر من الاستدامة. 

حتى حين تهب رياح التغيير نحو الطاقة المتجددة، فإن بوصلتها كثيرًا ما تنحرف عن الاستدامة لتتجه صوب الربح، وكأننا لم نتعلم من فصول الأزمة السابقة شيئًا. فالطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وحتى الهيدروجين الأخضر، لم تعد فقط وسائل لإنقاذ الأرض، بل أصبحت ساحات استثمار مفتوحة، تُمزج فيها البيئة بأرقام العوائد، وتُقاس فيها الجدوى بعدد الأسهم لا بحجم الانبعاثات التي جرى تقليصها.

ما يحدث اليوم في سباق الطاقة النظيفة قد يبدو في الظاهر تقدمًا بيئيًا، لكنه في العمق يُخفي تكرارًا لنمط استغلالي قديم: استغلال الموارد، والعمال، والمجتمعات، لكن هذه المرة باسم البيئة. شركات عملاقة تستحوذ على مساحات شاسعة من الأراضي في الجنوب العالمي لبناء محطات شمسية أو مزارع رياح، دون أن تعود الفائدة الحقيقية على السكان المحليين الذين يظلون يعانون من فقر الطاقة ذاته. يُولّد النور، لكنه لا يُنير منازلهم.

تُبنى المصانع ومراكز التصنيع الخاصة بالألواح الشمسية أو بطاريات الليثيوم في أماكن بعيدة عن مصادر الاحتياج الحقيقي، وفقًا لمعادلة السوق لا معادلة العدالة. وتُستخرج المعادن النادرة من أعماق إفريقيا وأمريكا اللاتينية بثمن بيئي واجتماعي باهظ، بينما تُباع التكنولوجيا الخضراء بأرباح باهظة في أوروبا وأمريكا وآسيا. إنها الطاقة النظيفة، لكنها ملوثة أخلاقيًا بعدم المساواة.

حتى وتيرة التحول الأخضر تُحددها حسابات المستثمرين لا حساسية المناخ. فإذا ارتفعت أسعار الليثيوم أو المعادن الضرورية، يُبطئ الإنتاج. وإذا انخفضت الأرباح المتوقعة من مشروع رياح في عرض البحر، يُلغى أو يُؤجل. وإذا احتاجت الأسواق لتطمينات، تُعاد صياغة الخطط البيئية لتناسب شروطهم. كل شيء خاضع للمصلحة، حتى أكثر القطاعات إلحاحًا لإنقاذ الحياة على هذا الكوكب.

وقد يصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تقوم بعض الشركات بتسويق منتجاتها باعتبارها “خضراء” أو “صديقة للبيئة” دون أن تكون كذلك فعليًا، فيما يُعرف بـ”الغسل الأخضر” (Greenwashing). وهنا، تتحول النوايا البيئية من هدف إلى غلاف تسويقي جذاب يُعزز صورة الشركة ويُضخم أرباحها، دون أن يُغيّر واقع التلوث ولا يُحسّن شروط العدالة المناخية.

وهكذا، نجد أنفسنا أمام مشهد يتكرر فيه التاريخ بأقنعة جديدة: نفس الطمع، نفس الاحتكار، نفس غياب الضمير، لكن هذه المرة على أرضية خضراء وبلافتات تتحدث عن “الاستدامة”. فإن لم يُضبط هذا التحول ببوصلات أخلاقية وإنسانية عادلة، فإن الطاقة المتجددة، رغم كل بريقها، لن تُنقذنا، بل قد تجرّنا إلى فصول جديدة من الاستغلال… بل وربما من خيبة أمل أكبر.

يضحى بالبيئة على مذبح الاقتصاد.

في النهاية، تبدو البيئة وكأنها تُقاد طوعًا إلى مذبح الاقتصاد، لا كضحية مؤقتة، بل كقرابين تُقدَّم باستمرار لإرضاء آلهة السوق، ومؤشرات النمو، وأرباح الشركات. في كل قمة مناخ، تُرفع الشعارات الخضراء، وتُروى القصص البطولية عن التحول النظيف، لكن خلف الكواليس تُعقد الصفقات، وتُرسم السياسات بحبرٍ لا تراه الشعوب، إلا حين يتصاعد الدخان من الغابات المحترقة، أو حين يفيض البحر على مدنهم.

البيئة لم تعد أولوية بل أصبحت بندًا قابلًا للتفاوض، يُقايَض فيه الهواء النقي بأرباح البترول، وتُسوّى فيه حرارة الأرض مع أرباح البورصة. تُدفن المخاوف المناخية تحت أكوام من التصريحات الرنانة، وتُلبَّس الحقائق العلمية ثوبًا سياسيًا مشكوكًا في صدقه، فكل ما لا يدر ربحًا سريعًا يُؤجل، وكل ما قد يُربك الأسواق يُعدَّل، حتى صارت “الاستدامة” كلمة بلا روح، تُستخدم لتزيين خطابات القادة، لا لإنقاذ الكوكب.

المفارقة أن كل هذا يحدث في لحظة تاريخية فارقة، حيث أصبحنا نمتلك ما يكفي من المعرفة والموارد والتكنولوجيا لتغيير المسار، لكن نفتقر إلى شيء واحد: الإرادة. ليس لأن البشر لا يريدون، بل لأن أصحاب القرار يحسبون كل شيء بلغة الربح، ويتجاهلون كُلفة الخراب القادمة.

نحن نعيش زمنًا تُقدَّم فيه الأرض كوديعة رخيصة في بورصة المصالح، يُساوم عليها كبار الملوثين، بينما يتكبد الخاسرون الحقيقيون – من شعوب الجنوب الفقير وأجيال المستقبل – كلفة صفقة لم يُستشاروا فيها أصلًا. لقد تحوّل إنقاذ الكوكب إلى مشروع اختياري، وليس ضرورة وجودية، حتى كأننا نفاوض على الهواء الذي نتنفسه.

وهكذا، فإن كل تأجيل لقرار حاسم، وكل تخفيف لالتزام بيئي، هو خطوة جديدة نحو التضحية بالكوكب على مذبح الجشع. لقد أظهرنا أننا قادرون على الطموح، لكننا فشلنا في التضحية. وحين تكون البيئة هي الثمن، فإن فاتورة العجز الأخلاقي لا تُدفع من جيوب الأغنياء، بل من أرواح الفقراء.

ثالثًا: الدور الإعلامي وتأثير الرأي العام العالمي 

في خضم ضجيج القمم العالمية، وضباب التصريحات السياسية، يبقى للإعلام دورٌ لا يُستهان به، فهو النافذة التي يطل منها العالم على الكوارث البيئية، والعدسة التي تفضح تناقضات السياسات المناخية، والمرآة التي تعكس مدى اتساع الهوة بين الوعود والأفعال. الإعلام ليس مجرد ناقل للحدث، بل هو فاعل في تشكيله، يُمكنه أن يحرك الرأي العام، أو يُخدره، أن يوقظ الضمير الجمعي، أو يسهم في تخديره بتغطيات سطحية أو منحازة.

منذ بدأت قضية المناخ تتسلل إلى الشاشات والمنصات والمنابر، تبدل المشهد العالمي. الصور القادمة من الأمازون المشتعل، أو الأنهار الجافة في إفريقيا، أو الأعاصير التي تكتسح سواحل الكاريبي، أصبحت تطارد المتلقي في كل مكان. الإعلام خلق حالة من الإدراك، لكنه في بعض الأحيان ساهم في خلق وهم التغيير أيضًا، حين اكتفى بالعرض دون تحليل، وبالدراما دون تفسير، فباتت القضية المناخية في بعض الأحيان مجرد “ترند” يعلو ويخفت حسب موسم الكوارث أو توقيت المؤتمرات.

الرأي العام العالمي، بدوره، أثبت أنه قادر على الضغط، لا سيما حين ينفجر عبر حشود من الشباب في الشوارع، أو عرائض رقمية تنتشر كالنار في الهشيم، أو حملات رقمية تربك حسابات الحكومات. لكنه، رغم صوته العالي، يظل محدود الفاعلية حين لا يجد من يصغي له في دوائر القرار. كم من مرة تصاعدت نداءات المواطنين لإنهاء دعم الوقود الأحفوري، أو لحماية الغابات، أو لفرض الضرائب البيئية على الشركات الكبرى، ثم اصطدمت تلك الأصوات بجدران صلبة من المصالح الاقتصادية والسياسات القصيرة النظر.

الإعلام يستطيع أن يشعل شرارة التغيير، لكنه لا يملك وحده قوة الاستمرار، والرأي العام يستطيع أن يهزّ الأرض تحت أقدام المتقاعسين، لكنه لا يستطيع أن يفرض قوانين من دون مؤسسات تُنصت وتتحرك. وبين هذا وذاك، تظل معركة المناخ معركة سردية أيضًا، معركة على من يروي الحكاية، ومن يُحدد ما يُقال وما يُخفى.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على ما يُقال، بل على من يقوله، وكيف يُقال، ولمن. فحين يُستخدم الإعلام بوصفه أداة ضغط نزيهة وفعالة، ويُعبّأ الرأي العام بوعي عميق لا يتلاشى مع تغير العناوين، يصبح المناخ ليس فقط قضية إعلامية، بل قضية إنسانية شاملة، تُفرض على الجميع أن يتحملوا مسؤوليتهم أمام هذا الكوكب الذي يوشك أن يصرخ صرخة أخيرة لا تسمعها شاشات الأخبار.

رغم أن الإعلام هو قناة التوعية الأولى، إلا أنه لا يقوم دائمًا بدوره الحقيقي:

الإعلام الرسمي/التقليدي:

رغم أن الإعلام يُفترض به أن يكون مرآة تعكس الواقع بكل صدق وتجرد، فإن الإعلام الرسمي والتقليدي كثيرًا ما يتحول إلى ستار يُخفي الحقيقة، لا كاشفًا لها. في خضم القمم المناخية، حين تجتمع الوفود ويتبادل الزعماء الابتسامات أمام الكاميرات، يكتفي الإعلام الرسمي غالبًا ببث لقطات مصقولة، وعبارات منمقة، وتصريحات شكر متبادلة، كأنما الإنجاز تحقق، والمناخ بات في أمان. تُعرض صور القادة وهم يزرعون شجرة رمزية أو يوقعون على ورقة رسمية، بينما يتم تجاهل السؤال الأهم: ماذا بعد؟

هذا النوع من الإعلام يجنح إلى المجاملة، ويركز على المظاهر دون الجوهر. لا نجد فيه تفنيدًا لما لم يتحقق من وعود، ولا تحقيقات معمّقة عن مدى التزام كل دولة بما تعهدت به. بدلًا من أن يكون الإعلام الرسمي منصة للمساءلة، يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة ترويج لما تُريد السلطة قوله، لا لما يجب أن يعرفه الناس. يُضخم الإنجاز، ولو كان وهميًا، ويُقلل من حجم الفشل، ولو كان صارخًا.

وعندما يتعلق الأمر بالقضايا المناخية، فإن هذا التجميل الإعلامي يصبح خطيرًا. لأن ما يُعرض من صور للاحتفاء والاحتفال يُسكت الغضب الشعبي، ويُخدر الشعور بالكارثة. المواطن يرى الزعيم يبتسم ويتحدث عن “التحول الأخضر”، فيظن أن كل شيء على ما يرام، بينما الواقع يقول إن الانبعاثات في ازدياد، والتمويل المناخي متعثر، ودرجات الحرارة في تصاعد مقلق.

ولأن الإعلام الرسمي كثيرًا ما يتقاطع مع حسابات سياسية واقتصادية، فإنه يتهرب من تسمية الأشياء بأسمائها. لا يُشير إلى المسؤولين عن التعطيل، ولا يفضح تواطؤ القوى الكبرى، ولا يُبرز تناقض السياسات البيئية مع السياسات الصناعية والاقتصادية. يختبئ خلف عبارات فضفاضة مثل “الاتفاق التاريخي”، و”الخطوة الإيجابية”، و”التعاون الدولي”، بينما الواقع يئن تحت وطأة التردد، والتأجيل، واللاجدية.

وهكذا، يتحول الإعلام من ضمير حي إلى واجهة باردة، ومن وسيلة تنوير إلى أداة تزيين. وفي عالم يعاني من تسارع الانهيارات البيئية، فإن هذا النوع من التغطية لا يغدو فقط تقصيرًا، بل جريمة صامتة تُشارك في دفن الحقيقة، وتُعيق أي أمل في صحوة جماعية تنقذ ما تبقى من كوكب يحتضر.

يركز على “الخطابات” و”التصريحات”، لا على التباينات الحقيقية بين القول والفعل. 

في قلب التغطية الإعلامية التقليدية للقضايا المناخية، نجد ميلًا واضحًا للتركيز على الخطابات الرنانة والتصريحات الرسمية، كما لو أن الكلمات وحدها تكفي لإنقاذ الكوكب. تُسلَّط الأضواء على المنصات، ويُتابع الصحفيون باهتمام بالغ كل كلمة ينطق بها زعيم أو مسؤول، وكأنهم يسجلون لحظة تاريخية ستغير وجه الأرض، بينما الحقيقة أن هذه الكلمات غالبًا ما تكون مجرّد موسيقى لغوية خالية من الإيقاع العملي.

تتكرر العبارات المألوفة: “نحن ملتزمون”، “التحول الأخضر ضرورة”، “الأجيال القادمة في أعيننا”، ولا أحد يسأل: ماذا بعد هذه الكلمات؟ لا أحد يُراجع الحصيلة الحقيقية للوعود. لا أحد يكشف التباين المؤلم بين ما يُقال أمام عدسات الكاميرا، وما يُفعل (أو بالأحرى ما لا يُفعل) خلف الكواليس. الإعلام في كثير من الأحيان يتعامل مع القمة المناخية وكأنها مسرحية سياسية، لا تحديًا وجوديًا يتطلب أقصى درجات الصراحة والمساءلة.

هذا الهوس بالكلام على حساب الفعل يجعل القضايا البيئية تبدو كما لو كانت شأنًا رمزيًا، لا أزمة حقيقية تهدد الحياة نفسها. يُغطّى المؤتمر لحظة بلحظة، ولكن بعد أن تُطوى اللافتات، وتُغلق القاعات، يغيب السؤال الجوهري: هل تغير شيء فعلاً؟ بل كثيرًا ما يغيب المتابعة الحقيقية لما بعد الحدث، فيكتفي الإعلام بالتوثيق اللحظي وينسى أن المعركة مع المناخ ليست مؤتمرات تُعقد، بل سياسات تُنفّذ وواقع يجب تغييره.

إن هذه التغطية الخطابية تُسهم في بناء وهمٍ جماعي بأن الأمور تسير على ما يرام، بينما العالم يغرق في أعاصير غير مسبوقة، ويجف تحت حرارة خانقة، ويخسر تنوعه البيولوجي يومًا بعد يوم. الناس تُخدر بعبارات منمقة، وتُحرم من المعلومة الجوهرية: أن بين ما يُقال وما يُفعل هاوية شاسعة، وأن الخطر الحقيقي يكمن في هذه الهوة التي يُغطيها الإعلام بالصوت والصورة، بدلًا من أن يكشفها ويصرخ بها في وجه الجميع.

لقد أصبح الإعلام أحيانًا شريكًا في اللعبة الكبرى، يشتغل كأداة تجميل، بدلًا من أن يكون مرآة تعكس الشقوق والكسور. وحين يفقد الإعلام قدرته على مساءلة القول بالفعل، يصبح مجرد صدى لا يوقظ، بل يُدجن، ولا يُنبه، بل يُطمئن زورًا، وكأن العالم يملك ترف الانتظار.

 2ـ الإعلام البديل (مواقع التواصل – الصحافة المستقلة):

يؤدي دورًا أقوى في كشف التناقضات.

في زوايا العالم الرقمي، حيث لا تسيطر الحكومات ولا تتحكم الشركات الكبرى بكل التفاصيل، ينبثق صوت آخر… صوت الإعلام البديل. إنه ليس ذلك الإعلام المزين بالبذلات الرسمية أو المُقيد بخطوط تحريرية تمليها المصالح، بل هو ذلك الفضاء الحر الذي ينبض بالغضب والقلق والأمل في آنٍ معًا. عبر مواقع التواصل، منصات الفيديو، والمدونات الصحفية المستقلة، باتت الحقائق تُقال بجرأة، والملفات تُفتح دون وجل، والمقاربات تُسائل جوهر السياسات المناخية بدلًا من الاكتفاء بقشورها.

الإعلام البديل لا ينتظر مؤتمرات القمة ليبدأ عمله، ولا يتقيد ببروتوكولات المؤتمرات الصحفية. إنه يرصد، يوثق، ويقارن، فيكشف التناقضات بين التصريحات اللامعة والواقع الباهت. تجد فيه صحفيين بيئيين ينشرون تقارير ميدانية من المناطق المنكوبة بيئيًا، من قرى أُحرقت غاباتها، أو أنهار جفّت بسبب مشاريع تنموية مشكوك في جدواها، أو مدن اختنقت بفعل التلوث الناجم عن صناعات مدعومة بسياسات “خضراء” نظريًا.

هنا، تُستخدم الصور الجوية، والتقارير البيانية، وشهادات السكان المحليين، لتكوين سردية مختلفة تمامًا عن تلك التي تبثها وسائل الإعلام الكبرى. فبينما يظهر زعيمٌ عالمي أمام خلفية خضراء وهو يعلن عن خطة جديدة لخفض الانبعاثات، تخرج منصة مستقلة بفيديو يكشف أن بلاده قد زادت فعليًا من استخدام الفحم، أو أن مشروعات الطاقة المتجددة التي يتغنى بها، قد تسببت في تهجير مجتمعات أصلية من أراضيها.

تويتر، يوتيوب، إنستغرام، وحتى تيك توك، تحولت من منصات اجتماعية إلى أدوات ضغط فعالة. نشطاء المناخ الشباب يستخدمون هذه المنصات ببراعة، يصنعون محتوى مباشرًا، قصيرًا، صادمًا، يجعل ملايين العيون تتابع وتفهم. مقاطع فيديو عن ذوبان الجليد، تسريبات من داخل قاعات التفاوض المغلقة، تحليلات رقمية لمؤشرات الانبعاثات، كلها متاحة للعموم، بلا فلاتر ولا مجاملات.

وما يميز الإعلام البديل أكثر، أنه لا يخشى تسمية الأمور بأسمائها. لا يهاب وصف دولة ما بأنها “منافق بيئي”، ولا يتردد في الإشارة إلى تواطؤ الشركات الكبرى مع بعض الحكومات في عرقلة التقدم المناخي. إنه إعلام يسعى خلف الحقيقة لا خلف الإعلانات، يوجه أسئلته الحادة إلى من لا يُسألون عادة، ويصر على كشف المستور حتى وإن كلفه ذلك الحجب أو الحظر أو التشويه.

إنه، في جوهره، صرخة الضمير العالمي، ومرآة الوعي المتزايد الذي بات يدرك أن البيئة لا تُنقذ بالصور الرمزية والوعود الخالية، بل بالضغط الشعبي، والمحاسبة المستمرة، والكلمة الحرة التي لا ترضخ. في زمن يختلط فيه الأخضر بالتضليل، يصبح الإعلام البديل هو البوصلة التي تشير إلى الاتجاه الصحيح، ولو كانت الرياح كلها ضده.

حركات مثل “Fridays for Future” و“Extinction Rebellion” نشأت من رحم هذا الإعلام الجديد، وفرضت ضغطًا جماهيريًا عالميًا. 

من رحم الغضب الصامت، ومن أعماق القلق الوجودي الذي يراود جيلاً شابًا يرى كوكبه يُساق نحو المجهول، ولدت حركات شعبية لا تشبه ما سبقها من احتجاجات تقليدية. “Fridays for Future” و”Extinction Rebellion” لم تنشأ في مقرات أحزاب ولا في مكاتب منظمات بيروقراطية، بل وُلدت في الفضاء الرقمي، وتغذت من الإعلام البديل، واشتعلت شرارتها من تغريدة، صورة، أو فيديو صادق ينقل الحقيقة دون تزييف.

لم تكن “Fridays for Future” أكثر من فتاة صغيرة تُدعى غريتا ثونبرغ جلست على رصيف أمام البرلمان السويدي تحمل لافتة كُتب عليها “إضراب مدرسي من أجل المناخ”. لكن تلك الصورة البسيطة، حين التقطها أحد الصحفيين ونُشرت على مواقع التواصل، تحوّلت إلى رمز، وبدأت العدوى تنتشر. تلميذٌ في ألمانيا يقلدها، طالبة في كندا تنضم، ثم مئات، ثم آلاف، ثم ملايين من الشباب حول العالم، يتركون مقاعد الدراسة ليخرجوا في شوارع المدن رافعين شعارات لا لبس فيها: “أنقذوا كوكبنا”، “لا مستقبل على كوكب ميت”، “نريد أفعالًا لا وعودًا”.

أما “Extinction Rebellion”، فهي صيحة تمرد أخلاقي، حركة خرجت من قلب العاصمة البريطانية لتعلن أن الوقت لم يعد يحتمل التحفظ. بخطاب مباشر، عنيف في صدقه، ومبني على العصيان المدني السلمي، أغلق أعضاؤها الجسور، اعتلوا القطارات، وربطوا أنفسهم بأشجار عمرها مئات السنين مهددة بالقطع. لا شعارهم يُخفى شيئًا: “نحن في حالة انقراض، فلنتمرد”. إعلامهم ليس خفيًا، بل يصنعونه بأيديهم، يصورون مظاهراتهم، يبثون عبر الإنترنت لحظات القبض عليهم، يكتبون بياناتهم، يفضحون التواطؤ، ويوقظون ضمير العالم بكلمات قاسية ولكن ضرورية.

هاتان الحركتان –وغيرهما من الحركات الناشئة– لم تكن لتجد صدى ولا استمرارية لولا هذا الجسر الرقمي الذي بناه الإعلام البديل. فعبر آلاف التغريدات والمنشورات والفيديوهات، انتشرت قضيتهم، وتوسعت رقعة الدعم، وتحولت القضية البيئية من شأن “خبراء” إلى قضية وجودية تهم كل فرد على هذا الكوكب. لم تعد المظاهرات تُقاس بعدد المشاركين في ساحة واحدة، بل بعدد المشاركات، والهاشتاغات، والمشاهدات التي تعبر الحدود وتوقظ عقولاً في دول لم تكن تسمع من قبل عن مؤتمر المناخ.

لقد أجبر هذا المد الجماهيري، المدفوع بالإعلام الرقمي، صانعي القرار على الالتفات، إن لم يكن بالفعل، فعلى الأقل بالكلام. أصبح من الصعب تمرير السياسات القديمة بهدوء، وبات الخوف من الفضيحة الرقمية يلاحق المتهربين من الالتزامات البيئية. وهكذا، تحولت حركة طلابية عفوية إلى موجة عالمية، تهدد النمط السائد، وتطرح سؤالاً جوهريًا: كيف يمكن أن يستمر نظام اقتصادي وسياسي لم يعد الشباب يثقون به، ولم يعد الكوكب يحتمله؟

تأثير الرأي العام:

عندما يتصاعد غضب الرأي العام، يضطر السياسيون للتحرك (أو التظاهر بذلك). 

عندما يتصاعد غضب الشعوب، حين تفيض مشاعر الإحباط الجماعي وتتحول إلى صيحات مدوّية في الشوارع والساحات، لا يستطيع السياسيون تجاهل ذلك الصدى مهما حاولوا. الرأي العام، حين يُستفَز ويتحوّل إلى قوة ضاغطة، يُجبر صناع القرار على الخروج من أبراجهم العاجية، إما استجابة حقيقية أو على الأقل تجميلًا للصورة ومحاولة امتصاص الغضب الجماهيري.

هذا الغضب لا يولد من فراغ، بل يتراكم ببطء، كما تتراكم غازات الاحتباس الحراري، حتى تصل اللحظة التي لا يمكن فيها الصمت. حين يرى المواطن البسيط أن القمم المناخية تتحول إلى استعراضات جوفاء، وأن الغابات تُحرق، والمياه تندر، والطقس يزداد جنونًا، بينما السياسيون يكتفون بخطابات براقة، فإن ذلك المواطن يتحول إلى صوت صاخب، إلى هاشتاغ يكتسح العالم، إلى جموع تملأ الشوارع.

وعندها فقط، تتغير النبرة في الخطاب السياسي. نسمع فجأة تعهدات جديدة، ووعودًا أكثر جرأة، وخططًا خضراء تُعلن بين ليلة وضحاها. البعض يسن قوانين جديدة، والآخرون يُنشئون وزارات للبيئة أو يزيدون من موازناتها. لكن الحقيقة الأكثر لفتًا للنظر أن هذه التحركات –سواء كانت صادقة أم لا– ما كانت لتحدث لولا الضغط الشعبي. السياسي بطبيعته كائن حساس للرأي العام، مدرك أن البقاء في منصبه لا يرتبط فقط بما يقوله، بل بما يشعر به الشارع تجاهه.

وما يزيد من فعالية هذا الغضب الجماهيري هو أنه لم يعد حبيس جدران الوطن الواحد. إن شبكة الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، جعلت الرأي العام قوة عابرة للحدود، قادرة على إحراج الحكومات، وفضح التناقضات، وتحويل التواطؤ إلى فضيحة عالمية في لحظات. لم يعد ممكنًا للقادة أن يختبئوا وراء الأرقام أو يعيدوا تدوير الوعود القديمة، لأن عدسة الرأي العام باتت تراقب كل تفصيلة، وتعيد نشرها إلى ملايين العيون حول العالم.

في لحظات كهذه، يتغير الإيقاع. لم تعد المسألة مجرد قضية بيئية، بل قضية أخلاقية وسياسية واجتماعية في آنٍ واحد. وعندما يهتز الشارع، تهتز معه جدران المكاتب السياسية، فيهرع المسؤولون إلى عقد مؤتمرات صحفية، يتحدثون عن “التحول الأخضر”، عن “استجابة لنبض الشارع”، ويُحاولون إعادة تعريف أنفسهم كحماة للمناخ لا كمتفرجين عليه.

لكن السؤال يبقى: هل هذا التحرك نابع من قناعة؟ أم أنه مجرد استجابة ظرفية، تسكّن الغضب دون معالجة الجذور؟ الواقع أن بعضهم يصدق، والكثيرون يتظاهرون. ومع ذلك، فإن للرأي العام سطوته، إذ يظل هو القوة القادرة على قلب الموازين متى أراد… إذا بقي يقظًا، غير قابل للتخدير، ولا يقبل بأن تُباع البيئة على مذبح المصالح.

لكن الرأي العام غير متجانس: في الشمال، يُطالب بتقليل الانبعاثات، بينما في الجنوب يُطالب بالعدالة المناخية أولاً. 

الرأي العام، رغم ضجيجه المتصاعد ووعيه المتزايد، ليس كتلة صلبة واحدة ولا جوقة تُغني لحنًا واحدًا. بل هو فسيفساء من الأصوات، تختلف توجهاتها باختلاف الجغرافيا، والتاريخ، والمصالح، والمآسي. ففي الشمال العالمي، حيث يعيش المواطن وسط بنية تحتية مستقرة، وموارد متوفرة، ومناخ أكثر اعتدالًا، يتصاعد الخطاب البيئي في اتجاه المطالبة الصارمة بتقليل الانبعاثات، وتقييد استخدام الوقود الأحفوري، وتسريع التحول إلى الطاقة المتجددة. هناك، تبدو الأزمة البيئية وكأنها مسألة ضمير كوني، وواجب أخلاقي، ودليل على وعي إنساني متقدّم.

لكن حين تنتقل الكاميرا جنوبًا، إلى حيث يعيش ملايين البشر في أوضاع هشّة، وبنى تحتية متصدعة، واقتصادات تتنفس بالكاد، تتبدل نبرة الرأي العام، وتتغير أولويات الخطاب. هنا، لا يبدو الحديث عن تقليل الانبعاثات جذابًا، ولا دعوات تقليص الاعتماد على الفحم مقنعة، إذا لم يسبقها سؤال أبسط وأكثر إلحاحًا: من سيدفع ثمن هذا التحول؟ وهل من العدل أن يتحمل الجنوب، الذي لم يكن مسؤولًا تاريخيًا عن الكارثة، عبء المعالجة دون أن يُمنح فرصة عادلة للنمو؟

هنا تتجلى مفارقة الرأي العام العالمي. في الشمال، يُرفع شعار حماية الكوكب، بينما في الجنوب يُرفع شعار العدالة المناخية. الأول يطالب بقرارات حاسمة وسريعة، حتى وإن كانت مؤلمة اقتصاديًا، والثاني يطالب بأن تكون تلك القرارات عادلة، شاملة، قائمة على مبدأ “المسؤولية المشتركة ولكن المتفاوتة”، لا على إملاءات بيئية صادرة من منصات الشمال إلى جنوب منهك.

هذا التفاوت لا يعني أن الجنوب لا يهتم بالبيئة، بل يعني أنه ينظر إليها من زاوية مختلفة. البيئة هنا مرتبطة بالحق في الحياة الكريمة، في المياه النظيفة، في الكهرباء، في التعليم، في الرعاية الصحية، في الزراعة المستقرة. ولا يمكن أن تُفرض عليه وصفة بيئية لا تأخذ بعين الاعتبار أن التلوث عنده ليس خيارًا حرًا بل ضرورة فرضها ضعف التمويل وغياب الدعم التكنولوجي.

وهكذا، يصطدم رأي عام بآخر. ويصبح الحوار المناخي أكثر تعقيدًا، لأنه لم يعد فقط مواجهة بين السياسيين والعلماء، بل مواجهة بين رؤيتين للعالم، كل منهما تؤمن أنها الأجدر بأن تُسمَع. وما لم يُجسر هذا التباين بالفهم، والتمويل، والتضامن الحقيقي، فإن الرأي العام سيظل منقسمًا، وسيظل التحول المناخي رهينة هذا الانقسام.

رابعًا: حلول واقعية لإنقاذ القمم المستقبلية من الفشل

إنقاذ مستقبل قمم المناخ يتطلب الانتقال من “الخطابة” إلى “الميكانيكا السياسية والاقتصادية الواقعية”.

لقد بات من المسلّم به اليوم أن قمم المناخ، رغم تواترها وكثرة بياناتها، لا تزال عالقة في حلقة مفرغة من التكرار والتأجيل والوعود الفضفاضة. ولعل الخطر الأكبر لا يكمن فقط في فشل تلك القمم في تحقيق اختراقات حقيقية، بل في فقدان الثقة المتزايد من الشعوب، والناشطين، وحتى بعض السياسيين، في جدوى هذه الاجتماعات نفسها. إنقاذ هذه القمم من مصير التشكيك أو اللامبالاة لا يتطلب فقط تجميل الصورة أو تعديل لغة الخطابات، بل يتطلب قفزة نوعية في طريقة إدارتها، وفي طبيعة القرارات التي تخرج منها، وفي الآليات التي تضمن تنفيذ تلك القرارات على أرض الواقع.

لا يكفي أن نرفع شعارات ضخمة ونلوّح برسائل الإنذار المتكررة حول “نهاية العالم كما نعرفه”. لقد أصبحنا بحاجة إلى ما هو أبعد من الصوت العالي والبيانات الحماسية. نحن بحاجة إلى الدخول في عمق “الميكانيكا السياسية والاقتصادية” لهذا العالم المعقّد. ماذا يعني هذا؟ يعني أن نعيد التفكير في بنية القمم نفسها، في جدية التفاوض، في توزيع النفوذ داخل غرف اتخاذ القرار، وفي ربط الالتزامات البيئية بالحوافز والمصالح الاقتصادية بشكل مباشر ومغري.

إن العالم لا يتحرك فقط بالمثل العليا، بل بالمصالح. والدول، خصوصًا الكبرى منها، لا تغيّر سياساتها البيئية لأن ضميرها استيقظ فجأة، بل لأنها رأت في ذلك فرصة استثمار أو تجنبت خسارة مؤكدة. إذًا، لماذا لا تُبنى القمم المقبلة على أسس تعترف بهذه الحقيقة؟ لماذا لا نضع على الطاولة صفقات ذكية، تجمع بين حماية البيئة وتحقيق النمو، بين تقليل الانبعاثات وتعويض الدول الفقيرة، بين الانتقال الأخضر وتأمين فرص عمل جديدة؟

وما دامت المعادلة البيئية العالمية مختلة، فلا بد من أن تتضمن الحلول مقاربات أكثر واقعية، تأخذ في الحسبان الفجوة الهائلة بين قدرات الشمال والجنوب، وبين رغبة البعض في الإنقاذ وقدرة الآخرين على الصمود. هنا فقط يمكن أن تتحول القمم من طقوس بروتوكولية إلى ورش عمل فعالة، ومن ساحة للمجاملات إلى مسرح للتغيير الفعلي. وإذا لم يحصل هذا التحول الجذري، فستظل القمم تتكاثر، لكن الأزمة تتضخم، وسيُكتب على النوايا الطيبة أن تُهزم مرة تلو الأخرى أمام حسابات المصالح الباردة.

إلزام قانوني واضح

تحويل الالتزامات المناخية إلى معاهدات ملزمة قانونيًا، بعقوبات واضحة على الدول المتقاعسة. 

لطالما كانت إحدى أكبر نقاط ضعف قمم المناخ أنها تشبه في طبيعتها حفلات الخطابة، حيث تُلقى الوعود على المنصات وتُسجّل الالتزامات على الورق، لكن دون أي قوة ملزمة تجعل منها أكثر من مجرد تصريحات سياسية مزيّنة بالنية الحسنة. فحتى الاتفاقيات الكبرى مثل “اتفاق باريس” ورغم رمزيتها وتأثيرها المعنوي، تفتقر إلى عنصر أساسي لتحويلها من مبادرات طموحة إلى أدوات فاعلة: الإلزام القانوني.

إن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى اتفاقات، بل إلى معاهدات من النوع الصارم، تلك التي لا تكتفي بتحديد الأهداف البيئية العامة، بل تضع جداول زمنية دقيقة، ومؤشرات أداء واضحة، وآليات محاسبة دولية تخرج عن منطق “الشفافية الطوعية” وتدخل في منطق “المسؤولية الحقيقية”. يجب أن تصبح الالتزامات المناخية أشبه بعقود دولية واجبة التنفيذ، يتوجب على الدول احترامها، تمامًا كما تلتزم بالاتفاقيات التجارية أو معاهدات الحد من التسلح.

وهنا تبرز الحاجة إلى وجود نظام قانوني دولي قوي، قادر على فرض عقوبات ملموسة على الدول التي تتقاعس، سواء كانت تلك العقوبات اقتصادية، أو تتعلق بالقيود على التجارة والانبعاثات، أو حتى بإجراءات عزلة دبلوماسية بيئية، تمنع تلك الدول من الاستفادة من الامتيازات المناخية أو التمويل الأخضر. فبدون كلفة حقيقية للفشل، سيبقى التقاعس خيارًا مريحًا ومتوقعًا.

كما لا يمكن أن تبقى الدول النامية رهينة لغياب هذا الإلزام. فغالبًا ما تكون أكثر الدول تضررًا من التغير المناخي هي الأقل مسؤولية عنه، ومع ذلك فهي مجبرة على دفع الثمن دون حماية قانونية دولية تضمن لها الحصول على التمويل أو التكنولوجيا أو التعويض عن الخسائر المناخية. إذًا، تحويل الوعود إلى معاهدات يعني أيضًا تحويل العدالة المناخية من مجرد شعار إلى بند قانوني نافذ يُلزم الدول الصناعية تاريخيًا، ويمنح الدول النامية أدوات للمطالبة بحقوقها.

إن فرض الإلزام القانوني لن يكون سهلًا، وسيواجه مقاومة شرسة من القوى الكبرى التي تفضّل بقاء الأمور في دائرة “المرونة السياسية”، لكنه يظل خطوة لا غنى عنها لإنقاذ مصداقية العمل المناخي الدولي. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من البيانات المشتركة، بل إلى قوانين ملزمة، لا ترحم المتقاعسين، ولا تترك مصير الكوكب مرهونًا بـ”حسن النوايا”.

آلية تمويل شفافة وعادلة

تفعيل الصناديق المناخية بشكل منظم وشفاف، وإعطاء الأولوية للدول الأكثر تضررًا. 

في قلب المعركة المناخية، لا يكفي أن تتعهد الدول بتقليص انبعاثاتها أو أن تتغنّى بمستقبل أخضر مشرق، إن لم تُرافق تلك الوعود آليات تمويل حقيقية، عادلة، وشفافة، تضع المال حيث توجّه الكلمات. فالعالم لا ينقصه الطموح، بل تنقصه الإرادة السياسية لترجمة هذا الطموح إلى خطط قابلة للتنفيذ، خاصة في البلدان الأكثر هشاشة والأقل تسببًا في الكارثة المناخية.

لقد جرى الإعلان عن صناديق تمويل مناخي عديدة، أبرزها “صندوق المناخ الأخضر”، ووضعت أرقام كبيرة على الطاولة، كوعود بتخصيص مئة مليار دولار سنويًا للدول النامية. لكن على الأرض، لم تُصرف هذه الأموال بالشكل الكافي، وإن صُرفت، فهي لا تخضع دومًا لآليات توزيع شفافة أو عادلة. غالبًا ما تتشابك في طرق توزيعها خيوط البيروقراطية، وتتسرب عبر ثقوب النفوذ السياسي ومصالح الدول المانحة، ليتحوّل الدعم المناخي إلى أداة سياسية، لا إلى وسيلة إنقاذ.

إن التمويل المناخي العادل لا يعني فقط ضخ الأموال، بل يعني أولًا الاعتراف بالمسؤولية التاريخية غير المتكافئة. الدول الصناعية راكمت ثرواتها عبر قرون من حرق الفحم والنفط، فيما تدفع اليوم دول مثل بنغلاديش أو جزر المحيط الهادئ ثمن هذه الثروات من أمنها الغذائي، ومياهها، وأراضيها الغارقة. لذا، فإن العدالة تقتضي أن تكون الأولوية في التمويل لتلك المناطق التي تعاني من الفيضانات، الجفاف، تآكل السواحل، والكوارث المناخية التي تقطع سبل الحياة.

كما ينبغي للتمويل أن يصل مباشرة إلى المجتمعات المستهدفة، لا أن يُبتلع في حلقات الاستشارات الدولية والمشاريع الشكلية. يجب أن تكون هناك أدوات رقابة دولية مستقلة، تتابع سلاسل التمويل من المصدر إلى المستفيد، وتكشف التلاعب، وتضمن أن كل دولار يُنفق يُحدث فارقًا ملموسًا على الأرض: في بناء سدود، تحسين الزراعة، دعم الطاقة النظيفة، أو توفير الإنذار المبكر للكوارث.

ومن المهم أيضًا أن يُفصل التمويل عن المنطق الربحي. لا ينبغي لصناديق المناخ أن تُدار بعقلية البنوك التجارية، تشترط الفوائد والعوائد. إنها ليست استثمارًا رأسماليًا، بل تسديدٌ لدَين بيئي أخلاقي. يجب أن تكون المنح هي الأصل، والقروض الاستثنائية هي الاستثناء، لأن الدول الأكثر تضررًا ليست في موقع يسمح لها بمزيد من الديون، بل بمزيد من الدعم.

في النهاية، ما لم تُفعل آلية تمويل شفافة وعادلة، ستبقى القمم المناخية معلقة بين وعود لا تجد طريقًا إلى التنفيذ، وأصوات من الجنوب تصرخ في فراغ العالم المتقدم. التمويل العادل هو الجسر الذي يجب بناؤه بين الكلمات الرنانة في القاعات، والحقيقة المؤلمة في السهول الجافة والسواحل الغارقة.

فصل لوبيات الصناعة عن المفاوضات

إبعاد ممثلي شركات النفط والفحم عن مقاعد القرار في القمم، أو على الأقل تنظيم وجودهم بشفافية.

في كل قمة مناخية، ومع كل نداء يعلو من الدول المهددة بالغرق أو من المجتمعات التي ينهشها الجفاف، يرافقه في الكواليس همسٌ خافت لكنه مؤثر، يخرج من قاعات فاخرة تُحاط بواجهات براقة، حيث لا يُناقش المناخ بصفته قضية وجودية، بل صفقة محتملة. هنا، يجلس ممثلو أكبر شركات الوقود الأحفوري، أصحاب المصالح التي لا تعرف حدودًا، ولا تقرّ بالمسؤولية البيئية بقدر ما تحترف تأجيلها.

وجود هذه اللوبيات داخل المفاوضات المناخية لم يعد مجرد تفصيل صغير، بل أصبح أحد أكبر المعضلات التي تهدد مصداقية العملية كلها. كيف يمكن لمفاوضات تُعقد لإنقاذ الكوكب من آثار الوقود الأحفوري، أن تتّسع في قلبها لأصحاب هذا الوقود؟ كيف يُسمح لمن تسببوا في تفاقم الانبعاثات لعقود طويلة، أن يكونوا جزءًا من رسم خريطة الخروج من الأزمة؟

إن لوبيات الصناعات الثقيلة، لا سيما شركات النفط والفحم، لا تأتي إلى قمم المناخ بوصفها تائبة أو باحثة عن التحول الأخضر، بل بوصفها لاعبة ماهرة في الحفاظ على مصالحها. تحضر باسم “الواقعية الاقتصادية”، وتغلف أهدافها بخطابات عن “الانتقال العادل” و”المزج الطاقي”، بينما في الواقع، تسعى لتأخير قرارات الحظر، تليين الالتزامات، وإبقاء النوافذ مفتوحة لاستثمارات مستقبلية في الوقود الملوث.

وما يفاقم المعضلة هو غياب الشفافية. فلا أحد يعرف بدقة كم عدد ممثلي هذه الشركات في كل قمة، ولا حدود تأثيرهم في صياغة النصوص النهائية للاتفاقيات. في كثير من الأحيان، نقرأ في الوثائق الرسمية عبارات مطاطة تسمح بتفسيرات مرنة، عبارات لا تُصاغ عشوائيًا، بل تُفصّل لتكون قابلة للالتفاف، ولعل وراءها ضغوطًا لا تُرى على الشاشات، لكنها تُكتب على ورق الاتفاقات.

فصل لوبيات الصناعة عن مقاعد القرار في هذه القمم لم يعد ترفًا أو مطلبًا مثاليًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. وإن لم يكن ممكنًا استبعادها بالكامل – نظرًا لتشابك الاقتصاد العالمي – فلا أقل من تنظيم وجودها. يجب أن يكون لكل مشاركة صناعية إطار واضح، وإفصاح معلن عن المصالح والأنشطة، بحيث تُرصد محاولات التأثير وتُفكك قبل أن تتحول إلى عراقيل خفية.

القضية المناخية لا تحتمل المزيد من التواطؤ الصامت. من أراد الحضور على طاولة القرار، فعليه أولًا أن يضع أوراقه على الطاولة، بلا إخفاء ولا مواربة. وعلى المجتمع الدولي أن يتوقف عن مجاملة أصحاب المصالح على حساب أصحاب الحياة.

تمثيل عادل للدول الفقيرة والشعوب الأصلية

إشراك المجتمعات المتأثرة فعليًا في صياغة السياسات، وليس فقط سماع شكواهم بعد اتخاذ القرار. 

في كل مرة تُعقد فيها قمة مناخية، يتكرر المشهد ذاته: القاعات تعج بوجوه مألوفة، معظمها قادم من العواصم الثرية، يرتدي بذلات مصقولة ويتحدث بلغة الأرقام والتمويل والانتقال الأخضر، بينما أولئك الذين يعيشون على تخوم الكارثة، على خط المواجهة الأول مع الجفاف والفيضانات والحرائق، يُمنحون دقائق محدودة، أو مقعدًا رمزيًا في طرف المنصة، تُستدعى فيه آلامهم كشهادات مؤثرة، لا كمدخلات سياسية حقيقية. وهذا الخلل في التمثيل ليس تفصيلاً، بل هو أحد أهم أسباب عجز هذه القمم عن أن تكون أدوات فعلية للعدالة المناخية.

الدول الفقيرة، والمجتمعات المحلية، والشعوب الأصلية، هم ليسوا مجرد ضحايا؛ إنهم شهود وخبراء وتجارب حية. إنهم يعرفون الأرض والماء والرياح بحسّ مباشر لا تمنحه الجامعات ولا تمنحه الدراسات. هؤلاء ليسوا مجرد من يحتاجون إلى “دعم”، بل هم من يمتلكون معرفة عملية وعميقة عن كيفية التكيف، وكيفية العيش في انسجام مع الطبيعة، وكيفية إعادة بناء أنظمة بيئية مدمّرة. ومع ذلك، يُقصون من موائد التفاوض، ويُختزل وجودهم في فقرات “إدماجية” لا تغيّر في مسار القرار.

التمثيل العادل لا يعني فقط دعوة رمزية لبعض الأصوات، بل يعني بناء آليات تضمن أن يكون لهؤلاء دور في صياغة السياسات من البداية. أن تكون مقترحاتهم جزءًا من بنية النصوص، لا حاشية في نهايتها. أن تُمنح الوفود من الدول النامية الموارد والدعم اللوجستي والفني اللازم لتكون مشاركة قادرة، لا تابعة. أن تُضمن الأصوات المهمّشة – من القرى الساحلية المهددة بالزوال، من الغابات التي تُقطع ليلًا، من مجتمعات السكان الأصليين الذين حرسوا التوازن الطبيعي لقرون – في كل سطر يُكتب عن المناخ.

ففي الوقت الذي تُراكم فيه الدول الكبرى التزامات على الورق وتراوغ في التنفيذ، تدفع الدول الفقيرة والشعوب الأصلية الثمن الفعلي. هناك حيث تنهار الزراعة، وتهاجر الأسر قسرًا، وتُفقد الهوية البيئية والثقافية في صمت موجع.

وإذا كانت القمم المناخية تريد حقًا أن تنقذ العالم، فعليها أن تبدأ بالاعتراف بأن الإنقاذ لا يكون من فوق، بل من الأطراف. من هناك تبدأ الحقيقة. ومن هناك، فقط، يمكن لسياسات المناخ أن تصبح أكثر من مجرد اتفاقيات… يمكنها أن تُصبح عدالة.

إشراك الإعلام الحر ومنظمات المجتمع المدني في الرقابة

تحويل الإعلام من ناقل للحدث إلى مراقب للمسار والمحاسبة، بالتعاون مع منظمات الرقابة المستقلة. 

لطالما كان الإعلام يُنظر إليه كجسر بين صانع القرار والجمهور، كعين تنقل ما يجري خلف الأبواب المغلقة، وكصوت يحوّل الوثائق الرسمية والبيانات الجافة إلى وعي حيّ ينبض في الشارع. لكن في زمن الأزمات البيئية والمناخية، لم يعد يكفي أن يكون الإعلام ناقلًا للحدث، بل بات واجبًا عليه أن يتحول إلى رقيب ومُحاسب، يُمسك بزمام الحقيقة حين تتوه في زحام الشعارات، ويلاحق المسارات قبل أن تنحرف، ويكشف التلاعب قبل أن يُكرّس واقعًا جديدًا على حساب الأرض والإنسان.

الإعلام الحر، غير الخاضع للمصالح الحكومية أو الإعلانية أو لوبيات المال والنفط، يمتلك قدرة استثنائية على فضح التناقضات بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني، بين ما يُعلن من التزامات وما يُنفذ فعليًا، بين ما يُقال على منصات القمم وما يُعانيه الفلاح في السهل، والصياد في الشاطئ، والطفل في المدينة التي اختنقت هواءها. وهذا الإعلام، إذا ما تحالف مع منظمات المجتمع المدني المستقلة، يمكنه أن يُشكّل منظومة رقابة متكاملة، لا تكتفي بالرصد اللحظي، بل تبني أرشيفًا حيًّا يُتابع ويفضح ويضغط ويُسائل.

منظمات المجتمع المدني، بخبرتها على الأرض، وبقربها من المجتمعات المتأثرة، تملك أدوات لا تملكها الحكومات: تقارير محلية، شهادات من الضحايا، خرائط للتدهور البيئي لا تعترف بالحدود السياسية، وشبكات تضامن عابرة للقارات. وعندما تتقاطع هذه المعارف مع الإعلام الاستقصائي النزيه، يتكوّن سلاح ناعم لكنه فتاك، يُربك المراوغين، ويضعف قبضة المتقاعسين، ويدفع الأجندة البيئية إلى الواجهة باعتبارها قضية وجود، لا رفاهية مؤجلة.

هذا التحول لا يمكن أن يكون تجميليًا. لا يمكن أن يُمنح الإعلام مساحة صورية داخل القمم ليُصفّق ويصوّر ويُعيد تدوير البيانات الصحفية الرسمية. يجب أن تُفتح له الأبواب الخلفية، وتُكفل له الحماية القانونية للوصول إلى الوثائق، وأن تُعتمد آليات رسمية تُشركه – جنبًا إلى جنب مع منظمات الرقابة المدنية – في تتبّع التمويل، ومراقبة تنفيذ الالتزامات، وفضح النفوذ الفاسد داخل أروقة التفاوض.

فالشفافية لا تُعلن، بل تُبنى. والمحاسبة لا تتحقق بالنوايا، بل بالبُنى. وإذا كان العالم جادًا في معالجة الأزمة المناخية، فعليه أن يُطلق العنان للإعلام الحر، ويُوسع مساحات المجتمع المدني، لا أن يُكممها أو يُدجنها. لأن الحقيقة، حين تُحاصر، تختنق. وحين تُطلق، تنقذ.

خلق تحالفات من الدول الراغبة

بدل انتظار التوافق العالمي، يمكن لبعض الدول أن تقود باتفاقيات مناخية إقليمية أو تحالفات ثنائية جادة

في عالم تسوده التفاوتات الصارخة بين الدول، وتتشابك فيه المصالح الاقتصادية والسياسية إلى حد التعقيد، لم يعد انتظار “الإجماع العالمي” استراتيجية واقعية أو فعّالة لمواجهة الكارثة المناخية. فالتاريخ أثبت، مرارًا، أن طاولة التفاوض الدولية كثيرًا ما تتحول إلى ساحة للمساومات، حيث تتوارى المبادئ خلف لغة الدبلوماسية، وتُدفن الضرورات البيئية تحت ثقل الحسابات الجيوسياسية. من هنا، ينبثق الحل الأكثر واقعية وجرأة: أن تنبثق تحالفات من “الدول الراغبة”، تلك التي تملك الإرادة السياسية، والوعي البيئي، والاستعداد للتحرك بمعزل عن التباطؤ الجماعي.

هذه التحالفات لا تعني الانعزال، بل تعني الريادة. تعني أن مجموعة من الدول – مهما كان حجمها أو موقعها – تقرر أن تتقدم الصفوف، أن تبدأ في تنفيذ سياسات مناخية صارمة وفعالة، أن تصوغ اتفاقيات ثنائية أو إقليمية تلتزم فيها بتقليل الانبعاثات، ودعم التكنولوجيا الخضراء، وتبادل المعرفة، وبناء اقتصادات منخفضة الكربون. وقد أثبت الاتحاد الأوروبي أن هذا النهج ليس مجرد حلم نظري؛ بل هو مسار واقعي قابل للتنفيذ، حين أطلق “الصفقة الخضراء” التي وضعت معايير بيئية صارمة لكافة قطاعاته، وربطت الاقتصاد الأوروبي بمستقبل بيئي مستدام.

التحالفات الراغبة تُرسل إشارة قوية لبقية العالم: أن الحلول ليست رهينة الإجماع، وأن المبادرة ممكنة دون أن تُصاب بالشلل بفعل التباين العالمي. كما أنها تُحدث نوعًا من “العدوى الإيجابية”، حيث تبدأ دول أخرى في مراجعة سياساتها حتى لا تتخلف عن الركب، لا سيما إذا تضمنت التحالفات جوانب اقتصادية مغرية كالسوق المشتركة للمنتجات النظيفة، أو منح امتيازات جمركية للدول التي تحترم معايير البيئة، أو التعاون في مشروعات الطاقة المتجددة.

بل إن هذه التحالفات يمكن أن تتجاوز البعد الحكومي، لتشمل مدنًا وبلديات كبرى، وتجمعات صناعية، وحتى مؤسسات تعليمية وبحثية عابرة للحدود. فهي تحرر الفعل المناخي من القيود السياسية التقليدية، وتُطلق دينامية جديدة، مرنة، ومركّزة، وذات أهداف واضحة قابلة للقياس والتنفيذ.

في زمن الاستعجال البيئي، لا وقت للتردد. والعالم بحاجة إلى قادة، لا إلى مترددين. وتحالفات الدول الراغبة قد تكون النواة الصلبة التي تُعيد تشكيل ملامح الجغرافيا السياسية البيئية، وترسم طريقًا عمليًا وسط الضباب، نحو عدالة مناخية تبدأ بالفعل لا بالبيان.

قمة المناخ لم تفشل تمامًا، لكنها حتى الآن لم تنجح في أن تكون بحجم الكارثة التي نواجهها

قمة المناخ لم تفشل تمامًا، لكنها أخفقت في أن تكون الرد الموازي لحجم الكارثة التي تلوح في الأفق وتهدد حاضر الإنسان قبل مستقبله. إنها لم تنهزم فقط أمام تعقيدات السياسة الدولية، بل انهارت جزئيًا أمام ضعف الإرادة، وازدواجية الخطاب، والتفاوت الصارخ بين ما يُقال على المنصات الأممية، وما يُفعل على أرض الواقع. فالخطر لم يعد افتراضيًا أو مؤجلاً أو قابلًا للمراوغة، بل صار محسوسًا في حرارة الهواء، في تصدّع الأرض، في فيضانات المدن، وفي أعين الأطفال الذين يسألون آباءهم لماذا لم يتحرك الكبار حين كانت الفرصة ما زالت ممكنة.

الكارثة لم تعد مجرد خلل مناخي يمكن تصحيحه بتعديل بعض الانبعاثات، بل هي اختلال أخلاقي حاد في ميزان العدالة العالمية. من غير المنطقي أن تستمر بعض الدول في استخراج الفحم والنفط بلا رادع، بينما تُترك دولٌ أخرى لتُواجه الجفاف والتصحر والنزوح البيئي وحيدة، بأيدٍ فارغة وموارد منهكة. إن ما يحدث هو امتحان أخلاقي للضمير الإنساني، واختبار قاسٍ لمعنى التضامن العالمي. والمفارقة أن من يملكون القدرة على التغيير هم أنفسهم الأكثر تسويفًا، ومن لا صوت لهم هم الأشد تضررًا.

إن السياسيين الذين يصعدون إلى المنصات ليخطبوا عن المستقبل، يجب أن يُسألوا أولًا: ما الذي فعلتموه للماضي؟ كيف تُبررون أعوامًا من التراخي، ومن السياسات الملوثة، ومن الدفاع المستميت عن مصالح لوبيات الوقود الأحفوري؟ لم تعد الكلمات كافية، ولم تعد الابتسامات الدبلوماسية تُخفي روائح الاحتراق التي تخرج من صدوع الأرض وأنفاس المدن الغارقة. لا يجوز أن تتحول قمم المناخ إلى مهرجانات مُصورة، تقف فيها الوفود أمام شاشات عملاقة وتوقّع على وثائق تُنسى بعد لحظات من التصفيق، بينما على بُعد آلاف الكيلومترات، تشتعل غابة، أو يغرق حيّ، أو تموت امرأة في قرية عطشى، فقط لأن العالم تأخر في اتخاذ القرار.

ما نحتاجه اليوم ليس قمة جديدة من قوالب التفاوض الدبلوماسي الجامد، بل قمة ضمير. قمة تُدار لا بلغة المصالح، بل بلغة النجاة. قمة يُحاسَب فيها الأقوياء لا يُصافَحون، وتُفتح فيها دفاتر التاريخ المناخي لا تُغلق، ويُستمع فيها للصغار — للدول الصغيرة، للأمم المنسية، للمجتمعات الأصلية، للشباب الغاضب، للمزارعين المتعبين، للأطفال الذين يرسمون شمسًا سوداء في دفاترهم لأنهم لم يعرفوا يومًا سماءً زرقاء صافية.

قمة ضمير، لا تفاوض. قمة تُعيد تعريف مفهوم المسؤولية، وترفع صوت الإنسانية فوق صخب المصالح. قمة لا تبحث عن الإجماع، بل عن الشجاعة. لا تسأل “كم تكلفة التغيير؟”، بل “كم ثمن التأخر؟”. قمة تفهم أن الكرة الأرضية لم تعد تتحمل المزيد من المؤتمرات، بل تنتظر أخيرًا من ينقذها من هذا العبث المؤسسي، ويوقظ الإنسان من سباته الأخلاقي العميق.

فهل سنشهد تلك القمة يومًا؟ أم سنظل نكتب عن الأمل، بينما العالم يحترق ببطء؟

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى