المرأة الريفية… شريكة الأمن الغذائي وصانعة استقرار القرية
«من الحقل إلى مائدة الأسرة، تصنع النساء جانبًا مهمًّا من غذائنا… ودعمهن بالمعرفة والموارد والحقوق استثمار في مستقبل الزراعة المصرية»

إعداد: أ.د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات

قبل أن تستيقظ القرية تمامًا، تكون امرأة ريفية قد بدأت يومها: تُعد طعام الأسرة، وتتابع الطيور، وتحلب ماشية، وتجهز أبناءها للمدرسة، وربما تخرج بعدها إلى الحقل. تتداخل المسؤوليات حتى يبدو جهدها جزءًا عاديًّا من الحياة، بينما يحمل في حقيقته قيمة إنتاجية واجتماعية كبيرة. وحين نتحدث عن الأمن الغذائي، ينبغي أن نرى هذه المرأة بوضوح؛ شريكة في إنتاج الغذاء وحفظه وتجهيزه وتسويقه، وصاحبة معرفة تستحق الاعتراف والدعم.
وفي 15 أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي للمرأة الريفية، اعترافًا بدورها في التنمية الزراعية والريفية، وتحسين الأمن الغذائي ومواجهة الفقر. وتمنحنا المناسبة فرصة لمراجعة المسافة بين كلمات التقدير والخدمات التي تصل فعلًا إلى النساء في القرى. فالاحتفاء الحقيقي يظهر في فرصة تعلم، وخدمة صحية، وأجر منصف، وقدرة على المشاركة في القرار.
غذاء الأسرة يبدأ من عملها
يمتد دور المرأة عبر مراحل متعددة من المنظومة الغذائية. ففي أسر ريفية كثيرة، تشارك في الزراعة وجمع المحصول وفرزه، ورعاية الحيوانات والدواجن، وتصنيع منتجات الألبان، وتجفيف بعض الأغذية وحفظها. وقد تدير مشروعًا منزليًّا صغيرًا يضيف دخلًا يساعد على شراء الطعام أو مواجهة نفقات التعليم والعلاج.
وتؤثر قراراتها اليومية في نوعية غذاء الأسرة وسلامته وتقليل فاقده. لكن تحميلها مسؤولية التغذية وحدها يضاعف أعباءها؛ فالغذاء الصحي يحتاج أيضًا إلى دخل مناسب، ومياه مأمونة، وأسواق وخدمات، ومشاركة أفراد الأسرة في العمل والرعاية. لذلك ينبغي أن تستهدف برامج تحسين التغذية الأسرة كلها، مع إتاحة المعرفة والموارد للمرأة التي تتولى جانبًا كبيرًا من إعداد الطعام.
عمل يستحق أن يُرى
قد تعمل المرأة في أرض الأسرة دون أجر مستقل أو سجل يوضح مساهمتها، فتختفي قيمة جهدها عند حساب تكاليف الإنتاج والعائد. وقد تجمع بين عمل زراعي مأجور ومسؤوليات منزلية طويلة. ولهذا، فإن قياس مشاركتها يحتاج إلى النظر في ساعات العمل وطبيعته وظروفه، ومدى استفادتها من الدخل، وقدرتها على اتخاذ قرارات تخصه.
ولا تتشابه أوضاع النساء جميعًا؛ فصاحبة الحيازة تختلف احتياجاتها عن العاملة اليومية، ومربية الماشية عن صاحبة مشروع التصنيع الغذائي. ومن الخطأ تقديم برنامج واحد للجميع. البداية الجادة هي الاستماع إلى النساء، وجمع بيانات محلية تساعد على تصميم خدمات تستجيب لواقع كل فئة.
المعرفة حين تصل إلى صاحبتها
يستطيع الإرشاد الزراعي أن يؤدي دورًا مؤثرًا إذا وصلت خدماته إلى النساء في أوقات وأماكن مناسبة. فالتدريب على رعاية الحيوان، ونظافة تداول اللبن، والتخزين الجيد، وحساب التكلفة، قد يحسن جودة المنتج ويقلل الخسائر، بشرط أن يصاحبه تطبيق ومتابعة.
ومن المفيد زيادة مشاركة المرشدات والمتخصصات، وتقديم شرح عملي يناسب مستويات التعليم المختلفة. ويمكن للهاتف أن يساعد برسالة صوتية أو تواصل مع مختص، لكن الخدمة الرقمية تحتاج إلى مراعاة تكلفة الاتصال وإمكانات الاستخدام. كما يجب أن تعرف المتدربة كيف تتحقق من مصدر النصيحة، خصوصًا عندما تتعلق بمبيد أو دواء بيطري أو تصنيع غذائي.
التمويل يحتاج إلى سوق
كثيرًا ما يُطرح القرض الصغير باعتباره مفتاح التمكين، مع أن التمويل وحده قد يتحول إلى عبء إذا غابت الخبرة أو تعثر البيع. فمشروع الدواجن يحتاج إلى متابعة بيطرية وحساب لتكلفة العلف، ومشروع منتجات الألبان يحتاج إلى اشتراطات صحية وتبريد وتعبئة وتسويق.
لذلك ينبغي أن يرتبط التمويل بدراسة مبسطة للجدوى، وشروط مفهومة للسداد، وتدريب على إدارة المال، ومتابعة للمشروع. وتستطيع الجمعيات والتعاونيات المساعدة في شراء المستلزمات وتجميع المنتجات والتفاوض مع المشترين، مع ضمان مشاركة النساء في الإدارة وحصولهن على نصيب عادل من العائد.
صحتها ووقتها موارد للإنتاج
لا يمكن مطالبة المرأة بزيادة الإنتاج بينما تُستنزف صحتها ووقتها. فالمياه القريبة، والنقل الآمن، والرعاية الصحية، وخدمات رعاية الأطفال، والأدوات المناسبة، تؤثر في قدرتها على التعلم والعمل. كما تستحق العاملات الزراعيات شروطًا تحميهن من التعرض غير الآمن للمبيدات، والإجهاد، ومخاطر الانتقال.
وفي مواجهة تقلبات المناخ وارتفاع التكاليف، تحتاج النساء إلى معلومات مبكرة وخيارات عملية تتناسب مع مواردهن. وينبغي اختبار أي تقنية جديدة مع مستخدماتها؛ فقد تزيد أداة ما الإنتاج، لكنها ترفع عبء العمل أو تكلفته. ويظل السؤال: هل حسّنت الدخل والصحة والوقت المتاح؟
من التقدير إلى برنامج عمل
توضح منظمة الأغذية والزراعة، في تقريرها الصادر عام 2023، أن سد الفجوات بين النساء والرجال في إنتاجية المزارع والأجور داخل النظم الزراعية والغذائية قد يخفض عدد من يعانون انعدام الأمن الغذائي عالميًّا بنحو 45 مليون شخص. وهو تقدير عالمي يبين حجم الفرصة، وليس نتيجة مضمونة لكل مشروع محلي.
وفي مصر، يمكن للجامعات والإرشاد والجمعيات الزراعية أن تبدأ بمبادرات محددة: تدريب مرتبط باحتياجات القرية، وخدمة بيطرية منتظمة، ودعم لتسويق منتجات آمنة، ومتابعة تقيس صافي الدخل وظروف العمل. ومن الضروري أن تشارك النساء في اختيار الأولويات وتقييم النتائج، وأن تتاح الفرصة للشابات وكبيرات السن، وفق احتياجاتهن.
فالمرأة الريفية شريكة تستحق أن تمتلك أدوات النجاح، وأن يُسمع رأيها، وأن تستفيد من ثمرة جهدها. وحين تتحسن قدرتها على الإنتاج والاختيار، وتُصان صحتها وحقوقها، تكسب الأسرة غذاءً أكثر استقرارًا، وتكسب القرية اقتصادًا أقوى، وتقترب الزراعة المصرية من مستقبل أكثر عدلًا وقدرة على إطعام أبنائها.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



