سر قوة النبات يبدأ من الجذور.. كيف تصنع إدارة الري الذكية مستقبل المحصول؟

كتب: د.محمد عبدربه كثيرًا ما ينصب اهتمام المزارعين ببرامج الري والتسميد على مرحلتي التزهير والعقد، باعتبارهما من أكثر المراحل حساسية في حياة النبات، بينما تحظى مرحلة سابقة لا تقل أهمية بالاهتمام الكافي، وهي مرحلة تكوين وبناء المجموع الجذري.
فكلما امتلك النبات مجموعًا جذريًا قويًا ومنتشرًا في العمق المناسب، زادت قدرته على امتصاص المياه والعناصر الغذائية، وتكوين مجموع خضري قوي، وتحقيق نمو متوازن في المراحل التالية.
والسؤال هنا: كيف يمكن بناء مجموع جذري جيد للنبات أو شجرة الفاكهة؟
الإجابة تبدأ من الإدارة الذكية للري، وليس بمجرد زيادة كميات المياه.
أولًا: تحديد الاحتياجات المائية للمحصول
يجب تحديد المقنن المائي المناسب وفقًا لنوع المحصول والتربة والظروف المناخية ونظام الري.
فعلى سبيل المثال، إذا افترضنا أن الاحتياج المائي يبلغ 10 أمتار مكعبة للفدان يوميًا، فهذا لا يعني بالضرورة إضافة الكمية نفسها يوميًا وبالطريقة ذاتها، إذ إن توزيع المياه وعمق وصولها إلى التربة يؤثران بصورة مباشرة في انتشار الجذور.
ثانيًا: عمق البلل يحدد اتجاه انتشار الجذور
في السنة الأولى لأشجار الفاكهة، وكذلك بعد استقرار شتلات الخضر، قد يؤدي الري اليومي بكميات صغيرة إلى تركيز الرطوبة في الطبقات السطحية، وبالتالي يظل جزء كبير من انتشار الجذور داخل هذه المنطقة.
فالقاعدة الزراعية المهمة هي أن الجذور تنمو داخل المنطقة التي تتوافر بها المياه والرطوبة المناسبة.
ومن هنا تأتي أهمية إدارة الري بما يسمح بوصول المياه إلى العمق المستهدف، وتشجيع الجذور على الانتشار في حجم أكبر من التربة.
ثالثًا: مثال عملي لإدارة الري في أشجار الفاكهة
إذا كان المقنن المائي الافتراضي 10 أمتار مكعبة للفدان يوميًا، فيمكن، وفقًا لطبيعة التربة والمحصول ونظام الري، تجميع احتياجات أربعة أيام لتصل إلى:
10 × 4 = 40 مترًا مكعبًا للفدان.
ثم تُدار عملية الري لتحقيق عمق البلل المطلوب داخل منطقة الجذور.
وهذا المثال توضيحي لمبدأ إدارة كمية المياه وتوزيعها، وليس برنامجًا ثابتًا يصلح لجميع المحاصيل والأراضي، إذ يجب تحديد فترات الري وكمياته وفقًا لعمر النبات ونوع التربة والظروف الجوية وكفاءة نظام الري.
رابعًا: لماذا لا يصلح برنامج ري موحد لجميع المحاصيل؟
تختلف النباتات في احتياجاتها المائية ومدى تحمل جذورها لنقص الأكسجين.
فعلى سبيل المثال، يتأثر العنب سلبًا بزيادة الرطوبة وتشبع منطقة الجذور بالمياه، نتيجة انخفاض التهوية، وهو ما قد ينعكس على النمو وتكوين الساق الرئيسية.
لذلك، لا يتمثل الهدف في إبقاء التربة مبللة باستمرار، ولا في تعطيش النبات، وإنما في تحقيق التوازن بين الرطوبة والتهوية داخل منطقة الجذور.
خامسًا: ماذا تحقق الإدارة الجيدة لمنطقة البلل؟
عندما تصل المياه إلى العمق المناسب، وتُدار الفترة بين الريات بصورة مدروسة، يمكن تحقيق عدد من الفوائد، أبرزها:
- زيادة انتشار المجموع الجذري.
- تحسين كفاءة امتصاص المياه والعناصر الغذائية.
- تعزيز قوة النمو الخضري.
- رفع قدرة النبات على تحمل الظروف البيئية المختلفة.
- تحقيق التوازن بين النمو الخضري والجذري.
وينطبق المبدأ نفسه على شتلات الخضر، مع ضرورة مراعاة حساسيتها للإجهاد المائي في المراحل الأولى، وعدم تعريضها للتعطيش بهدف دفع الجذور إلى النمو.
الخلاصة
الري ليس مجرد إضافة مياه إلى النبات، بل هو أداة لإدارة كمية المياه وعمق البلل وانتشار الجذور وتهوية التربة وكفاءة امتصاص العناصر الغذائية.
لذلك، قبل أن نسأل: كم لترًا أو مترًا مكعبًا يحتاج النبات؟ يجب أن نسأل أولًا: إلى أي عمق نريد وصول المياه؟ وكيف نحقق توزيعًا مناسبًا للرطوبة داخل منطقة الجذور؟
فبناء مجموع جذري قوي في بداية عمر النبات يمثل أساسًا مهمًا لنموه وإنتاجيته مستقبلًا.
ابنِ مجموعًا جذريًا جيدًا أولًا، ثم انتظر نموًا قويًا وإنتاجًا أفضل.
والقاعدة التي يجب ألا يغفل عنها المزارع: الري الجيد أولًا، ثم يأتي بعده التسميد الجيد.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



