رئيس التحرير

«أي حاجة» عندما يفقد أبناؤنا بوصلتهم نحو المستقبل

بقلم: د.أسامة بدير

أنا أرى أن أخطر ما يمكن أن نواجهه اليوم ليس فقط ضعف التحصيل الدراسي لدى بعض أبنائنا في المرحلة الثانوية، ولا مجرد غيابهم عن المدرسة أو إهمالهم المذاكرة، وإنما الأخطر من ذلك كله هو حالة ضبابية الرؤية التي بدأت تسيطر على عدد من هؤلاء الأبناء، حتى أصبح بعضهم لا يعرف ماذا يريد أن يكون، ولا إلى أين يمضي، ولا لماذا اختار الطريق الذي يسير فيه من الأساس.

لقد دار بيني وبين عدد من الطلاب في الصفين الأول والثاني الثانوي العام حوار بسيط، لكنه ترك بداخلي حالة من الدهشة والقلق. سألت بعضهم: ماذا ترغب أن تدخل من الكليات بعد الثانوية العامة؟ فكان الصمت هو الإجابة الأولى، ثم أكرر السؤال، فإذا بالإجابة تأتي صادمة: «لا أعرف».

والأكثر إثارة للقلق أن بعضهم كان يجيب: «أي حاجة».

توقفت طويلاً أمام هذه الإجابة.. أي طموح هذا؟ وأي رغبة هذه؟ وأي مستقبل يمكن أن يبنى على كلمة «أي حاجة»؟

سألت أحدهم: لماذا دخلت الثانوية العامة من الأساس، ما دمت لا تعرف ماذا تريد أن تكون أو ما المجال الذي ترغب في دراسته؟ ولم أجد في بعض الإجابات ما يكشف عن رؤية واضحة، أو حلم حقيقي، أو حتى رغبة في اكتشاف الذات ومعرفة الإمكانات والقدرات التي يمتلكها كل منهم.

أنا لا أقول إن طالبًا في المرحلة الثانوية يجب أن يكون قد حسم كل تفاصيل مستقبله، فاختيار التخصص الجامعي قد يتغير مع الوقت، وقد يكتشف الإنسان نفسه وقدراته بصورة أفضل كلما تقدم في العمر والتعليم.

لكن ما يثير قلقي هو ألا يكون لدى الطالب أي تصور على الإطلاق.

الشاهد بالنسبة لي أن المشكلة هنا تتجاوز مسألة اختيار كلية أو تخصص؛ إنها ترتبط بتكوين الشخصية نفسها. فالطالب الذي لا يهتم بدروسه، ولا يحرص على الحضور إلى مدرسته، ولا يجتهد في المذاكرة، ولا يقرأ، ولا يسأل، ولا يحاول اكتشاف ما يحب وما يجيده، يصبح مع الوقت أكثر عرضة لأن يترك الآخرين يختارون له طريقه.

والأخطر أن بعض هؤلاء الأبناء أصبحوا يستمدون أفكارهم وأولوياتهم من الشارع والأصدقاء ومواقع التواصل الاجتماعي، في وقت تتراجع فيه أدوار الأسرة في التوجيه والمتابعة وصناعة الحوار الحقيقي مع الأبناء.

في يقيني أن الأسرة تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية.

فالأب والأم لم يعودا مطالبين فقط بتوفير الطعام والملابس ومصاريف التعليم، وإنما عليهما مسؤولية أكبر بكثير: أن يعرفا أبناءهما، وأن يستمعا إليهم، وأن يناقشاهم، وأن يكتشفا مواهبهم، وأن يسألاهم باستمرار: ماذا تحبون؟ ماذا تجيدون؟ ماذا تتمنون أن تصبحوا؟ وما الذي تفعلونه اليوم حتى تصلوا إلى ما تريدون غداً؟

لكنني أرى أن بعض الأسر أوشكت على فقدان ذلك الترابط العضوي الذي كان يجعل الأب والأم والمدرسة والبيت منظومة واحدة في تربية الأبناء.

أصبح الأب مشغولاً بأعباء الحياة والعمل، والأم كذلك، وأصبحت هناك أمور كثيرة تحتل مساحة من اهتمام الأسرة، بينما تُترك المساحة الأخطر للشارع والأصدقاء والهاتف ومواقع التواصل لتقوم بدور الموجه والمربي.

وهنا تبدأ المشكلة.

نحن نتحدث عن أطفال اليوم، لكن هؤلاء الأطفال يقفون بعد سنوات قليلة على أبواب سوق العمل، وتحمل المسؤولية، وتكوين الأسر، والمشاركة في بناء المجتمع.

فماذا ننتظر من شاب لم يتعلم منذ صغره معنى الهدف؟ وماذا نحصد من طالب اعتاد أن يقول «أي حاجة» عندما نسأله عن مستقبله؟ وكيف نطلب منه بعد ذلك أن يكون منتجاً، ومبدعًا، وقادرًا على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار؟

أنا أرى أن الأمر لم يعد يحتمل أن نتعامل معه باعتباره مجرد كسل طلاب أو مرحلة عمرية عابرة.

نحن أمام ناقوس خطر يتعلق بمستقبل مصر، لأن بناء الدول لا يبدأ من المشروعات والطرق والمصانع فقط، وإنما يبدأ قبل ذلك من بناء الإنسان، ومن صناعة جيل يمتلك العلم والوعي والطموح والقدرة على تحديد أهدافه والسعي إليها.

ومن هنا أقولها بوضوح: علينا أن ننتبه إلى أبنائنا قبل أن نفقد بوصلتهم بالكامل.

لا أريد أن أرى أبناء مصر يقفون على أعتاب الشباب وهم بهذه السذاجة والسطحية وضحالة التفكير، لا يعرفون ماذا يريدون، ولا لماذا يدرسون، ولا إلى أين يتجهون.

إنني أدق ناقوس الخطر، لا على أبنائنا وحدهم، وإنما على مستقبل وطن بأكمله إذا تركنا جيلاً كاملاً يتشكل بعيداً عن الأسرة، والمدرسة، والقدوة، والحوار، والهدف.

فمصر التي تريد أن تبني مستقبلاً قويًا تحتاج إلى شباب يعرف ماذا يريد، ويؤمن بقيمة العلم والعمل، ويدرك أن المستقبل لا يأتي صدفة، وإنما يصنعه الإنسان بوعيه وإرادته واجتهاده.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه جميعاً الآن ليس: ماذا سيدخل أبناؤنا من كليات؟ وإنما: ماذا نريد أن نصنع من أبنائنا؟

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى