المكافحة الطبيعية للآفات الزراعية: استعادة غاز ثاني أكسيد الكبريت لحماية المحاصيل بعد الحصاد

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
تواجه الزراعة الحديثة حزمة من التحديات الجسيمة لضمان سلامة المحاصيل الغذائية وضمان جودتها بعد الحصاد، حيث تُشكل الآفات الحشرية والأمراض الفيروسية تهديداً مستمراً للإنتاجية والصادرات الزراعية. وفي ظل التوجه العالمي نحو تقليل استخدام المبيدات الكيميائية التقليدية ذات الآثار المتبقية الضارة، يتجه البحث العلمي نحو إعادة اكتشاف واستغلال المركبات الطبيعية لتطوير آليات مكافحة آمنة ومستدامة.
في هذا الإطار، نجح فريق البحث التابع لخدمة البحوث الزراعية الأمريكية (ARS) في مدينة ساليناس بولاية كاليفورنيا في تطوير المعالجة بالتبخير باستخدام «غاز ثاني أكسيد الكبريت SO2» كتقنية طبيعية وكفؤة لمكافحة الآفات على المنتجات الطازجة والمخزونة. ورغم أن هذا الغاز كان يُستخدم تاريخياً في المكافحة الطبيعية، وتراجع استخدامه في العقود الأخيرة لمعاملات ما بعد الحصاد، فإن الأبحاث الحديثة أعادت صياغة استخداماته وفق بروتوكولات دقيقة وآمنة.
تستهدف هذه المعالجات الحديثة بشكل خاص حشرة «تريبس الزهور الغربية» (Western flower thrips)، والتي تُعد إحدى أخطر الآفات التي تهاجم طيفاً واسعاً من المحاصيل الحقلية والبستانية. لا تقتصر خطورة هذه الحشرة على التلف المباشر للأنسجة النباتية، بل تمتد لكونها الناقل الرئيسي للعديد من الفيروسات النباتية المدمرة، فضلاً عن كونها من آفات الحجر الزراعي المشددة في العديد من الأسواق العالمية، مما يلقي بظلاله على حركة الصادرات الزراعية.
تتميز تقنية التبخير بغاز ثاني أكسيد الكبريت بمزايا عدة:
• الحماية الشاملة للمنتجات الطازجة والمخزونة: القضاء على الآفات الحشرية في مرحلة ما بعد الحصاد دون التأثير على جودة المنتج أو قيمته التسويقية.
• الحد من انتشار الفيروسات النباتية: التخلص من الناقل الرئيسي (حشرة التريبس) يقطع دورة نقل الأمراض الفيروسية بين المحاصيل.
• تسهيل حركة التجارة والتصدير: فتح الأسواق العالمية أمام الخضار والفواكه من خلال استيفاء اشتراطات الحجر الزراعي الصارمة.
إن نتائج هذه الأبحاث لا تبرز فقط أهمية المكافحة الطبيعية، بل تؤكد القيمة الاقتصادية للاستثمار في البحوث الزراعية؛ حيث تشير بيانات هيئة البحوث الزراعية إلى أن كل دولار يُستثمر في الأبحاث التطبيقية يحقق مردوداً اقتصادياً يبلغ 20 دولاراً. وهذا المردود يعكس أهمية التكامل بين الكيمياء الحيوية ودراسات البيولوجيا الخلوية.
وفي هذا السياق، ينعكس هذا النهج التطبيقي على رؤيتنا وأولوياتنا في قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية من خلال:
- دراسة الاستجابة الخلوية للمحاصيل: فهم الآليات الفسيولوجية والخلوية للتأثيرات الغازية على الأنسجة النباتية لضمان عدم حدوث إجهاد تأكسدي أثناء التبخير.
- تطوير بدائل مكافحة آمنة لما بعد الحصاد: الاستفادة من هذه النتائج لتطوير بروتوكولات محلية تُسهم في حماية محاصيلنا الحقلية والاستراتيجية وتقليل الفقد.
- تعزيز القدرة التنافسية للصادرات: دعم سلامة جودة المنتجات الزراعية بما يتوافق مع معايير الحجر الزراعي العالمي لدعم الاقتصاد الوطني.
إن إعادة إحياء وتطوير المركبات الطبيعية مثل غاز ثاني أكسيد الكبريت، بدعم من دراسات الخلية والفسيولوجيا النباتية، يمثل حجر الزاوية لإنتاج غذاء آمن ومستدام. والتوسع في الأبحاث الزراعية التطبيقية لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو استثمار اقتصادي وعلمي حاسم لتحقيق الأمن الغذائي وتنمية الصادرات الزراعية الوطنية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



