رأى

ترييف الخطاب الديني

بقلم: هيثم خيري

صحفي بالأهرام التعاوني

وأنا طفل صغير، كنت بسمع خطبة الجمعة باندهاش..

أفتكر كويس جدًا لما كان أبويا بياخدنا معاه في الخطبة، ونقعد جنبه نسمع. كنت مهتم. وغالبًا الخطباء في بولاق الدكرور كانوا بيتكلموا بلهجة ريفية.. قال يعني عشان يقربوا من عوام الناس، خاصة من الريفيين.

ترييف خطبة الجمعة صارت ظاهرة في الثمانينيات والتسعينيات وحتى الآن.

“ترييف الخطبة” والخطباء، أقصد به أن يتحدث الخطيب بلهجة ريفية، تقربًا من عوام الريفيين والقاهريين، وأول من خاض هذا التوجه ونجح فيه نجاحًا باهرًا مولانا الشعراوي، وهو عالم جليل، ودرس علم الكلام جيدًا، وعارف كويس كيف يصوغ خطابه. هنا أنا لا أتحامل عليه، ولا أتقول عليه أنه يدعي، بل أشهد بأن له أسلوبًا فريدًا في تفسير كلمات ومعاني القرآن الكريم، بس الشعراوي والشيخ كشك (مع كامل تحفظي عليه) فتحا الباب لترييف الخطاب الديني، لأنهما كانا نموذجين ناجحين، وصار أي خطيب عاوز ينول استحسان العوام من الريفيين أصبح له لزمات وكلمات ريفية كتير، حتى وإن لم يكن من أصل ريفي.

طبعًا لا أنفي أن كتير من الخطباء ذوي الأصول الريفية استغلوا لهجتهم أيضًا في تسويق بضاعتهم.. لكن كل ده مش موضوعنا دلوقتي، إنما موضوعي يتجاوز هذه القضية على أهميتها، وهو إني كل ما كنت أكبر، أشعر أن الخطبة لم تعد تناسبني، زي ما أكون لابس هدوم مناسبة وعلى مقاسي، لكن كل ما أكبر تبقى أضيق لحد ما اتفرتكت، حتى هجرت خطبة الجمعة للأسف، وبكتفي بالصلاة.. ليه؟

لأنها لم تعد تعبر عن وعيي، ولأن كلامها صار محفوظًا مكررًا معروفًا سلفًا.

الخطبة شبه موضوع التعبير، أو شبه موضوع صحفي يكتبه طالب في أولى صحافة. مقدمة محفوظة متكررة، معروفة سلفًا، تقال من نفس الخطيب على مدى السنوات، بل عشرات السنوات، ثم الدخول في صلب الموضوع، ثم الانتهاء بالدعاء.

هل هذا الشكل من القرآن؟ هل هو مقدس؟ هل هو ضروري؟ هل إن حاد الخطيب عنه صار مارقًا أو زنديقًا مثلًا؟

بالطبع لا.. لكنها العادة والتكلس وإهمال باطن الدين على حساب ظاهره.

طب فيه متغيرات عصرية كتير جدًا بتحصل حوالينا، منها مثلًا أن من ٤٠ سنة كان مستوى المتعلمين الجامعيين أقل، والآن صاروا بعشرات الملايين، وهؤلاء محتاجين مستوى خطاب ناس متعلمين يناسب وعيهم، أكيد طبعًا أنا مش بعمم، إنما فيه ناس كتير تشاركني هذا التوق والاشتياق إلى خطاب مختلف متجدد.

تدعو الدولة لتجديد الخطاب الديني، بينما ذاك الخطاب غارق في الرجعية، والسلفية، والتمسك بالنقل وتغييب العقل، والتمسك بالعبادات وما يجب وما لا يجب ـ رغم أهميته ـ وترك العقيدة والإلهيات.

فيه متغيرات كتير جدًا، منها أن ولادنا بيكبروا، ودول جيل بدأ حياته من الإنترنت، وبيكبر وسط “ثورة” الذكاء الاصطناعي العارمة، له لغة وأفكار وطموحات وتصورات، وأكيد محتاج مستوى خطاب حديث يناسب وعيه.

أنا مثلًا راجل صحفي، أبقى متخلف لو قلت لبنتي: امسكي الجورنال الورقي اقريه، وهي دي الثقافة والمعرفة، وإن لا غنى عن الجورنال الورقي، بينما عندها موبايل وتابلت وغارقة في عصر الصورة متناهية الدقة. إزاي تمسك جورنال كل صوره مبكسلة، وأبيض وأسود، وتقرا!

إزاي برضه عاوز الجيل ده يسمع خطباء مساجد أقل ما يوصفوا به أنهم رجعيين؟

إزاي نسمع إذاعة القرآن الكريم وهي مشغولة جدًا باسكريبتات مسبقة بين المذيع والضيف.. ده بيسأل من ورقة كلام منمق معد سلفًا، والضيف بيرد عليه بكلام منمق معد سلفًا أيضًا، طبعًا بلا روح ولا نقاش حقيقي، وبالتالي بلا أفكار أو جدال فعال.

الشباب الصغير متململ من التخلف، وإن لم يجد إجابات عصرية على أسئلته بيدور عليها على الإنترنت بطبيعة الحال، وبيخبط في سلفيين أو إخوان أو ملحدين أو لادينيين.. وأنا مش خايف عليهم من كل دول بقدر خوفي عليهم من شيخ، ربنا أعطاه أمانة ونعمة عظيمة، وهي نعمة الخطابة، لكنه يهدرها أسبوعيًا في كلام مسجوع قديم انتهى عصره..

فوقوا يا بشر، القرن الواحد والعشرين انتهى ربعه، وداخلين على ربعه التاني.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى