يوسف والي.. حين كان البحث العلمي قاطرة للنهوض بالزراعة المصرية

بقلم: أ.د.خالد سالم
أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بمعهد الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية جامعة مدينة السادات
أكثر من عقدين في إدارة ملف الزراعة المصرية
عندما نتحدث عن تاريخ الزراعة المصرية الحديثة، فإن اسم البروفيسور يوسف أمين والي يظل واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا وتأثيرًا في مسيرة القطاع الزراعي خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
لم يكن الدكتور يوسف والي مجرد وزير تولى حقيبة الزراعة لفترة قصيرة، وإنما قضى أكثر من عقدين في موقع المسؤولية، إذ تولى وزارة الزراعة والأمن الغذائي في يناير 1982، ثم أصبح نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للزراعة واستصلاح الأراضي، واستمر في موقعه حتى يوليو 2004. وبهذا امتدت فترة مسؤوليته عن الزراعة المصرية لأكثر من 22 عامًا، وهي فترة طويلة بما يكفي للحكم على السياسات الزراعية باعتبارها مشروعًا ممتدًا، وليس مجرد مجموعة من القرارات المنفصلة.
والأهم من طول المدة أن هذه الفترة جاءت في ظروف شديدة التعقيد بالنسبة للزراعة المصرية؛ فقد كانت مصر تواجه زيادة سكانية متسارعة، وارتفاعًا مستمرًا في الطلب على الغذاء، ومحدودية في الموارد المائية والأرضية، إلى جانب الحاجة إلى زيادة الإنتاج الزراعي من الرقعة القديمة، والتوسع في استصلاح الأراضي الجديدة.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبنت السياسة الزراعية خلال تلك المرحلة فلسفة تقوم على فكرة واضحة: الأمن الغذائي لا يتحقق بالاستيراد وحده، وإنما يبدأ من قدرة الدولة على زيادة إنتاجها الزراعي ورفع إنتاجية وحدة الأرض والمياه.
وقد عبّرت وزارة الزراعة في عرضها الرسمي لتجربة يوسف والي عن هذه الرؤية بعبارة «من لا يملك غذاءه لا يملك حريته»، وهي عبارة تلخص جانبًا أساسيًا من فلسفة المرحلة في التعامل مع قضية الغذاء باعتبارها قضية اقتصادية وسياسية واستراتيجية في الوقت نفسه.
الزراعة ليست مجرد فدان ومحصول
من أهم ما يلفت النظر عند قراءة تجربة يوسف والي أنها لم تنظر إلى الزراعة باعتبارها مجرد عملية زراعة وحصاد، وإنما باعتبارها منظومة متكاملة تضم الأرض والمياه والأصناف والتقاوي والبحث العلمي والإرشاد والتمويل والتكنولوجيا والتسويق والتصنيع الزراعي.
وهذه النظرة مهمة للغاية؛ لأن زيادة الإنتاج الزراعي لا تأتي من عنصر واحد. فلا يمكن لصنف عالي الإنتاجية أن يحقق إمكاناته دون تقاوي جيدة، ولا يمكن للتقاوي أن تحقق نتائجها دون إدارة زراعية مناسبة، ولا يمكن للباحث أن يطور تقنية ناجحة إذا ظلت حبيسة المعمل، ولا يمكن للإرشاد الزراعي أن يؤدي دوره إذا لم تكن هناك نتائج بحثية قابلة للتطبيق.
ومن هنا جاء الاهتمام خلال هذه المرحلة بالربط بين المؤسسات البحثية والإرشادية والتمويلية والإحصائية والاقتصادية، إلى جانب تطوير نظم المعلومات واستخدام الحاسب الآلي في إدارة القطاع الزراعي.
وهذه النقطة تحديدًا ربما تكون من أكثر الجوانب التي تستحق إعادة القراءة اليوم؛ لأن قضية الزراعة المصرية لم تكن يومًا قضية فلاح وحده، أو باحث وحده، أو تاجر وحده، وإنما قضية منظومة كاملة يجب أن تعمل حلقاتها معًا.
الأمن الغذائي في قلب السياسة الزراعية
كان تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي أحد المحاور الرئيسية للسياسة الزراعية خلال فترة يوسف والي.
وبحسب العرض الرسمي لوزارة الزراعة، شهدت تلك المرحلة تحقيق الاكتفاء الذاتي من مجموعة من الحبوب الرئيسية، باستثناء القمح والأرز والشعير والذرة، وأغلب المحاصيل الحقلية كان بها طفرات في المحصول، إلى جانب تحقيق الاكتفاء الذاتي من البيض والألبان واللحوم البيضاء.
وقد يبدو الحديث عن الاكتفاء الذاتي اليوم مختلفًا عن مفهومه في الثمانينيات والتسعينيات، خصوصًا في ظل تغير الأسواق العالمية، وزيادة السكان، وتغير أنماط الاستهلاك. لكن المبدأ الأساسي ظل حاضرًا: لا يمكن أن تكون الزراعة المصرية مجرد نشاط اقتصادي، وإنما يجب أن تكون إحدى ركائز الأمن القومي والغذائي.
ولهذا لم تكن القضية مجرد زيادة كمية المحصول، وإنما كانت مرتبطة أيضًا بتغيير هيكل الإنتاج الزراعي، وزيادة إنتاجية المحاصيل، وإدخال محاصيل ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، وزيادة القدرة على التصدير.
زيادة إنتاجية الخضر والفاكهة
من الإنجازات التي تنسبها وزارة الزراعة إلى تلك المرحلة ارتفاع إنتاجية محاصيل الخضر والفاكهة بنسب تراوحت، وفق العرض الرسمي، بين 160 و260%.
وهذه الزيادة، إذا وضعت في سياقها التاريخي، تعكس أهمية التحول من مفهوم التوسع الزراعي القائم فقط على زيادة المساحة إلى مفهوم آخر أكثر أهمية، وهو التوسع الرأسي.
فمصر دولة محدودة الموارد الأرضية والمائية، ولذلك فإن زيادة الإنتاج من وحدة المساحة تصبح أكثر أهمية من مجرد زيادة المساحة المزروعة.
وهنا تظهر قيمة برامج التربية والتحسين الوراثي، واستخدام الأصناف المحسنة، وتحسين الممارسات الزراعية، وتطوير نظم الري، وتحسين معاملات ما بعد الحصاد.
فالزيادة الحقيقية في الإنتاج الزراعي لا تبدأ عند الحصاد؛ بل تبدأ قبل ذلك بسنوات داخل برامج البحث العلمي التي يعمل فيها علماء تربية النبات والمعاملات الزراعية والهندسة الزراعية والفسيولوجيا وأمراض النبات ووقاية النبات وعلوم التربة والمياه.
التوسع الرأسي والتوسع الأفقي
لم تعتمد السياسة الزراعية في تلك المرحلة على التوسع الرأسي وحده، وإنما حاولت الجمع بينه وبين التوسع الأفقي.
وكانت فكرة التوسع الأفقي تقوم على استصلاح الأراضي الجديدة وإدخالها إلى الخريطة الزراعية المصرية، بينما يقوم التوسع الرأسي على زيادة إنتاجية الأراضي القائمة.
وفي إطار هذه السياسة، تضمنت الخطط الزراعية استصلاح مساحات كبيرة من الأراضي الجديدة، وكان من أبرز مشروعات التوسع الأفقي خلال تلك المرحلة شرق العوينات وبدء تنفيذ مشروع توشكى.
وقد كان التوسع في الصحراء يمثل تحديًا كبيرًا، لأن استصلاح الأرض الصحراوية ليس مجرد إضافة فدان جديد إلى الرقعة الزراعية، وإنما يتطلب بنية تحتية وشبكات ري وطرقًا وطاقة وخدمات ومجتمعات عمرانية وتسويقية.
ومن هنا فإن تقييم تجربة التوسع الأفقي يجب ألا يقتصر على عدد الأفدنة التي دخلت الخدمة، بل ينبغي أن ينظر أيضًا إلى قدرة هذه الأراضي على الاستدامة والإنتاج الاقتصادي، وإلى مدى ارتباطها بالبنية الأساسية والأسواق.
البحث العلمي.. قلب التجربة
ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر أهمية بالنسبة لأي باحث أو أستاذ جامعي يعمل في مجال الزراعة.
فمن الصعب الحديث عن تجربة يوسف والي دون التوقف أمام الدور الذي أُعطي للبحث العلمي الزراعي.
فالسياسة الزراعية في تلك المرحلة لم تكتفِ بتمويل أو إدارة المؤسسات البحثية، وإنما سعت إلى ربط نتائج البحث العلمي بالتطبيق في الحقول.
وتشير وزارة الزراعة إلى أن العمل التنفيذي خلال تلك الفترة ارتكز بدرجة كبيرة على نتائج البحث العلمي الزراعي، مع نقل هذه النتائج إلى المزارعين من خلال البرامج الإرشادية والحملات القومية المنظمة.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي ربما نفتقدها أحيانًا في إدارة الزراعة الحديثة: البحث العلمي ليس رفاهية، وليس نشاطًا منفصلًا عن الإنتاج، وإنما هو أحد أهم مصادر القوة في الزراعة.
فالصنف الجديد الذي يتحمل الجفاف أو الملوحة، أو يعطي محصولًا أعلى، أو يقاوم مرضًا معينًا، قد يكون أكثر تأثيرًا على الاقتصاد الزراعي من عشرات القرارات الإدارية.
والباحث الذي يعمل عشر سنوات لاستنباط صنف جديد لا يظهر اسمه بالضرورة في وسائل الإعلام، لكن أثر عمله يمكن أن يصل إلى ملايين الأفدنة.
تنظيم مركز البحوث الزراعية
من النقاط المهمة التي تبرز في التجربة إنشاء الإطار التنظيمي لمركز البحوث الزراعية.
وتشير وزارة الزراعة إلى أن مركز البحوث الزراعية، الذي أُنشئ في أوائل السبعينيات، ظل فترة طويلة دون لائحة تنظيمية مكتملة، إلى أن صدر القرار الجمهوري المنظم له عام 1983.
وقد ساعد هذا الإطار التنظيمي على دعم البحث الزراعي التطبيقي وتطوير محطات البحوث الزراعية.
وهذا الأمر قد يبدو إداريًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة شديد الأهمية؛ لأن البحث العلمي يحتاج إلى مؤسسة قوية ومستقرة تستطيع وضع خطط بحثية طويلة الأجل، وإدارة الباحثين، وتوفير المعامل والمحطات، وربط النتائج بالجهات التنفيذية.
فلا يمكن لدولة أن تطلب من الباحث إنتاج أصناف جديدة أو حلول لمشكلات الزراعة دون أن توفر له مؤسسة بحثية قادرة على العمل والاستمرار.
من المعمل إلى الحقل
كانت إحدى الأفكار الأساسية خلال تلك الفترة هي نقل نتائج البحوث من المعمل إلى المزرعة.
وهذه العملية ليست سهلة.
فقد ينجح الباحث في إنتاج نتيجة ممتازة في محطة بحثية، لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تنتقل النتيجة إلى المزارع.
هل الصنف مناسب للظروف المحلية؟
هل التقاوي متاحة؟
هل سعرها مناسب؟
هل المزارع يستطيع تطبيق التوصيات؟
هل يحتاج الصنف إلى كميات كبيرة من الأسمدة؟
هل يتحمل الإجهاد المائي؟
هل له سوق؟
هل يتحمل النقل والتخزين؟
كل هذه الأسئلة تحدد في النهاية ما إذا كانت التكنولوجيا الزراعية ستنجح أم ستظل حبيسة الأوراق العلمية.
ولهذا كان الاهتمام بالإرشاد الزراعي والحملات القومية والحقول الإرشادية جزءًا من منظومة نقل التكنولوجيا إلى المزارع.
التربية والتحسين الوراثي للمحاصيل
من أبرز المجالات التي شهدت اهتمامًا خلال هذه المرحلة تطوير برامج استنباط الأصناف الجديدة.
وتذكر وزارة الزراعة تطوير أساليب استنباط أصناف جديدة من المحاصيل، ومنها القطن، إلى جانب تحسين الإنتاجية في محاصيل الذرة الشامية والأرز والقمح وقصب السكر والفول، وكذلك استنباط أصناف جديدة من الخضر والفاكهة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام أهمية التحسين الوراثي.
فالزراعة الحديثة لا تستطيع الاعتماد إلى الأبد على الصنف نفسه.
الظروف المناخية تتغير، والآفات تتطور، والأمراض تتغير، واحتياجات المستهلك تتبدل، والأسواق تبحث عن جودة مختلفة، والمياه تصبح أكثر ندرة.
ولهذا فإن برامج التربية النباتية هي عملية مستمرة لا تتوقف.
والصنف الزراعي الناجح ليس مجرد اسم في قائمة الأصناف، بل هو نتيجة سنوات طويلة من التهجين والانتخاب والتقييم والتجارب الحقلية.
القطن المصري.. محصول استراتيجي
ظل القطن المصري أحد المحاصيل الرئيسية التي ارتبطت بالسياسة الزراعية المصرية خلال تلك الفترة.
وكان تحسين الإنتاجية والصفات الوراثية للأصناف أحد محاور العمل البحثي والتنفيذي.
والقطن مثال واضح على أهمية التكامل بين البحث العلمي والسياسة الزراعية والتسويق والتصنيع.
فالقيمة الاقتصادية للقطن لا تتوقف على إنتاج الفدان فقط، وإنما تمتد إلى جودة التيلة، ونسبة التصافي، وطول التيلة، ومتانتها، وانتظامها، وقدرتها على تلبية احتياجات صناعة الغزل والنسيج.
ولهذا فإن تطوير صنف قطني جديد يحتاج إلى رؤية تمتد من الحقل إلى المصنع والسوق العالمي.
التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية
من السمات اللافتة في تجربة يوسف والي أيضًا الانفتاح على التكنولوجيا الزراعية الحديثة.
وإقامة معهد للهندسة الوراثية الزراعية في المجال الزراعي، إلى جانب وحدات للبحث والتطوير واستخدام الحاسب الآلي ونقل الخبرة في مجال الإرشاد.
وإذا وضعنا هذه الخطوة في سياقها الزمني، فإنها كانت تعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية التكنولوجيا الحيوية الزراعية.
فالهندسة الوراثية لم تكن وقتها كما هي اليوم مع تقنيات الجينوم والتحرير الجيني وCRISPR، ولكن تأسيس البنية المؤسسية لمثل هذه المجالات كان يعني أن الزراعة المصرية بدأت تتعامل مع التكنولوجيا الحيوية باعتبارها أداة يمكن أن تسهم في حل بعض مشكلات الإنتاج.
والدرس هنا واضح: الدول الزراعية لا تستطيع الحفاظ على قدرتها التنافسية إذا بقيت بعيدة عن التطور العلمي العالمي.
التكنولوجيا ليست بديلًا عن الباحث
لكن هناك نقطة مهمة يجب التأكيد عليها.
إدخال التكنولوجيا لا يعني الاستغناء عن الباحث.
على العكس، التكنولوجيا تحتاج إلى الباحث أكثر من أي وقت مضى.
فالتقنية قد تكون متاحة في العالم كله، لكن اختيار التقنية المناسبة للظروف المصرية يحتاج إلى علماء يعرفون طبيعة التربة والمناخ والأصناف والأمراض والمزارع المصري.
ولهذا كانت فكرة تجريب التكنولوجيا وانتقاء ما يصلح منها للزراعة المصرية من الأفكار المهمة في التجربة.
فالاستيراد وحده لا يصنع نهضة زراعية.
النهضة الحقيقية تحدث عندما تمتلك الدولة القدرة على تقييم التكنولوجيا وتطويعها وتطويرها وإنتاج المعرفة الخاصة بها.
الإصلاح الزراعي والخدمات
شهدت الهيئة العامة للإصلاح الزراعي خلال تلك الفترة تطويرًا مؤسسيًا وإنشاء عدد كبير من المشروعات، وتذكر وزارة الزراعة أن عدد هذه المشروعات تجاوز 580 مشروعًا.
كما تم الاهتمام بإنشاء محطات للخدمة الآلية على مستوى الجمهورية لتقديم الخدمات الزراعية للمزارعين.
وهذا يعكس توجهًا نحو توفير الخدمات التي لا يستطيع المزارع الصغير تحمل تكلفتها منفردًا.
فالزراعة الحديثة تحتاج إلى ميكنة، وتسوية، وخدمات نقل، ومعدات حصاد، وخدمات صيانة، وتقاوي، وأسمدة، ومبيدات، وإرشاد.
وكلما تحسنت كفاءة هذه الخدمات، زادت قدرة المزارع على الاستفادة من التكنولوجيا الزراعية.
الإرشاد الزراعي.. الحلقة التي لا غنى عنها
من أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها أي سياسة زراعية أن تركز على إنتاج المعرفة دون الاهتمام بنقلها.
فالمزارع لا يستطيع قراءة عشرات الأبحاث العلمية، ولا يمكن أن يتابع كل جديد في مجال التربية أو وقاية النبات أو إدارة الري.
هنا يأتي دور الإرشاد الزراعي.
وقد ركزت السياسة الزراعية في تلك المرحلة على الحملات القومية والبرامج الإرشادية لنقل نتائج البحوث إلى المزارعين.
والإرشاد الناجح لا ينبغي أن يكون مجرد تعليمات عامة، وإنما يجب أن يكون حلقة اتصال في الاتجاهين: ينقل نتائج البحث إلى المزارع، وينقل مشكلات المزارع إلى الباحث.
وهذه الحلقة تحديدًا مهمة للغاية؛ لأن أفضل البرامج البحثية هي التي تبدأ من مشكلة حقيقية في الحقل.
تطوير الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية
لم تقتصر السياسة الزراعية خلال فترة يوسف والي على الإنتاج النباتي.
فقد شملت أيضًا اهتمامًا بالثروة الحيوانية والداجنة والسمكية والخدمات البيطرية.
ومن الإجراءات التي تذكرها وزارة الزراعة إنشاء الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وتحويل الإدارة البيطرية إلى هيئة ذات طابع قومي، إلى جانب إعادة تنظيم معهد صحة الحيوان إلى ثلاثة معاهد متخصصة.
وهذا يعكس رؤية أوسع للأمن الغذائي.
فالغذاء ليس قمحًا وأرزًا فقط.
هناك اللحوم والألبان والبيض والأسماك، وكلها مكونات أساسية في منظومة الغذاء المصرية.
ومن ثم فإن تطوير الخدمات البيطرية وتحسين الإنتاج الحيواني يمثل جزءًا من السياسة الزراعية والأمن الغذائي في الوقت نفسه.
الزراعة والتصدير
من الجوانب المهمة أيضًا الاتجاه إلى زراعة بعض المحاصيل ذات القيمة النقدية المرتفعة والموجهة للتصدير.
والهدف من ذلك لم يكن مجرد الحصول على عائد نقدي، وإنما استخدام حصيلة الصادرات الزراعية في تمويل احتياجات مصر من المنتجات الزراعية التي يصعب إنتاجها محليًا بالكميات المطلوبة.
وهذه فكرة اقتصادية مهمة؛ لأن مفهوم الأمن الغذائي الحديث لا يعني بالضرورة إنتاج كل شيء داخل الدولة، وإنما يعني امتلاك القدرة على تأمين الغذاء من خلال مزيج من الإنتاج المحلي والتجارة الخارجية والاحتياطي الاستراتيجي.
ومن هنا تصبح الزراعة التصديرية جزءًا من الأمن الغذائي، بشرط ألا تؤدي إلى الإضرار بالمحاصيل الاستراتيجية أو استنزاف الموارد المائية.
ماذا بقي من تجربة يوسف والي؟
بعد مرور سنوات طويلة على انتهاء فترة يوسف والي في وزارة الزراعة، من الطبيعي أن يختلف الناس حول تقييم التجربة.
فليس من الموضوعية تقديم أي فترة تاريخية باعتبارها مرحلة مثالية خالية من المشكلات.
كما أن بعض المشروعات والسياسات التي بدأت خلال تلك الفترة كانت لها نتائج متفاوتة، وبعضها تطور بعد ذلك في اتجاهات مختلفة.
لكن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين تقييم السياسات والقرارات محل الجدل وبين تقييم البنية العلمية والمؤسسية التي تطورت خلال تلك المرحلة.
وهناك عدد من الأفكار التي تستحق أن تظل حاضرة في النقاش الزراعي المصري.
أولها أن الأمن الغذائي قضية استراتيجية.
وثانيها أن زيادة الإنتاجية لا تقل أهمية عن زيادة المساحة.
وثالثها أن استصلاح الأراضي الجديدة يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع تطوير الأراضي القديمة.
ورابعها أن البحث العلمي الزراعي لا يمكن فصله عن الإنتاج.
وخامسها أن التكنولوجيا لا تصبح ذات قيمة حقيقية إلا عندما يتم توطينها وتكييفها مع الظروف المحلية.
وسادسها أن الإرشاد الزراعي يمثل الحلقة التي تربط العالم والمزرعة.
الباحث الزراعي.. الجندي المجهول
ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من تجربة تلك المرحلة هي ضرورة إعادة الاعتبار إلى الباحث الزراعي.
فالمجتمع يرى محصول القمح في الحقل، لكنه لا يرى السنوات التي قضاها الباحث في تهجين الأصناف واختيار النباتات وتقييمها.
ويرى محصول الأرز في السوق، لكنه لا يرى عشرات التجارب التي سبقت اعتماد الصنف.
ويرى القطن في الحقل، لكنه لا يرى الأجيال المتعاقبة من النباتات التي درسها المربي للوصول إلى صنف أفضل.
ويرى التكنولوجيا الزراعية في يد المزارع، لكنه لا يرى المختبرات ومحطات البحوث التي اختبرت مدى صلاحيتها.
وهنا يجب أن ندرك أن التقدم الزراعي لا يصنعه السوق وحده.
التاجر له دوره.
والمستثمر له دوره.
والمزارع له دوره.
لكن الباحث أيضًا له دوره.
ولا يمكن أن تقوم الزراعة الحديثة دون هذه الحلقات جميعًا.
من يملك المعرفة يملك القدرة على التطوير
كانت إحدى نقاط القوة في التجربة الزراعية المصرية خلال العقود الماضية امتلاك الدولة شبكة واسعة من المؤسسات البحثية، وعلى رأسها مركز البحوث الزراعية ومعاهده ومحطاته.
وقد أنتجت هذه المؤسسات أجيالًا من العلماء في مجالات تربية المحاصيل والتربة والمياه وأمراض النبات ووقاية النبات والإنتاج الحيواني والبساتين والهندسة الزراعية والاقتصاد الزراعي.
لكن المحافظة على هذا الإرث تتطلب استمرار الاستثمار في الباحث.
الباحث يحتاج إلى معمل.
ويحتاج إلى محطة بحثية.
ويحتاج إلى موارد لإجراء التجارب.
ويحتاج إلى نشر علمي.
ويحتاج إلى التعاون الدولي.
ويحتاج إلى احترام علمي ومؤسسي.
والأهم أنه يحتاج إلى أن يشعر بأن ما يقوم به جزء من مشروع وطني وليس مجرد وظيفة حكومية.
هل يمكن استعادة روح تلك المرحلة؟
السؤال الأهم اليوم ليس: هل كان يوسف والي محقًا في كل قرار اتخذه؟
السؤال الأهم هو: ما الذي يمكن أن نتعلمه من تجربة استمرت أكثر من عقدين في إدارة الزراعة المصرية؟
الإجابة تبدأ من ضرورة بناء منظومة متكاملة مرة أخرى.
نحتاج إلى باحث يطور الصنف.
ونحتاج إلى مؤسسة تنتج التقاوي.
ونحتاج إلى جهاز إرشاد ينقل التكنولوجيا.
ونحتاج إلى مزارع يحصل على الخدمة في الوقت المناسب.
ونحتاج إلى قطاع خاص يستثمر في الإنتاج والتصنيع.
ونحتاج إلى تاجر يربط المنتج بالسوق.
ونحتاج إلى سياسة سعرية عادلة تشجع المزارع.
ونحتاج إلى دولة تضع الأمن الغذائي فوق الحسابات قصيرة المدى.
هذه هي المنظومة التي تستطيع أن تصنع نهضة زراعية حقيقية.
بين الأمس واليوم
من السهل أن ننظر إلى الماضي بعين الحاضر، فنحكم عليه بمعايير لم تكن موجودة في ذلك الوقت.
لكن التاريخ الزراعي يجب أن يُقرأ في سياقه.
في الثمانينيات والتسعينيات، كانت مصر تواجه تحديات سكانية واقتصادية ومائية كبيرة، وكانت الزراعة مطالبة بإنتاج المزيد من الغذاء، واستصلاح أراضٍ جديدة، وزيادة الصادرات، وتطوير المؤسسات البحثية، وإدخال التكنولوجيا.
وقد شهدت هذه الفترة بالفعل توسعًا في مشروعات الاستصلاح، وتطويرًا لمؤسسات البحث الزراعي، واهتمامًا باستنباط الأصناف، وتطبيق نتائج البحوث، وإدخال التكنولوجيا الحيوية والحاسب الآلي، وتطوير الخدمات البيطرية والميكنة الزراعية.
وهذه إنجازات مؤسسية لا ينبغي اختزالها في شخص واحد، كما لا ينبغي تجاهل الدور القيادي والسياسي الذي لعبه وزير الزراعة في توجيه القطاع خلال تلك السنوات.
الزراعة المصرية تحتاج إلى الذاكرة
من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة أن تفقد ذاكرتها المؤسسية.
كل جيل يبدأ من حيث انتهى الجيل السابق.
والباحث الحالي يجب أن يعرف ماذا فعل الباحث السابق.
والمهندس الزراعي يجب أن يعرف لماذا أنشئت محطة البحث.
وصانع القرار يجب أن يعرف كيف تطورت الأصناف.
والمزارع يجب أن يشعر بأن الدولة لا تبدأ معه من الصفر في كل موسم.
ولهذا فإن دراسة تجربة يوسف والي لا ينبغي أن تكون مجرد محاولة لمدح الرجل أو انتقاده.
بل يجب أن تكون محاولة لفهم كيف كانت الدولة المصرية تدير ملف الزراعة، وكيف ربطت بين البحث العلمي والإنتاج والإرشاد والاستصلاح والتكنولوجيا.
الدرس الأكبر: لا زراعة بلا علم
في النهاية، ربما يكون الدرس الأكثر أهمية من تجربة يوسف والي هو أن الزراعة الحديثة لا يمكن أن تنهض دون العلم.
قد يملك المستثمر المال.
وقد يملك التاجر السوق.
وقد يملك المزارع الأرض والخبرة.
لكن العلم هو الذي يستطيع أن يرفع إنتاجية الأرض، ويطور الصنف، ويقاوم المرض، ويقلل استهلاك المياه، ويحسن جودة المنتج، ويخفض التكلفة.
وهذا هو السبب في أن الدول الزراعية الكبرى لا تتعامل مع البحث الزراعي باعتباره عبئًا على الموازنة، وإنما تعتبره استثمارًا طويل الأجل.
فالصنف الذي يستنبطه الباحث اليوم قد يظل في الحقول لعشرات السنين.
والتقنية التي يطورها المعمل قد تخفض تكلفة الإنتاج لسنوات.
والقاعدة العلمية التي يضعها الباحث قد يستفيد منها جيل كامل من المزارعين.
كلمة أخيرة
قد تختلف الآراء حول الدكتور يوسف والي، وقد تختلف التقييمات السياسية والاقتصادية لبعض السياسات التي ارتبطت بسنوات توليه وزارة الزراعة.
لكن من الصعب تجاهل أن الرجل قاد قطاع الزراعة المصرية خلال واحدة من أطول الفترات الوزارية في تاريخها الحديث، وأن هذه المرحلة شهدت تحولات مهمة في الإنتاج الزراعي، واستصلاح الأراضي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا الزراعية، والإرشاد، وتطوير الأصناف، والثروة الحيوانية والبيطرية.
والأهم أن تجربة تلك السنوات تذكرنا بحقيقة بسيطة كثيرًا ما ننساها:
الزراعة ليست مجرد تجارة محصول بعد حصاده، وليست مجرد فدان يُزرع ويُحصد؛ الزراعة علم يبدأ قبل أن توضع البذرة في الأرض بسنوات.
خلف كل صنف ناجح هناك باحثون.
وخلف كل تقنية زراعية ناجحة هناك تجارب.
وخلف كل زيادة حقيقية في الإنتاجية هناك علم وتراكم معرفي.
وخلف كل نهضة زراعية حقيقية دولة تؤمن بأن البحث العلمي ليس رفاهية.
ولهذا فإن الحديث عن يوسف والي وإنجازاته في الزراعة المصرية يجب ألا يتحول إلى حديث عن شخص فقط، وإنما إلى مناسبة لإعادة طرح السؤال الأهم: هل نعطي البحث العلمي الزراعي والباحث المصري المكانة التي يستحقها في صناعة مستقبل الزراعة؟
فإذا كانت مصر تريد زراعة أكثر إنتاجية، وأقل استهلاكًا للمياه، وأكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية، وأكثر تنافسية في الأسواق العالمية، فإن الطريق لن يكون بالتجارة وحدها، ولا بالاستيراد وحده، ولا بالمشروعات وحدها.
الطريق يبدأ من البحث العلمي.
ثم ينتقل إلى التكنولوجيا.
ثم إلى المزرعة.
ثم إلى السوق.
وعندما تعمل هذه الحلقات معًا، تصبح الزراعة صناعة وطنية حقيقية، ويصبح الباحث شريكًا أساسيًا في الإنتاج، لا مجرد اسم في ورقة علمية.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نستخلصها اليوم من تجربة الدكتور يوسف والي: أن قوة الزراعة المصرية لا تقاس فقط بعدد الأفدنة المزروعة أو أطنان المحاصيل المنتجة، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة التي تجعل كل فدان أكثر إنتاجًا، وكل قطرة ماء أكثر قيمة، وكل مزارع أكثر قدرة على تحقيق عائد عادل من عمله.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



