هيكلة وزارة الزراعة ومؤسساتها بداية الإصلاح الحقيقي

بقلم: د.أسامة بدير
إعادة هيكلة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والمؤسسات والقطاعات التابعة لها لم تعد مجرد إجراء إداري يمكن تأجيله، بل أصبحت ضرورة حقيقية تفرضها طبيعة المرحلة والتحديات التي تواجه القطاع الزراعي، خاصة في ظل الحاجة إلى تعظيم الإنتاج، ودعم الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات، وتحسين الخدمات المقدمة للمزارعين والمستثمرين والمواطنين. وأرى أن أي خطوة جادة في هذا الاتجاه تستحق الدعم، ليس لأنها تعني تغييراً في الهياكل أو المسميات، وإنما لأنها تفتح الباب أمام إصلاح أعمق يعيد ترتيب البيت من الداخل ويضع كل مؤسسة أمام مسؤولياتها واختصاصاتها بوضوح.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من فلسفة تعدد الجهات إلى فلسفة تكامل الأدوار، فالمشكلة ليست في كثرة المؤسسات بقدر ما تكمن في تداخل الاختصاصات وازدواجية المهام وتكرار الأدوار، بما يخلق في بعض الأحيان حالة من التشابك والتنازع بدلاً من التعاون والتكامل. والأساس في أي منظومة ناجحة أن تعرف كل جهة ماذا تفعل، وماذا تترك لغيرها، وأن تعمل المؤسسات جميعها في اتجاه واحد، لا أن تتنافس فيما بينها على الاختصاصات والمساحات والنفوذ. فالزراعة لا تحتاج إلى مؤسسات كثيرة تؤدي العمل نفسه، وإنما تحتاج إلى مؤسسات قوية ومتكاملة يعرف كل منها دوره ويؤديه بكفاءة.
وهنا تظهر أهمية إعادة الهيكلة في تعظيم الاستفادة من واحدة من أهم ثروات وزارة الزراعة، وهي الثروة البشرية. فالوزارة تضم آلاف الخبراء والباحثين والمهندسين والفنيين والإداريين الذين تراكمت لديهم خبرات طويلة، ومن غير المنطقي أن تظل هذه الطاقات موزعة بين كيانات متداخلة أو أعمال متكررة، بينما تحتاج ملفات كثيرة إلى المزيد من الكفاءة والسرعة والابتكار. إن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وربط الصلاحيات بالمسؤوليات، وإعادة توزيع الطاقات وفق الاحتياجات الفعلية، يمكن أن يصنع فارقاً كبيراً في مستوى الأداء دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة الموارد.
كما أن إنهاء الازدواجية وتوحيد الجهود يمكن أن يوفر قدراً كبيراً من الوقت والمال، فكل مهمة مكررة، وكل إجراء متداخل، وكل مشروع متشابه تنفذه أكثر من جهة، يعني في النهاية موارد مهدرة كان يمكن توجيهها إلى الحقل والمزارع والبحث العلمي والإرشاد الزراعي والخدمات التي يحتاج إليها القطاع. وما نحتاجه اليوم هو أن تتوقف المؤسسات عن العمل في جزر منفصلة، وأن تصبح البيانات والمعلومات والخبرات والإمكانات متاحة لخدمة هدف مشترك، بدلاً من أن تظل محكومة بحدود إدارية قد تعطل الوصول إلى أفضل النتائج.
والحقيقة أن المواطن والمزارع والمستثمر لا يعنيه كثيراً اسم القطاع أو الهيئة أو المؤسسة التي تقف خلف الخدمة، بقدر ما يعنيه أن يحصل عليها بسهولة وسرعة وكفاءة. المزارع يريد إرشاداً حقيقياً يصل إليه في الوقت المناسب، والمستثمر يريد إجراءات واضحة وسريعة، والمنتج يريد خدمة بحثية تطبيقية تساعده على زيادة إنتاجه وتقليل تكلفته، والمواطن يريد أن يرى أثر كل هذه المؤسسات على أرض الواقع. ومن هنا يجب أن يكون معيار نجاح إعادة الهيكلة هو ما يشعر به هؤلاء جميعاً، وليس فقط ما يظهر في القرارات والهياكل التنظيمية.
اعتقد أن الحوكمة والشفافية تكتسبان أهمية خاصة في هذه المرحلة، لأن إعادة الهيكلة لا ينبغي أن تتوقف عند إعادة توزيع الاختصاصات، وإنما يجب أن يصاحبها تطوير حقيقي لنظم العمل، ووضع مؤشرات واضحة لقياس الأداء، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج، والاستفادة من التحول الرقمي وقواعد البيانات الموحدة، بما يساعد على اتخاذ القرار بناءً على معلومات دقيقة، ويحد من البيروقراطية ويغلق مساحات واسعة أمام تضارب الاختصاصات وإهدار الموارد.
ومن المهم كذلك أن نفهم أن إعادة الهيكلة ليست حملة لتقليص المؤسسات أو الاستغناء عن الباحثين والعاملين، وإنما فرصة لإعادة توظيف الطاقات والخبرات بصورة أكثر كفاءة. فالهدف ليس هدم ما هو قائم، وإنما إصلاحه وتطويره وإزالة ما تراكم عليه من تشابكات واختصاصات متكررة، مع الحفاظ على الخبرات والكفاءات والاستفادة منها في المواقع التي تحقق أكبر عائد للوزارة والقطاع الزراعي.
وأعتقد أن الأيام المقبلة سوف تشهد المزيد من إجراءات إعادة الهيكلة وإعادة تنظيم نظم العمل والحوكمة والشفافية داخل وزارة الزراعة والمؤسسات التابعة لها، وهي خطوات يجب أن تحظى بالدعم ما دامت تستهدف تصحيح المسار وتوحيد الجهود وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية والمادية، ووضع كل مؤسسة أمام دورها الحقيقي، بحيث يصبح التكامل هو القاعدة والازدواجية استثناءً، ويصبح الإنجاز هو المعيار الحقيقي للحكم على الأداء.
وفي النهاية، فإن نجاح هذه السياسة لن يقاس بعدد القرارات التي تصدر أو الهياكل التي يعاد رسمها، وإنما بما ستتركه من أثر على الأرض. فإذا نجحنا في بناء منظومة زراعية تعمل كجسد واحد، وتتعاون مؤسساتها بدلاً من أن تتنازع، وتستثمر طاقاتها البشرية بدلاً من أن تهدرها، وتستخدم مواردها بأعلى كفاءة، فإننا سنكون أمام تحول حقيقي طال انتظاره. وهذا التحول لن يكون مكسباً لوزارة الزراعة وحدها، بل سيصب مباشرة في مصلحة المزارع والمستثمر والمواطن، وفي دعم الإنتاج والصادرات والأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، وفي النهاية مصلحة الزراعة والوطن كله.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



