الدكتورة شكرية المراكشي: «الفلاح اليوم» يحتاج إلى قرائه كما يحتاج القراء إليه

بقلم: د.شكرية المراكشي
الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية
قرأتُ ما كتبه الزميل والصديق الدكتور أسامة بدير عن قرار التوقف عن الكتابة، ثم قرأتُ مقاله الثاني الذي أعلن فيه تراجعه عن القرار بعد سيل الرسائل والاتصالات والمناشدات التي طالبته بالاستمرار.
اقرأ المزيد: هل أودّع الكتابة الصحفية قريباً؟.. رحلة عمر تجاوزت ثلاثة عقود في خدمة الزراعة والفلاح
اقرأ المزيد: آلاف القراء أوقفوا الرحيل ودموع لا تُنسى أعادتني إلى قلم «الفلاح اليوم»
وبصراحة شديدة، أقول إنني لا أملك إلا أن أشارك هؤلاء القراء فرحتهم بقرار الاستمرار، لأنني أعرف «الفلاح اليوم» وأعرف صاحبه، وأعرف كذلك ما لا يعرفه كثير ممن كتبوا رسائل مؤثرة، أو اتصلوا يطلبون منه ألا يتوقف.
أعرف أن «الفلاح اليوم» ليس مشروعاً تجارياً ضخماً، ولا مؤسسة إعلامية تملك وراءها مستثمراً أو جهة تمولها، وإنما هو موقع زراعي اختار صاحبه أن يحمله على كتفيه لسنوات طويلة، وأن يتحمل تكلفته من دخله الشخصي، دون أن يكون الهدف منه تحقيق الربح.
وأعرف أيضاً أن هذا الموقع سبق أن توقف منذ سنوات، ولم يكن أولئك الذين يذرفون اليوم الدموع على احتمال غيابه موجودين يومها بالصورة التي نراها الآن.
ولولا تدخل شخص واحد، آمن بالموقع وبصاحبه، وساهم في إعادته إلى الحياة، ربما ما كنا لا نقرأ «الفلاح اليوم» اليوم.
واليوم تتكرر المشكلة.
لكن الفرق أن تكلفة الحياة نفسها تغيرت، وأن ما كان يمكن تحمله بالأمس لم يعد بالسهولة نفسها اليوم. فالموقع له مصاريف شهرية حقيقية: استضافة، تقنيات، صيانة، تطوير، تشغيل، ومصاريف أخرى لا تظهر للقارئ عندما يفتح هاتفه ويقرأ مقالاً أو خبراً أو تحقيقاً.
وهنا أريد أن أقول شيئاً قد لا يعجب البعض، لكنه في رأيي ضروري.
رسالة إلى كل من طالب الدكتور أسامة بدير ألا يتوقف: لا يكفي أن نطلب استمرار الرسالة.. علينا أن نشارك في تحمل كلفة بقائها.
إذا كنتم فعلاً ترون أن هذا الموقع يمثل صوتاً مهماً للزراعة المصرية، وإذا كنتم تقولون إنكم لا تستطيعون الاستغناء عنه، وإذا كان توقفه يمثل خسارة للقطاع الزراعي وللفلاح والباحث والأستاذ الجامعي والمستثمر وصانع القرار، فكونوا في مستوى هذه الكلمات.
حوّلوا محبتكم إلى موقف.
لا أطالب أحداً بمبلغ كبير، ولا أطلب من أحد أن يتحمل ما لا يستطيع.
ولكن إذا كان لدينا آلاف القراء، ومن بينهم مسؤولون وقيادات زراعية وأساتذة جامعات وباحثون ومزارعون ومستثمرون، فإن مساهمة عدد محدود منهم في تحمل المصروفات الشهرية يمكن أن تجعل استمرار الموقع أمراً ممكناً، بدلاً من أن يتحمل شخص واحد كل العبء.
المسألة هنا ليست شراء إعلان.
وليست تبرعاً لشخص.
وليست مساعدة شخصية للدكتور أسامة.
إنها مساهمة في استمرار منصة إعلامية زراعية أُنشئت لخدمة قضية، وليس لتحقيق ربح.
وهنا تحديداً يجب أن نفرق بين أمرين:
أن تقول للدكتور أسامة:
«لا تتوقف… نحن نحتاجك».
وأن تقول له:
«لا تتوقف… ونحن مستعدون أن نشارك في تحمل تكلفة استمرار الموقع».
الأولى كلمة جميلة.
أما الثانية فهي موقف إنساني حقيقي.
لقد اعتدنا، للأسف، أن نتعامل مع كثير من الأعمال والخدمات وكأن استمرارها أمر مضمون، وكأن وراء كل موقع أو صحيفة أو منصة جهة غامضة تدفع الفواتير في صمت.
لكن الحقيقة أن وراء كل عمل إنساناً يدفع، ويتعب، ويستنزف وقته وماله، وقد يصل في لحظة إلى النقطة التي يقول فيها: لم أعد أستطيع وحدي.
وعندما يصل الإنسان إلى هذه النقطة، فإن كثرة الرسائل التي تقول له «استمر» لا تكفي.
فإذا كان «الفلاح اليوم» مهماً إلى هذه الدرجة التي عبر عنها آلاف القراء، فليكن لهذا الحب ترجمة عملية.
شخص واحد لا يستطيع أن يحمل موقعاً لسنوات، مهما كان مؤمناً برسالته.
والشخص الذي ساعد في عودة الموقع إلى الحياة في المرة الأولى يستحق كل تقدير، لكن لا يمكن أن نضع على كتفيه وحده مسؤولية استمرار موقع يخدم آلافاً وربما ملايين القراء.
الرسالة الآن موجهة إلى الجميع:
إلى المسؤول الذي يرى في «الفلاح اليوم» نافذة على قضايا الزراعة.
إلى أستاذ الجامعة الذي يجد فيه مساحة لقلمه وفكره.
إلى الباحث الذي يبحث عن وسيلة تصل بها نتائج بحثه إلى الناس.
إلى الفلاح الذي يجد من يتحدث عن مشكلاته.
إلى المستثمر الزراعي الذي يتابع أخبار القطاع.
إلى الصحفي والإعلامي وكل من يؤمن بأهمية الإعلام الزراعي.
وإلى القارئ الذي قال للدكتور أسامة: لا تتوقف.
أقول لكم جميعاً:
لا تطلبوا منه أن يستمر وحده.
ساعدوه على الاستمرار.
ليست القضية أن ندفع فاتورة موقع.
القضية أن نثبت أن المجتمع الذي يطالب ببقاء مؤسسة أو منصة أو صوت إعلامي، قادر أيضاً على تحمل جزء من مسؤولية بقائها.
أنا شخصياً أعتبر «الفلاح اليوم» واحداً من أقوى المواقع الزراعية المتخصصة، وأرى أن اختفاءه سيكون خسارة حقيقية للإعلام الزراعي المصري.
ولهذا فإنني لا أكتب اليوم لأطالب الدكتور أسامة بالاستمرار، فقد قال إنه سيستمر.
بل أكتب لأطالب [نحن] بأن نساعده على الاستمرار.
فإذا كان هناك ألف شخص فقط من محبي الموقع قرر كل واحد منهم أن يساهم بما يستطيع، فلن يكون العبء على شخص واحد.
وإذا كان هناك عشرات أو مئات من المؤسسات والجهات والأشخاص الذين يستفيدون من الموقع، فمن الطبيعي أن يكون لهم دور في استدامته.
لا تجعلوا كلماتكم الجميلة عبئاً جديداً على رجلٍ تحمل وحده ما كان يجب أن يتحمله الجميع.
قولوا له: «استمر».
ولكن أضيفوا إليها:
«ونحن معك».
فهذه الجملة الأخيرة هي التي ستثبت أن الحب لم يكن مجرد دموع، وأن الوفاء لم يكن مجرد رسائل، وأن «الفلاح اليوم» ليس مجرد موقع نقرأه كل صباح ثم نغلق الهاتف.
إن كنتم تريدونه أن يبقى…
فساعدوا صاحبه على أن يبقيه.
فالصحافة لا تعيش بالكلمات وحدها.
والرسالة لا تستمر بالنوايا وحدها.
والمؤسسات الإعلامية، مهما كانت صغيرة ومخلصة، لها تكلفة.
ومن أراد بقاء الصوت، فعليه أن يساعد في إبقاء المنبر.
هذه ليست دعوة للشفقة على «الفلاح اليوم»، وإنما دعوة للوفاء له.
والفرق بين الاثنين كبير.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



