الأبعاد البيئية والاقتصادية لظاهرة التصحر
روابط سريعة :-

إعداد: أ.د.صبحي فهمي منصور
أستاذ الأراضي بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة – مركز البحوث الزراعية
التصحر هو انخفاض أو تدهور القدرة الإنتاجية للأرض، خاصة في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، وفي المناطق الجافة وشبه الرطبة، مما قد يفضي في النهاية إلى خلق ظروف البيئة الصحراوية. وينتج ذلك عن عوامل مختلفة تشمل التغيرات المناخية والنشاطات البشرية. وهو يهدد ثلث مساحة الأراضي في العالم ومستقبل ما لا يقل عن 850 مليون شخص. وقد فقدت منطقة الساحل وحدها ألف كلم من الأراضي الزراعية بين عامي 1930 و1980 بفعل التصحر، كما تفقد القارة الأفريقية بسببه سنويًا مساحة من الأراضي تتراوح بين 50 و70 ألف كلم مربع.
تطور التصحر
من هنا يتبين أن التصحر أحد المشاكل البيئية الخطيرة التي تواجه العالم حاليًا، وهو يتطور في أغلب أرجاء المعمورة وبمعدلات متسارعة.
وللتصحر مؤشرات طبيعية وأخرى بشرية.
أهم المؤشرات الطبيعية تتمثل في:
1- غزو الكثبان الرملية للأراضي الزراعية.
2- تدهور الأراضي الزراعية المعتمدة على الأمطار.
3- تملح التربة.
4- إزالة الغابات وتدمير النباتات الغابية.
5- انخفاض كمية ونوعية المياه الجوفية والسطحية.
6- تدهور المراعي وانخفاض خصوبة الأراضي الزراعية.
7- اشتداد نشاط التعرية المائية والهوائية.
8- زيادة ترسبات السدود والأنهار، واشتداد الزوابع الترابية، وزيادة كمية الغبار في الجو.
ويمكن استخدام هذه المؤشرات وغيرها في تعيين حالة أو وضعية التصحر في المناطق المختلفة من أقطارنا العربية، والتي يقصد بها درجة تقدم عملية التصحر في الأراضي، والتي يقررها المناخ والأرض والتربة والغطاء النباتي من ناحية، ودرجة الضغط البشري من ناحية ثانية.
حالات التصحر
وقد حُددت أربع حالات للتصحر هي:
1- التصحر الشديد جدًا: ويتمثل بتحول الأرض إلى وضعية غير منتجة تمامًا، وهذه لا يمكن استصلاحها إلا بتكاليف باهظة وعلى مساحات محدودة فقط، وفي كثير من الأحيان تصبح العملية غير منتجة بالمرة.
2- التصحر الشديد: وينعكس بانتشار النباتات غير المرغوب فيها وانخفاض الإنتاج النباتي بحدود 50%.
3- التصحر المعتدل: حيث ينخفض الإنتاج النباتي بحدود 25%.
4- التصحر الطفيف: ويتمثل بحدوث تلف أو تدمير طفيف جدًا في الغطاء النباتي والتربة.
إن مقياس استمرارية تهديد التصحر يُعبّر عنه بخطر التصحر، وهو يُقيّم على أساس سرعة درجة حساسية الأرض للتصحر من ناحية، ودرجة الضغط البشري والحيواني من ناحية ثانية.
أسباب التصحر
ينتج التصحر عن عوامل طبيعية وبشرية:
تتمثل العوامل الطبيعية للتصحر في الجفاف وزحف الكثبان الرملية، الذي يتسبب في إتلاف الأراضي الزراعية والرعوية الواقعة تحت تحرك الكثبان. ففي الجزائر مثلًا يهدد زحف الكثبان الرملية 36% من الأراضي الصالحة للزراعة.
وتتمثل العوامل البشرية في الإنسان الذي يساهم في التصحر بطرق شتى، أهمها:
1- اقتلاع الغطاء النباتي: ففي المناطق الجافة وشبه الجافة يؤدي اختفاء الغطاء النباتي إلى إتلاف التربة التي تجرفها المياه أو تنقلها الرياح القوية. (فقد تسببت الرياح القوية التي هبت طيلة أربعة أيام على السهول الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الثلاثينات في اقتلاع 300 مليون طن من التربة، مع العلم أن تكوين 1 سنتيمتر من التربة الصالحة للزراعة يستلزم أكثر من 100 سنة).
2- الرعي الجائر خلال فترات الجفاف: حيث يساهم الضغط الرعوي في خلق التصحر، والذي يقصد به تحميل أراضي المراعي عددًا من الماشية أو أنواعًا معينة منها لا تتفق وطاقة هذه المراعي على تغذيتها. والملاحظ أن تصحر الأراضي الرعوية لا يؤثر في الإنتاج الحيواني فقط، لكنه يعجل بحدوث سلسلة من الوقائع تؤثر في كل النظام البيئي، مثل قلة أو زوال الغطاء النباتي وما يصاحبه من تعرية التربة وزيادة خطر انجرافها. وهذا غالبًا ما يقود إلى انخفاض في الإنتاجية الأولية بشكل يتعذر معالجته، ومن ثم يضعف من إمكانية البيئة على التعويض النباتي. كذلك فإن الإفراط الرعوي يعمل على إحداث تبدل نباتي بواسطة إحلال أنواع غير مستساغة محل الأنواع المستساغة نتيجة الرعي المختار.
3- الزراعة أو الضغط الزراعي: ويقصد به تكثيف استخدام الأرض بالزراعة أو تحميل التربة أكثر من طاقتها الحيوية، حيث يؤدي ذلك إلى حدوث تدهور في التوازن البيئي وإشاعة التصحر. كذلك فإن استخدام الحراثة الآلية غير المتكيفة مع الظروف البيئية في المناطق الجافة يعمل على الإخلال بالتوازن البيئي، ومن ثم يسرع عملية التعرية.
4- السقي غير الرشيد: الذي يؤدي إلى زيادة نسبة الملوحة في التربة بسبب تشبعها بالماء وعدم كفاية وسائل تصريف المياه وغسل الأملاح التي توجد بالتربة. (وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية التي يتوقف استغلالها كل سنة في العالم بسبب تعرضها للملوحة 1.5 مليون هكتار).
ولذا يتسبب التصحر في إتلاف الأراضي الزراعية، وفي انتشار المجاعة وهلاك الماشية، وظهور تحركات كبرى للسكان الذين يغادرون أراضيهم بحثًا عن موارد جديدة للعيش. ويُقدّر عدد هؤلاء النازحين في العالم بأكثر من عشرة ملايين شخص. ومع استفحال هذه الظاهرة بدأ الإنسان يشعر بخطورة الوضع وضرورة العمل من أجل حماية البيئة والحد من تدهورها.
نتائج التصحر
للتصحر العديد من النتائج، أبرزها:
النتائج البيئية وتتمثل في:
1- تدهور الحياة النباتية والحيوانية (بعض فصائل النباتات والحيوانات انقرضت فعلًا).
2- تدهور التربة والمراعي وتقلص مساحة الأراضي الزراعية.
3- نقص في الثروة المائية وتدهور نوعيتها، وبالأخص ارتفاع نسبة الملوحة فيها. وفي النهاية يمكن أن يكون تدهور البيئة عاملًا رئيسيًا في تغير المناخ.
النتائج الاقتصادية المباشرة:
فتتمثل بتدهور الأرض وتصحرها في قدرة البلدان على إنتاج الأغذية، وينطوي بالتالي على تخفيض الإمكانيات الإقليمية والعالمية لإنتاج الأغذية.
النتائج الاجتماعية للتصحر:
فتتمثل في تزايد هجرة سكان الريف والرعاة نحو المدن طلبًا للعمل ولحياة أفضل. وينتج عن هذه الهجرة ضغوط متزايدة على إمكانيات المدن المحدودة، وتساهم في زيادة معدل نمو سكانها أسرع من معدل نمو سكان الريف.
ويولد ضغط الهجرة الريفية الحضرية الكثير من المشاكل الاجتماعية في المدن مثل: انخفاض المستوى المعيشي، والبطالة، وقلة الخدمات الصحية والتعليمية، وقلة السكن، والتوترات والنزاعات الاجتماعية، والإخلال بالأمن… إلخ.
ثم إن إفراغ الريف من سكانه وترك الأرض يساهم هو الآخر في استمرار التصحر.
مكافحة التصحر
وتتطلب مكافحة التصحر وضع خطط واضحة المعالم تتضمن أهدافًا مباشرة تتمثل في وقف تقدم التصحر واستصلاح الأراضي المتصحرة، مع إحياء خصوبة التربة وصيانتها في المناطق المعرضة للتصحر، على أن يؤخذ في الاعتبار عدم وجود حلول سريعة لهذه المشكلة.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



