العلماء يحاكون الغبار النووي في المختبر ويكتشفون مفاجأة غير متوقعة

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
عندما يُذكر الانفجار النووي، تتجه الأذهان فورًا إلى كرة النار العملاقة والسحابة الشهيرة التي ترتفع نحو السماء. لكن الخطر الحقيقي لا ينتهي عند لحظة الانفجار، بل يستمر في صورة ما يُعرف بـ التساقط النووي، وهو مزيج من الجسيمات والمواد المشعة التي تنتشر في البيئة وتبقى آثارها لفترات طويلة.
ورغم أن العالم يأمل ألا يشهد مثل هذه الكوارث مجددًا، فإن فهم ما يحدث داخل تلك السحب المشعة يظل أمرًا بالغ الأهمية للاستعداد للطوارئ وتقييم المخاطر المحتملة.
وفي محاولة لفهم هذه العمليات المعقدة، أجرى باحثون من مختبر لورنس ليفرمور الوطني في الولايات المتحدة تجربة فريدة من نوعها، تمكنوا خلالها من محاكاة جزء من الظروف التي تتشكل داخل كرة النار النووية، لكن داخل مختبر علمي محكم السيطرة.
إعادة خلق لحظات ما بعد الانفجار
استخدم العلماء جهازًا خاصًا يُعرف بمفاعل تدفق البلازما، وهو أنبوب يبلغ طوله نحو متر واحد، قادر على توليد درجات حرارة هائلة تصل إلى نحو 5000 كلفن، أي ما يقارب 4700 درجة مئوية.
هذه الحرارة كافية لتحويل المواد الصلبة إلى بخار بالكامل، وهي ظروف تشبه ما يحدث خلال اللحظات الأولى للانفجار النووي.
واعتمدت التجربة على ثلاثة عناصر رئيسية:
اليورانيوم، وهو الوقود المستخدم في العديد من المفاعلات والأسلحة النووية.
السيزيوم، أحد النواتج المشعة الشائعة الناتجة عن الانشطار النووي.
السيريوم، الذي استُخدم كنظير آمن لمحاكاة سلوك البلوتونيوم المستخدم في بعض الأسلحة النووية.
بعد تبخير هذه العناصر بالكامل، ركز الباحثون على ما يحدث أثناء تبريدها وعودتها إلى الحالة الصلبة على هيئة جسيمات دقيقة، وهي المرحلة التي تشكل أساس الغبار النووي المنتشر بعد الانفجار.
سيناريوان مختلفان للتبريد
صمم الفريق تجربتين مختلفتين لمحاكاة ظروف التبريد.
في الأولى، انخفضت درجات الحرارة بشكل تدريجي ومستمر.
أما في الثانية، فحُفظت المواد عند درجات حرارة مرتفعة لفترة أطول قبل أن تتعرض لانخفاض سريع ومفاجئ.
ويُعد مسار التبريد عاملًا حاسمًا، لأن سرعة فقدان الحرارة تؤثر بشكل مباشر على نوع المركبات الكيميائية التي تتشكل داخل الجسيمات الناتجة.
المفاجأة جاءت من عنصر واحد
أظهرت النتائج أن اليورانيوم والسيريوم تصرفا بصورة متشابهة نسبيًا.
فكلاهما بدأ بالتكثف والتحول إلى جسيمات صلبة في مرحلة مبكرة من عملية التبريد، بغض النظر عن السيناريو المستخدم، مع بعض الاختلافات البسيطة في المركبات الكيميائية المتكونة.
لكن العنصر الثالث، السيزيوم، فاجأ الباحثين بسلوك مختلف تمامًا.
فقد ظل في الحالة البخارية لفترة أطول بكثير مقارنة بالعنصرين الآخرين، وتأخر تكثفه بشكل ملحوظ.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن السيزيوم، عندما بقيت الحرارة مرتفعة لفترة أطول، اندمج مع عناصر أخرى وشكّل مركبات أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.
وهذا يعني أن تاريخ التبريد نفسه يمكن أن يغير بصورة جوهرية التركيب الكيميائي للغبار النووي الناتج.
قراءة الماضي من خلال الجسيمات
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها لا تساعد فقط على التنبؤ بما قد يحدث بعد حادث أو انفجار نووي، بل تمنح العلماء أيضًا وسيلة لفهم أحداث وقعت بالفعل.
فالجسيمات الناتجة عن الانفجارات النووية تحتفظ ببصمة كيميائية تشبه السجل التاريخي لظروف تكوّنها.
ومن خلال تحليل تركيب هذه الجسيمات، يمكن للعلماء استنتاج درجات الحرارة التي تعرضت لها، وسرعات تبريدها، وحتى بعض تفاصيل الحدث الذي أنتجها.
وبعبارة أخرى، يمكن اعتبار كل جسيمة نووية بمثابة “شاهد صامت” يحمل معلومات دقيقة عن ماضيه.
تحدي النماذج التقليدية
لطالما اعتمد العلماء على نماذج رياضية تفترض أن التفاعلات الكيميائية تحدث في ظروف مستقرة ومتوازنة.
لكن هذه الدراسة أظهرت أن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالتغيرات السريعة في درجات الحرارة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تمامًا، كما حدث مع السيزيوم، وهو ما قد لا تستطيع النماذج التقليدية التنبؤ به بدقة.
ولهذا يرى الباحثون أن القياسات التجريبية المباشرة أصبحت ضرورية لتحسين فهم كيمياء التساقط النووي.
أهمية تتجاوز الحوادث النووية
ورغم أن التجربة صُممت لدراسة الغبار النووي، فإن نتائجها قد تكون مفيدة في مجالات أخرى أيضًا.
فالعديد من البيئات الطبيعية والصناعية تشهد درجات حرارة شديدة الارتفاع، مثل البراكين وبعض العمليات المعدنية والصناعات المتقدمة.
كما يمكن تطوير النظام المستخدم في الدراسة مستقبلًا ليشمل مواد إضافية مثل الخرسانة والزجاج والتربة والمياه، وهي المواد التي تحيط عادة بالمفاعلات والمنشآت النووية الحقيقية.
خطوة نحو فهم أفضل للمجهول
يعترف العلماء بأن التجربة لا تستطيع إعادة إنتاج التعقيد الكامل لكرة النار النووية الحقيقية، إذ لم يحدث أي تفاعل نووي فعلي داخل المختبر.
ومع ذلك، فإنها توفر نافذة نادرة لفهم الآليات الكيميائية التي تتحكم في تكوين الجسيمات المشعة بعد الانفجارات أو الحوادث النووية.
ومع تطور هذه الدراسات، قد يصبح العلماء أكثر قدرة على تفسير بقايا الحوادث النووية، وتحسين نماذج التنبؤ بالمخاطر، واتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة عندما تكون حياة البشر والبيئة على المحك.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Analytical Chemistry، لتضيف قطعة جديدة إلى لغز فهم أحد أكثر الظواهر الفيزيائية تعقيدًا في العالم الحديث.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


