ملفات ساخنة

من الساقية إلى الشاشة.. كيف تبدلت حياة الفلاح إلى الأبد؟

كتب: صلاح الأمام كان الفلاح ينام بعد صلاة العشاء، ويستيقظ مع أذان الفجر، فيصلي الفجر حاضراً، ثم يركب حماره ويسحب خلفه بهائمه ويتجه إلى غيطه، حاملاً طعامه في صرة أشبه بمنديل قماش كبير. وكان طعامه بضع أرغفة من الخبز الفلاحي مع قطعة جبن قديم، وأحياناً بدلاً من الجبن قطع من المخلل الفلاحي الذي كان يُخلل في البلاليص، وثمرة بصل، وأحياناً ثمرة طماطم. ومن الغيط كان يقتطف بعض أعواد الخُضرة مثل السريس أو الجعضيض أو الرجلة. وعلى ركية النار كان يصنع لنفسه كوب شاي لا مثيل له.

يقضي يومه في شقاء لا راحة فيه، فهو يمسك بالفأس ليعزق لتهوية الأرض، أو لتطهيرها من الحشائش الضارة، أو يُسمد الزرع، أو يُخف ما يستوجب خفه… وهكذا.

ولو كان لديه ريّ، فيكون يوماً شاقاً للغاية؛ إذ عليه أن يُسلك القنوات ويملسها بالمِلاّس لسد التشققات وتسهيل جريان المياه فيها، ويجري أمام المياه لتسهيل حركتها إذا ما اعترضها أي شيء.

كانت الساقية وسيلة رفع المياه من الترعة إلى الغيط، وهي عبارة عن قرص مجوف من الصاج قطره حوالي 4 أمتار، به فتحات على شكل أنصاف دوائر تمتلىء بالماء، وعندما تدور ينساب هذا الماء إلى القنوات التي توصله إلى الغيط.

كان يجر الساقية جاموسة تُغطى عيناها حتى لا تشعر بالدوار وهي تدور في دائرة قطرها نحو عشرة أمتار طوال اليوم بلا شكوى ولا تذمر، وكانت هذه الدائرة تُسمى (داير الساقية). وكان غالبًا ما يوجد على أطرافها شجرة عتيقة أو أكثر تظلل المكان، وتحت ظلها ينام صاحب الجاموسة ليحرسها.

وكان داير الساقية هذا مجلساً للفلاحين يجتمعون عنده ويتناولون الطعام معاً، ويصلون جماعة فيه أيضاً.

وكان يصدر عن الساقية وهي تدور صوت غريب، لكنه كان أجمل من أصوات كل الآلات الموسيقية، وكذلك كان ينبعث من الماء الخارج منها رائحة أجمل من كل عطور الدنيا، رائحة الحياة.

كان الفلاح يعود إلى داره مع غروب الشمس وقد نال منه الشقاء مبلغاً، فينام بعد صلاة العشاء، أو يجلس قليلاً على المصطبة، وكانت المصطبة مكوناً أساسياً من أساسيات أي بيت، يجلس عليها أصحاب البيت ويجتمعون مع جيرانهم تحت ضوء القمر، يتسامرون ويضحكون في براءة وصفاء.

ثم دخلت الكهرباء فتبدلت الأحوال وكأن الساعة قد قامت!

لم يعد الفلاح ينام بعد صلاة العشاء، فها هو التلفزيون قد أخذ وقته، فيتسمّر أمامه يشاهد رقص كاريوكا وإعلانات الشامبوهات والبارفانات وعبث الممثلين، فأمسى ينام بعد منتصف الليل وتفوته صلاة الفجر حاضرًا.

وبعدما كان يذهب إلى غيطه على الحمار صار يركب العزاقة، وهي ماكينة صغيرة تعمل بالسولار، استغنى بها عن الفأس وعن الحمار في تنقلاته، وصار يأخذ معه بدلاً من القِلة (كولمان مياه)، وبدلًا من شاي الركية استعان بـ(الترمس).

والساقية اختفت وحل محلها ماكينات رفع المياه التي تعمل بالديزل.

وبعدما كان الجيران يتجمعون على المصاطب، أخذهم التلفزيون، وصار لهوهم الجديد الذي أنساهم كل شيء.

واكب ذلك هجرة الجيل الجديد من أبنائهم إلى بلاد النفط، وعادوا يحلمون ببيت حديث أنشأوه فوق الأرض الزراعية التي تآكلت وانحسرت.

حتى الفرن البلدي حل محله فرن يعمل بالغاز والكهرباء.

هذه الحياة الجميلة عشتها في طفولتي وصباي، وكلما تذكرتها أتحسر على أيام تبخرت في لمح البصر.

أتذكر بيوتنا المستقلة حين كان لكل أسرة بيتها، وأقارن بينها وبين (شقق) هذه الأيام التي تشبه العلب، حيث تعيش في بناية بها 20 أو 30 أو 40 شقة، لا تعرف من هذا ومن ذاك. قد تصرخ فلا تجد مجيباً، وإذا حضرت سيارة الإسعاف لا يسأل أحد لماذا جاءت.

وفي بلدنا كان إذا جاءت سيارة الإسعاف بهرع نصف سكان القرية ويلتفون حولها، والكل يعرض المساعدة والدعم.

أما هنا فقد تموت وتخرج رائحة نتنة ولن يسأل عنك جارك!

كنا نعرف كل من يمر علينا: من هو، ومن أبوه، ومن خاله، ومن عمته، لكن في حياة المدينة القاسية لا تعرف جارك الذي يفصلك عنه سنتيمترات، ولا تعرف شيئاً عن حقيقته.

ضاعت حياة الفطرة التي استمرت قرونًا طويلة في سنوات قليلة جداً.

من لي بساعة من هذه الأيام…

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك. 

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى