رأى

“فوق الجينات”: كيف تكشف تقنيات المسح الحديثة أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

في رحلتنا لاكتشاف أسرار الجسد البشري، تعلمنا أن الجينات هي “كتيب التعليمات” الذي يحدد صفاتنا. ولكن، هل كنت تعلم أن هناك “مفاتيح” خفية فوق هذه الجينات تقرر متى تعمل وكيف تتوقف؟ هذا ما يسمى علم “فوق الجينات” (Epigenomics). وفي دراسة علمية حديثة نُشرت في يناير 2026، تُسلِّط الأضواء على جين حيوي يسمى DNMT1 وعلاقته بأمراض الأعصاب الوراثية.

فكيف يساعدنا فهم “مفاتيح” الجينات في فك شفرة الأمراض المعقدة؟ وكيف تساهم أجهزة مثل “GridION” في هذا السبق العلمي؟

1ـ “الميثيلة”: المفتاح السحري للجينات

تعتمد خلايانا على عملية كيميائية تسمى “الميثيلة” (Methylation) لوضع علامات على الحمض النووي. تخيَّلها مثل “الممحاة” التي تغطي بعض الكلمات في كتاب الجينات لتمنع قراءتها. جين DNMT1 هو المسؤول عن الحفاظ على هذه العلامات. وعندما يحدث خلل أو طفرة في هذا الجين، تضطرب عملية “المسح والكتابة”، مما يؤدي إلى مشكلات خطيرة في الجهاز العصبي.

2ـ الربط بين الطفرة والوظيفة

الدراسة الجديدة، التي نُشرت في “المجلة الدولية للعلوم الجزيئية”، كشفت كيف تؤدي التغيرات في جين DNMT1 إلى اضطرابات عصبية موروثة. وباستخدام تقنيات المسح المتطورة، استطاع العلماء رؤية “النتائج الوظيفية” لهذه الطفرات؛ أي كيف يتغير سلوك الخلية العصبية فعليًا عندما يفشل الجين في أداء مهمته، مما يمهِّد الطريق لفهم أعمق لأمراض مثل التصلب والاعتلال العصبي.

3ـ “GridION”: قراءة القصة كاملة

لماذا نستخدم تقنيات “النانوبور” مثل جهاز “GridION” في هذه الأبحاث؟ السبب هو قدرتها الفريدة على قراءة شرائط DNA الطويلة جدًا دون تقطيعها، والأهم من ذلك قدرتها على رؤية “علامات الميثيلة” مباشرة أثناء القراءة. التقنيات القديمة كانت تمحو هذه العلامات أثناء التحليل، أما الآن فنحن نقرأ النص “والهوامش المكتوبة عليه” في وقت واحد، مما يعطي صورة كاملة لما يحدث داخل الخلية.

4ـ ما وراء الطب.. دروس للزراعة والبيئة

قد يتساءل البعض: ما علاقة أمراض الأعصاب بالزراعة؟ الحقيقة أن علم “فوق الجينات” هو لغة مشتركة بين كل الكائنات الحية. فـ”المفاتيح الكيميائية” نفسها التي تسبب أمراضًا عند البشر هي التي تجعل النبات “يتذكر” الجفاف أو الحرارة القاسية ويغير سلوكه الجيني لمواجهتها. فهمنا لكيفية عمل جينات مثل DNMT1 يفتح آفاقًا لتطوير محاصيل أكثر ذكاءً في التعامل مع الضغوط البيئية.

5ـ نحو علاجات “تستهدف المفاتيح”

إن اكتشاف التأثيرات الدقيقة للطفرات الجينية ليس مجرد ترف علمي، بل هو الخطوة الأولى نحو “الطب الدقيق”. فبدلًا من علاج الأعراض، يسعى العلماء الآن إلى تطوير أدوية قادرة على إعادة ضبط “مفاتيح الميثيلة” التالفة. هذا التطور يعيد الأمل لآلاف العائلات التي تعاني من أمراض وراثية كانت تُصنَّف سابقًا على أنها “بلا علاج”.

خاتمة لا بد منها

إن العلم الحديث يثبت لنا يومًا بعد يوم أن الحياة ليست مجرد شفرة جامدة، بل هي تفاعل مستمر ومذهل بين الجينات والبيئة. ومن خلال امتلاكنا أدوات قوية مثل “GridION”، أصبحنا نمتلك “المجهر” الذي يرى أدق تفاصيل هذا التفاعل، سواء كان ذلك لإنقاذ حياة إنسان أو لتأمين مستقبل غذاء كوكبنا.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى