بين قدسية المكان وقسوة الدعاء.. أم تدعي على ابنها أمام الكعبة

بقلم: هند معوض
في مشهد ارتجف أمامه الملايين، وقفت أم أمام الكعبة ورفعت يديها بالدعاء على ابنها وزوجته لا الدعاء لهما، وهذا ما طرح أسئلة عدة عن حقوق الأبناء على الآباء، وهل العقوق هو عقوق الأبناء لآبائهم فقط، أم أن هناك عقوقًا للوالدين تجاه أولادهم كذلك؟
“جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وعنفه على عقوقه لأبيه وأنبهه على تمرده عليه ونسيانه لحقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى. قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب – القرآن -. قال الولد: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فكانت زنجية لمجوسي، وقد سمانِي: جُعَلا (خنفساء)، ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا..! فالتفت عمر إلى الأب وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك..؟! قم عني.”
إن تلك السيدة التي وقفت أمام الكعبة وبذلت كل الجهد في الدعاء على ابنها وزوجته، وتصوير الدعاء ونشره، كان الأحرى بها أن تقف في ذلك الموقف المهيب وترفع يديها بالدعاء لابنها أن يهديه الله، وأن يرده إليها رُدًّا جميلاً، وأن يبارك له في زوجه وأولاده. ألم يكن ذلك أجدى وأنفع للأم والابن، بل وللأسرة بأكملها؟
إن التباهي بالبغضاء والكراهية، واستغلال قدسية المكان وقدسية الدعاء وعظيم المنزلة التي منحها الله للأم في ذلك المشهد السيء، لهو تدنٍ غير مقبول، يقدم المبرر لعقوق الوالدين، ويهوى بعاطفة الأمومة التي هي من أقدس المشاعر الإنسانية إلى هوة سحيقة لا تليق بها.
فماذا لو أفاضت الأم على ابنها حبًا واحتوته، وسمعت منه، ثم أعطت النصيحة بشكل لائق ومنطقي يخاطب العقل والعاطفة معًا، ألم يكن الابن ليسمع لها ويتقبل النصيحة بصدر رحب؟
إن الجحود الذي بدا في كلام الأم ينزع عن قلبها الرحمة، وينزع عن عاطفة الأمومة هيبتها، ويكشف عن خلل يهدد المشاعر الإنسانية بأكملها. فماذا لو سقطت عاطفة الأمومة، التي هي من أرقى المشاعر الإنسانية، وتحولت للجحود والنكران، فأي مجتمع هذا؟ سوف يتحول المجتمع لغابة يغيب عنها الرحمة والتكافل، وتنتشر الكراهية والبغضاء.
إن ذلك المشهد يكشف عن حالة فريدة لا يعتادها العقل ولا يقبلها القلب، حالة لا تألفها المجتمعات الإنسانية بشكل عام والمسلمة بشكل خاص، وتستدعي أن نطالب الوالدين برعاية الأبناء وإعطائهم كامل حقوقهم قبل أن نطالب الأبناء ببر الوالدين، حتى يسود الحب في المجتمع وتُضمن سلامته من التفكك والانهيار.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



