10 آلاف عالم وباحث يصنعون معجزة الزراعة المصرية داخل مركز البحوث الزراعية

بقلم: د.أسامة بدير
في زمنٍ تتصارع فيه الدول على امتلاك المعرفة قبل امتلاك السلاح، وتتنافس فيه المؤسسات العلمية على إنتاج الحلول القادرة على إنقاذ الشعوب من أزمات الغذاء والمياه والطاقة، يظل مركز البحوث الزراعية واحداً من أعظم الصروح العلمية والبحثية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ليس فقط بحجم إمكانياته أو اتساع معاهده ومعامله، بل بما يمتلكه من ثروة بشرية هائلة تضم أكثر من 10 آلاف عالم وباحث وخبير يمثلون نخبة العقول المصرية في مختلف التخصصات الزراعية.
هذا المركز العريق لم يكن يوماً مجرد مؤسسة حكومية تقليدية، بل كان وما زال “قلعة علمية وطنية” تقف في الصفوف الأولى دفاعاً عن الأمن الغذائي المصري، وتخوض معركة التنمية الزراعية بسلاح العلم والبحث والتجربة والابتكار. فمن داخل معامل هذا الصرح العملاق خرجت آلاف الأصناف والهجن الزراعية التي غيرت خريطة الإنتاج الزراعي في مصر، ورفعت إنتاجية الفدان، وساهمت في مواجهة التغيرات المناخية وشح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج.
لقد نجح علماء المركز في تحقيق طفرات حقيقية في مجال الإنتاج النباتي، من خلال استنباط أصناف عالية الإنتاجية من القمح والأرز والذرة والمحاصيل الزيتية والخضر والفاكهة، تتميز بتحمل الظروف المناخية القاسية، وتقليل استهلاك المياه، ومقاومة الآفات والأمراض. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتجاوز المساحة المزروعة بالقمح خلال موسم 2025 ـ 2026 نحو 3.7 مليون فدان، مع متوسط إنتاجية يقترب من 20 أردباً للفدان في بعض المناطق، وهي أرقام تعكس حجم الجهد العلمي المبذول داخل المعاهد البحثية التابعة للمركز.
وفي قطاع الإنتاج الحيواني والداجني، أدى المركز دوراً بالغ الأهمية في تطوير السلالات المحلية، وتحسين كفاءة التغذية، ورفع معدلات التحويل الغذائي، ومواجهة الأمراض الوبائية، فضلاً عن دعم صغار المربين بتوصيات علمية وبرامج إرشادية ساهمت في زيادة الإنتاج وتقليل الفجوة الغذائية في اللحوم والألبان والدواجن.
أما في مجال الثروة السمكية، فقد ساهم علماء المركز في دعم مشروعات الاستزراع السمكي الحديثة، وتطوير نظم التغذية والرعاية، وتحسين جودة المياه وتدويرها والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، بما انعكس على زيادة الإنتاج السمكي المصري وتعزيز قدرته التنافسية، خاصة بعد النجاحات الكبيرة التي حققتها مصر في ملف تصدير الأسماك والاستزراع السمكي للأسواق الخارجية.
ولم تتوقف إنجازات مركز البحوث الزراعية عند حدود الإنتاج فقط، بل امتدت إلى مجالات التنمية المستدامة، وإدارة الموارد الطبيعية، وتدوير المخلفات الزراعية، والزراعة الذكية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة والرقمنة والذكاء الاصطناعي في خدمة القطاع الزراعي، إلى جانب الدور الحيوي الذي تقوم به المعامل المركزية في فحص متبقيات المبيدات، وضمان جودة الصادرات الزراعية المصرية وفق المعايير الدولية.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الطفرة الزراعية الهائلة التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة لم تكن لتتحقق لولا الدور المحوري الذي قام به علماء وباحثو مركز البحوث الزراعية. فكل فدان ارتفعت إنتاجيته، وكل صنف جديد تم استنباطه، وكل توصية فنية وصلت إلى المزارع، وكل مشروع قومي زراعي نجح على أرض الواقع، كان خلفه جيش من الباحثين والعلماء الذين يعملون بصمت وإخلاص في الحقول والمعامل ومحطات البحوث.
لقد أصبحت الصادرات الزراعية المصرية واحدة من أهم مصادر دعم الاقتصاد الوطني، بعدما تجاوزت الصادرات الطازجة والمصنعة نحو 3,7 مليون طن منذ بداية عام 2026، وفق البيانات الرسمية، وهو إنجاز يعكس نجاح المنظومة البحثية والإرشادية والرقابية في رفع جودة المنتج الزراعي المصري وفتح أسواق جديدة أمامه في مختلف دول العالم.
وفي تقديري، فإن مركز البحوث الزراعية لا يمثل مجرد مؤسسة بحثية، بل يمثل “عقل الدولة الزراعي”، وحائط الصد الأول في مواجهة تحديات الغذاء والمناخ والزيادة السكانية. وإذا كانت مصر قد نجحت في تحقيق طفرة غير مسبوقة على صعيد الأمن الغذائي والتنمية الزراعية، فإن الفضل بعد الله يعود إلى هؤلاء العلماء والباحثين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية حماية أمستقبل هذا الوطن، وتحويل العلم إلى قوة إنتاج، والمعرفة إلى اقتصاد، والبحث العلمي إلى أمن وطني حقيقي.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

