هل يصل مرتب الباحث وأستاذ الجامعة إلى 40 ألف جنيه في 2026؟ سؤال الكرامة قبل سؤال الأرقام

بقلم: د.أسامة بدير
مع بداية عام 2026، يفرض سؤال الأجور نفسه بقوة على طاولة النقاش العام، لا بوصفه مطلباً فئوياً ضيقاً، بل باعتباره قضية عدالة اجتماعية وتنموية تمس جوهر مستقبل الدولة المصرية. هل يمكن – وهل يجب – أن يصل الحد الأدنى لمرتب الباحثين وأساتذة الجامعات إلى 40 ألف جنيه شهرياً، مع الحفاظ على استقرار الأسعار عند مستوياتها الحالية؟ من وجهة نظري، الإجابة ليست فقط «نعم»، بل «لا بديل عن ذلك» إذا كنا نتحدث بجدية عن التنمية، والعلم، والعيش بكرامة إنسانية.
الحديث عن زيادة المرتبات دون ضبط التضخم هو حديث منقوص، بل ومضلل أحياناً. فما جدوى أي زيادة اسمية في الدخل إذا كانت الأسعار تلتهمها قبل أن تصل إلى جيب صاحبها؟ القيمة الحقيقية للأجر لا تُقاس بالرقم المكتوب في كشف المرتب، بل بقدرته على توفير حياة مستقرة وآمنة، تضمن السكن اللائق، والرعاية الصحية، والتعليم الجيد، والحد الأدنى من الأمان الاجتماعي. لذلك، فإن ربط أي زيادة في الأجور بثبات الأسعار ليس رفاهية اقتصادية، بل شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح حقيقي.
الباحثون وأساتذة الجامعات ليسوا موظفين عاديين في الجهاز الإداري للدولة، بل هم رأس المال العقلي والمعرفي للأمة. هم العقول التي تنتج المعرفة، وتدرب الأجيال، وتصنع الوعي، وتقود البحث العلمي الذي تقوم عليه الزراعة والصناعة والصحة والتكنولوجيا. هؤلاء هم مشاعل التنوير والحضارة والرقي في المجتمع المصري، وأفضل ما أنجبته مصر من عقول، ومن غير المنطقي أن يُتركوا تحت ضغط اقتصادي دائم يبدد طاقتهم ويقوض قدرتهم على الإبداع والعطاء.
إن ضعف الدخل لا يؤثر فقط على مستوى معيشة الباحث أو الأستاذ الجامعي، بل ينعكس مباشرة على جودة التعليم والبحث العلمي. القلق اليومي بشأن متطلبات الحياة الأساسية يزاحم التفكير العلمي، ويحول الرسالة الأكاديمية من مشروع حضاري إلى معركة بقاء. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن تطوير التعليم العالي أو تحسين التصنيفات الدولية للجامعات مجرد شعارات لا تسندها أرضية اجتماعية واقتصادية عادلة.
ثم إن الحفاظ على كرامة الباحث وأستاذ الجامعة ليس ترفاً أخلاقياً، بل استثماراً وطنياً طويل الأمد. الدول التي تقدمت لم تفعل ذلك إلا حين وضعت العلم والعلماء في قلب أولوياتها، وقدرتهم مادياً ومعنوياً، ووفرت لهم الاستقرار الذي يسمح بالتفكير الحر والإنتاج الخلاق. أما تجاهل هذه الحقيقة، فيفتح الباب لهجرة العقول، أو على الأقل لاستنزافها داخلياً.
ختاماً، لابد من التأكيد أن زيادة مرتبات الباحثين وأساتذة الجامعات ضرورة حتمية، وليست منحة أو استجابة ظرفية. هي حق أصيل يتسق مع قيمة الدور الذي يقومون به، ومع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
كما أن الوصول بمرتباتهم إلى حد أدنى لا يقل عن 40 ألف جنيه شهرياً، مع تثبيت الأسعار، هو الحد الأدنى لضمان حياة كريمة وآمنة لهذه الفئة، بما ينعكس إيجاباً على جودة البحث العلمي والتعليم العالي في مصر. أي زيادة بلا حماية من التضخم ستظل بلا معنى حقيقي.
وأخيراً، إذا كنا نبحث بصدق عن نهضة شاملة، فإن البداية الحقيقية تكون من احترام العلم وأهله، وترجمة هذا الاحترام إلى سياسات عادلة للأجور. فالعلم لا يزدهر في بيئة القلق، ولا تُبنى الحضارات على عقول مُرهَقة اقتصادياً، بل على عقول مطمئنة قادرة على الإبداع والتنوير.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.




ربنا يبارك في حضرتك د. أسامة حقيقة موضوع أكثر من رائع.