الأجندة الحيوانية

كيف تبني المناعة القوية للكتاكيت بعد الفقس؟ دليل الرعاية المبكرة للنجاح الإنتاجي

إعداد: أ.د.أمل بدران

أستاذ فسيولوجيا الدواجن بمعهد بحوث الانتاج الحيواني – مركز البحوث الزراعية

يتطور الجهاز المناعي في الكتاكيت حديثة الفقس تدريجيًا مع تقدم العمر، حيث يكون غير ناضج وغير مكتمل النمو، وتعتمد الكتاكيت في البداية على المناعة الأمية والأجسام المضادة التي ورثتها عبر صفار البيض (IgY)، وتبدأ في تطوير مناعتها الفطرية والتكيفية بسرعة من خلال التغذية المبكرة والميكروبات المعوية، مع أهمية توفير الاحتياجات من فيتامينات A وE لدعم هذه الاستجابة الحيوية في الأسابيع الأولى الحرجة.

ويتميز الجهاز المناعي للكتاكيت حديثة الفقس بالآتي:

1ـ الاعتماد على الأجسام المضادة الموروثة للكتكوت مثل (IgY) من الأم عبر صفار البيض، وهي خط الدفاع الأول.

2ـ مناعة فطرية في مرحلة التطور، تبدأ من خلال الخلايا الشجيرية (Dendritic Cells)، البلعميات (Macrophages)، والخلايا القاتلة الطبيعية (Natural Killer Cells – NK) بالعمل ضد مسببات الأمراض، لكنها تحتاج إلى دعم.

3ـ تطور بطيء للمناعة التكيفية (الخلايا التائية والبائية) التي تتطور ببطء وتحتاج إلى عدة أيام حتى تعمل بكفاءة، مما يجعل الكتكوت أكثر عرضة للمخاطر في مرحلة الحضانة.

4ـ ارتفاع درجة الحساسية خلال الأسابيع الأولى، إذ تكون الكتاكيت شديدة التأثر بظروف البيئة والتغذية والإجهاد.

هذا ويحتاج الجهاز المناعي ليعمل بكفاءة إلى الآتي:

1ـ التغذية المبكرة (Early Feeding): الحصول على الماء والغذاء (علف البادئ) خلال أول 48–72 ساعة يُعد أمرًا حاسمًا لنمو الميكروبات المعوية وتطور الأنسجة والأعضاء المناعية.

2ـ تكوين ميكروبات الأمعاء (Gut Microbiota): تسهم في تحفيز المناعة المرتبطة بالغشاء المخاطي للأمعاء (GALT: Gut-Associated Lymphoid Tissue)، وهي خط الدفاع المناعي الأهم وأكبر مخزون للخلايا المناعية في جسم الكتكوت، نظرًا لاحتواء الأمعاء على عدد هائل من الميكروبات (Microbiome).

3ـ الفيتامينات الداعمة للمناعة: فيتامين A ضروري لتطور ووظيفة الجهاز المناعي، بينما يعزز فيتامين E كفاءة المناعة ويقلل الالتهاب، كما يسهم كلاهما في دعم وظائف الخلايا المناعية والاستجابة المناعية المبكرة.

4ـ السينبيوتك (Synbiotics): مزيج من البروبيوتيك (Probiotics) والبريبيوتيك (Prebiotics)، يعمل على دعم البكتيريا النافعة، ورفع المناعة الخلوية والخلطية، بالإضافة إلى تعديل الميكروبيوم بشكل إيجابي وتعزيز حاجز الأمعاء المناعي والتفاعل المباشر مع الخلايا المناعية في الـ GALT.

ومن خلال هذا العرض، يُنصح المربي بضرورة توفير الظروف البيئية المناسبة، والتغذية الغنية بالفيتامينات والمغذيات الداعمة — مثل السينبيوتك — خلال الأيام الأولى بعد الفقس، إذ يُعد ذلك عاملًا أساسيًا في تقوية دفاعات الكتكوت ومساعدته على النمو الصحي، خاصة وأن جهازه المناعي يكون في مرحلة “إعادة بناء” ولا يمتلك مناعة مكتملة بعد.

تُعد الفترة التالية للفقس مرحلة حاسمة في حياة الكتكوت، حيث تتحدد خلالها كفاءة الجهاز المناعي وقدرته على التكيف مع العوامل المحفزة للمناعة في البيئة (Environmental Immune Modulators). ومع انتقال الكتكوت من بيئة البيضة المغلقة إلى عالم خارجي مليء بالتحديات الميكروبية والضغوط الفسيولوجية (Physiological Stress)، يحدث تداخل بين المناعة الأمية (Maternal Immunity) والمناعة الفطرية (Innate Immunity) والمكتسبة (Adaptive Immunity)، مما يؤدي إلى تكوين استجابة مناعية متكاملة تدعم بقاء ونمو الكتكوت خلال المرحلة المبكرة من حياته.

خلال الأيام الأولى بعد الفقس، يعتمد الكتكوت على المناعة الأمية (Maternal Immunity) كمظلة حماية مبكرة، حيث تنتقل الأجسام المضادة من الأم إلى البيضة أثناء تكوينها، وتشمل هذه الأجسام المضادة IgY في صفار البيضة، والتي تشكل الغالبية العظمى من المناعة الأمية وتُمتص عبر كيس المحّ (Yolk Sac) إلى الدورة الدموية للكتكوت، موفرة حماية شاملة في الأيام الأولى بعد الفقس. وتشمل أيضًا IgA وIgM في بياض البيضة وتساهم في الحماية المخاطية المبكرة (Early Mucosal Protection) في الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي العلوي.

تؤدي المناعة الأمية دورًا حيويًا في حماية الكتكوت خلال الأيام الأولى، لكنها مناعة سلبية مؤقتة (Passive Immunity)، حيث تبدأ بالتلاشي تدريجيًا بعد حوالي 7–14 يومًا من الفقس، مع زيادة الاعتماد على المناعة الذاتية النامية (Self-Developed Immunity). إن هذا التراجع التدريجي يجعل الكتكوت أكثر عرضة للمستضدات البيئية، مما يبرز أهمية الرعاية البيئية والتغذية المبكرة، ويهيئ للانتقال السلس إلى المرحلة التالية وهي المناعة الفطرية.

ومع تراجع تأثير المناعة الأمية، تبدأ المناعة الفطرية (Innate Immunity) في تولي الدور الدفاعي المبكر، وتعد خط الدفاع الأول، وتعمل بشكل سريع وغير نوعي للتصدي للمستضدات قبل أن تكتمل الاستجابة المناعية المكتسبة.

تشمل مكونات المناعة الفطرية Phagocytes، Macrophages، Natural Killer Cells، إضافة إلى مستقبلات التعرف على الأنماط الميكروبية (Pattern Recognition Receptors, PRRs)، التي تساعد على التعرف المبكر على العوامل الممرضة وتحفيز الاستجابة المناعية. تعمل هذه المنظومة على حماية الكتكوت أثناء فترة الانتقال من المناعة الأمية، كما تمهد الطريق لنضج المناعة المكتسبة (Adaptive Immunity).

مع تقدم العمر، تبدأ المناعة المكتسبة (Adaptive Immunity) بالنضج التدريجي، وهي مرحلة بناء الاستجابة المتخصصة، وتتميز بالدقة والتخصص والقدرة على تكوين ذاكرة مناعية، وتنقسم إلى:

ـ المناعة الخلطية (Humoral Immunity): تعتمد على الخلايا البائية (B Lymphocytes) وخلايا البلازما (Plasma Cells) لإنتاج الأجسام المضادة IgY – IgA – IgM، التي توفر حماية متخصصة ضد المستضدات المحددة.

ـ المناعة الخلوية (Cell-mediated Immunity): تعتمد على الخلايا التائية المساعدة (T Helper Cells) والخلايا التائية السامة (Cytotoxic T Cells)، وهي ضرورية لمواجهة العوامل الممرضة داخل الخلايا وتنظيم شدة الاستجابة المناعية.

ونتيجة للتفاعل بين المناعة الفطرية والمكتسبة، يحدث انتقال سلس من الاعتماد على المناعة الأمية إلى الاستجابة المناعية الذاتية الفعالة، وهو ما يحدد كفاءة الجهاز المناعي واستقراره.

هذا وتتطور المناعة المكتسبة والفطرية بموازاة نمو الأعضاء المناعية، حيث تلعب هذه الأعضاء دورًا محوريًا في القدرة الدفاعية للكتاكيت خلال الأسابيع الأولى. وتنقسم الأعضاء المناعية إلى:

الأعضاء المناعية الأولية (Primary Lymphoid Organs)

ـ جراب فابريشيوس (Bursa of Fabricius): العضو اللمفاوي الأساسي المسؤول عن نضج وتمايز الخلايا الليمفاوية البائية (B cells) في الطيور، ويشبه في وظيفته نخاع العظام في الثدييات فيما يخص إنتاج الخلايا البائية. يبدأ تكوينه مبكرًا في الحياة الجنينية ابتداءً من اليوم الرابع من التفريخ، ويكتمل نموه في اليوم العشرين، ويبدأ نشاطه في تكوين الخلايا البائية. يصل حجمه ووزنه النسبي إلى ذروته عادة بين 2–3 أسابيع بعد الفقس، بعدها يبدأ بالضمور تدريجيًا.

ـ الغدة التيموسية (Thymus gland): تبدأ تكوينها مبكرًا جدًا في المرحلة الجنينية، وتصل إلى ذروة نشاطها بعد الفقس مباشرة، وهي العضو المركزي المسؤول عن تطوير المناعة الخلوية وإنتاج أعداد هائلة من الخلايا التائية لحماية الكتكوت في أيامه الأولى. تقع في الجهة الأمامية من الصدر وتمتد أعلى الرقبة حتى تصل إلى الغدة الدرقية، ويختلف حجمها باختلاف العمر، بعد البلوغ تبدأ بالضمور وتستبدل بقشرة دهنية، مع بقاء بقايا منها في الحيوانات الكبيرة.

الأعضاء المناعية الثانوية (Secondary Lymphoid Organs)

ـ الطحال (Spleen): مركز رئيسي للاستجابة المناعية الجهازية، يصل إلى ذروة النشاط عند عمر 4–5 أسابيع. يعمل على ترشيح الدم وإزالة العوامل الممرضة، وتكاثر الخلايا الليمفاوية، وتنشيط الخلايا البائية والتائية بعد التعرض للمستضدات، والمشاركة في إنتاج الأجسام المضادة.

ـ النسيج الليمفاوي المرتبط بالأمعاء (Gut-Associated Lymphoid Tissue; GALT): يمثل خط الدفاع الأول ضد مسببات الأمراض المعوية والسموم الميكروبية. تستقر أعداد الخلايا التائية عند عمر 4–5 أسابيع، مما يدل على اكتمال النضج المناعي المعوي وجاهزية الجهاز المناعي المخاطي.

ـ غدة هارديريان (Harderian gland): تقع خلف العين، وتعد عنصرًا أساسيًا في المناعة المخاطية للعين، وإنتاج خلايا البلازما، وإفراز الأجسام المضادة IgA – IgM، وتلعب دورًا مهمًا في الاستجابة للقاحات المعطاة عبر العين والحماية من عدوى الجهاز التنفسي العلوي.

ـ بقع باير (Peyer’s patches): تظهر بعد الفقس بفترة وجيزة، وتصل إلى الاكتمال الوظيفي خلال 6 أسابيع، وتعد مراكز متخصصة في التقاط المستضدات المعوية وعرضها على الخلايا التائية والبائية وبدء الاستجابة المناعية المخاطية.

ـ لوزتا الأعور (Cecal tonsils): أحد أهم مواقع تركيز الخلايا البائية والتائية، وتشارك في تكوين الأجسام المضادة IgA وIgG والاستجابة ضد عدوى الأمعاء، ظهورها عند عمر 10 أيام يعكس التوافق مع بداية التعرض البكتيري في البيئة.

ـ الغدة الصنوبرية (Pineal gland): تبلغ ذروة نشاطها المناعي عند عمر 32 يومًا، وترتبط بزيادة مقاومة الإجهاد الحراري وتحسن الكفاءة المناعية العامة، كما تدعم الإيقاع اليومي (Circadian rhythm) والوظائف المناعية عبر هرمون الميلاتونين.

نضج هذه الأعضاء يتزامن مع الانتقال التدريجي من المناعة الأمية إلى المناعة الذاتية، مما يبرز أهمية فترة الحضانة المبكرة (Early Brooding Period) في دعم نمو الجهاز المناعي ووظائفه.

تؤثر جودة الرعاية البيئية والتغذية المبكرة بشكل مباشر على تطور الجهاز المناعي في الكتاكيت، حيث تلعب الظروف المحيطة أثناء فترة الحضانة المبكرة دورًا محوريًا في تشكيل استجابة مناعية متكاملة. استقرار درجة الحرارة وجودة التهوية وانخفاض مستويات الأمونيا يسهم في تقليل العبء الالتهابي، مما يسمح للجهاز المناعي بالنضج بسرعة وكفاءة أكبر.

كما أن التغذية المبكرة المتوازنة، التي تحتوي على العناصر الدقيقة، الأحماض الأمينية الأساسية، والفيتامينات، تدعم تخليق البروتينات الحيوية ومسارات الإشارات الخلوية المرتبطة بالاستجابات المناعية، وبالتالي تعزيز قدرة الكتكوت على مواجهة التحديات الميكروبية. كما يلعب الأمن الحيوي والتحصين دورًا مهمًا في الحد من تعرض الكتاكيت للمستضدات الممرضة خلال هذه المرحلة الحرجة، مما يقلل النفوق المبكر ويضمن انتقالًا سلسًا من المناعة الأمية إلى المناعة الذاتية النامية، مع تعزيز فعالية البرامج التحصينية وتكوين جهاز مناعي متوازن وفعال.

الأثر الإنتاجي والاستدامة

تشير الدراسات إلى أن الكتاكيت التي تُرعى بعناية خلال الأسابيع الأولى بعد الفقس، مع الالتزام بممارسات الرعاية المثلى والتحصين والتغذية المتوازنة، تحقق استجابة مناعية أعلى ونموًا أكثر استقرارًا. هذا التطور المناعي المبكر يحسن الصحة العامة ويقلل من معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالإجهاد والاضطرابات المعوية، ويزيد من كفاءة استهلاك العلف والمياه، ويحسن جودة المنتجات النهائية مثل اللحم والبيض.

وبالتالي تصبح فترة ما بعد الفقس مرحلة استراتيجية في الإنتاج الداجني، حيث تُحوَّل الرعاية المبكرة إلى استثمار طويل الأمد في صحة الجهاز المناعي، يضمن تربية مستدامة تجمع بين الكفاءة الصحية والجدوى الاقتصادية، مع تقليل المخاطر المرضية وتحقيق أعلى مستويات الرفاهية للقطيع.

توصيات عملية لتحسين الأداء الإنتاجي

1ـ التحكم الدقيق في بيئة التحضين مثل التهوية والرطوبة، واستخدام تقنية التغذية المبكرة مع توفير الماء والعلف باستمرار، والتحصينات في المعاد المناسب.

2ـ تعزيز المناعة الطبيعية عبر استخدام البروبيوتيك والبريبيوتيك مثل السكريات قليلة التعدد MOS وFOS، إلى جانب استخدام السينبيوتك، لتحسين تكوين الميكروبيوم وتعزيز المناعة الخلوية والخلطية وحاجز الأمعاء.

3ـ الحد من عوامل الإجهاد.

4ـ المراقبة والتقييم المستمر.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى