قرار غلق المحال والمقاهي يعيد تشكيل وعي المجتمع وينعش الاقتصاد

بقلم: د.أسامة بدير
في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتصاعدة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد الضغوط على موارد الدولة، يأتي قرار الحكومة بشأن تنظيم مواعيد عمل المحال التجارية والمولات والمطاعم كخطوة تستحق الإشادة والدعم، باعتباره توجهاً عملياً لترشيد استهلاك الكهرباء وإعادة ضبط منظومة الاستهلاك داخل المجتمع.
أعتقد أن هذا القرار لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً مؤقتاً مرتبطًا بظرف طارئ فحسب، بل يجب التعامل معه كمدخل مهم لإعادة تشكيل السلوك العام فيما يتعلق باستخدام الطاقة، وتنظيم ساعات النشاط التجاري بما يحقق التوازن بين احتياجات السوق ومتطلبات الاقتصاد الوطني.
ففي العديد من دول العالم، لا تمتد ساعات عمل المحال والمطاعم والمقاهي حتى ساعات الفجر الأولى بشكل يومي، بل هناك نظم صارمة وواضحة تحدد أوقات العمل والإغلاق، بما يضمن كفاءة تشغيل الموارد، وتقليل الهدر في الطاقة، وتحقيق الانضباط في دورة النشاط الاقتصادي. ومن هنا فإن إعادة النظر في أنماط التشغيل داخل المجتمع المصري باتت ضرورة وليست رفاهية.
يقني أن استمرار بعض الأنشطة التجارية حتى ساعات متأخرة من الليل أو الفجر يفرض أعباء إضافية على شبكات الكهرباء، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الاستهلاك في أوقات الذروة غير المبررة، وهو ما يمكن تنظيمه بشكل أكثر كفاءة دون الإضرار بحركة التجارة أو مصالح أصحاب الأعمال، بل على العكس، قد يسهم في رفع كفاءة التشغيل وتقليل التكاليف.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وتقلبات أسواق الطاقة عالمياً، يصبح ترشيد الاستهلاك خياراً استراتيجياً لا بديل عنه، لضمان استقرار الاقتصاد الوطني وحماية الموارد من الاستنزاف. ومن المهم أن يُنظر إلى هذا القرار كجزء من منظومة أوسع تستهدف تعزيز كفاءة استخدام الطاقة وليس مجرد إجراء إداري مؤقت.
كما أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام مراجعة شاملة لأنماط الحياة اليومية داخل المجتمع، وإعادة توظيف الوقت بشكل أكثر إنتاجية، بما يشجع على الانضباط في العمل، وتنظيم النشاط التجاري والسياحي، وتوجيه الاستهلاك نحو مسارات أكثر عقلانية واستدامة.
إن التغيير الحقيقي لا يقتصر على السياسات الحكومية فقط، بل يمتد إلى وعي المجتمع وسلوكياته. فترشيد الطاقة يبدأ من المنزل، ومن المحل التجاري، ومن نمط الاستهلاك اليومي، وهو ما يتطلب تكاتف الجميع لتكريس ثقافة جديدة قوامها الانضباط والكفاءة وعدم الهدر.
وفي هذا السياق، تبرز بعض الأصوات النشاذ التي تهاجم القرار بحجج واهية لا تستند إلى منطق اقتصادي أو واقع عملي، وتدعي أن القطاع السياحي سيتأثر سلباً جراء تنظيم مواعيد عمل المحال والمطاعم والمقاهي. وهي ادعاءات مردود عليها، بل ويمكن تفنيدها بسهولة، إذ إن هذه الطروحات تتجاهل طبيعة السائح نفسه، الذي يأتي من دول تعتمد نظماً صارمة ومنظمة في ساعات العمل والإغلاق، حيث لا وجود للفوضى أو الامتداد غير المحدود للنشاط التجاري حتى ساعات الفجر كما هو الحال في بعض المناطق.
كما أن الحديث عن تأثر السياحة بهذا القرار يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الدول المتقدمة سياحياً واقتصادياً لا تعرف هذا النمط العشوائي في تشغيل الأنشطة التجارية، بل تقوم على الانضباط والالتزام بمواعيد واضحة تحفظ حق العامل في الراحة، وتضمن انتظام دورة الحياة اليومية. فكيف يمكن لمجتمع أن يحقق إنتاجية حقيقية في ظل استمرار الأنشطة حتى ساعات الصباح الأولى، بما يخل بنظام النوم والعمل ويؤثر سلباً على كفاءة الأفراد والإنتاج؟ إن إعادة الانضباط إلى هذا النمط لا تمثل تقييداً، بل تمثل خطوة نحو رفع الكفاءة وتحسين جودة الحياة وتعزيز الإنتاج الوطني.
وفي النهاية، فإن دعم مثل هذه القرارات لا يعني التضييق على النشاط الاقتصادي، بل يعكس توجهاً نحو إعادة تنظيمه بما يخدم المصلحة العامة، ويعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات، ويؤسس لمرحلة أكثر استدامة في إدارة الموارد. كما يسهم في تحقيق التوازن بين احتياجات المواطن ومتطلبات الاقتصاد الوطني، فضلاً عن توفير بيئة اجتماعية وصحية أكثر استقراراً، تضمن الأمن والراحة والطمأنينة، وتشجع على الالتزام بالنوم المبكر، بما ينعكس إيجاباً على صحة الإنسان وجودة حياته.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



