زيادة مرتبات أساتذة الجامعات والباحثين.. هل تنهي الـ5000 جنيه سنوات الانتظار وتحقق حلم الحياة الكريمة؟

بقلم: د.أسامة بدير
ساعات قليلة باتت تفصلنا عن إسدال الستار على واحد من أكثر الملفات التي شغلت أساتذة الجامعات والباحثين بالمراكز البحثية على مدار سنوات طويلة، وهو ملف تحسين الأوضاع المالية وزيادة المرتبات، الذي تصاعدت المطالب بشأنه بصورة لافتة خلال الأشهر القليلة الماضية، وسط ترقب واسع لما ستعلنه الحكومة رسمياً خلال المؤتمر الصحفي المرتقب.
وتتداول أنباء غير رسمية أن الزيادة المنتظرة قد تصل إلى 5000 جنيه، تُضاف إلى مستحقات أعضاء هيئة التدريس والباحثين بمختلف الدرجات العلمية، دون خضوعها للضرائب أو الخصومات، على أن تُصرف على مرحلتين؛ الأولى بقيمة 2500 جنيه بأثر رجعي اعتباراً من يوليو 2026، والثانية بالقيمة نفسها اعتباراً من يوليو 2027، مع بداية العام المالي المقبل.
وبداية، أؤكد أن مجرد تحرك الدولة لفتح هذا الملف ووضعه على طاولة المناقشات الحكومية يمثل خطوة مهمة تستحق التقدير، خاصة أن الحديث هنا لا يتعلق بمجرد زيادة مالية لفئة وظيفية بعينها، وإنما يتعلق بمستقبل البحث العلمي والتعليم الجامعي وقدرة المؤسسات العلمية المصرية على أداء رسالتها في ظل تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا أعلنت الحكومة رسمياً هذه الزيادة، فهل تكون قد لبّت بالفعل طموحات أساتذة الجامعات والباحثين؟ وهل تستطيع زيادة بقيمة 5000 جنيه، موزعة على عامين، أن تُحدث تحولاً حقيقياً في مستوى المعيشة لهم ولأسرهم؟ وهل تكفي لتوفير الحد الأدنى من الاستقرار المادي والنفسي الذي يحتاجه الأستاذ الجامعي والباحث لكي يتفرغ لرسالته العلمية؟
أنا أرى أن القضية أكبر من مجرد 5000 جنيه! فالأستاذ الجامعي الذي أفنى سنوات عمره في التعليم والبحث والتأليف والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، والباحث الذي قضى عمره بين المعامل والتجارب والحقول والمحطات البحثية، لا ينبغي أن يظل أسير حسابات تدبير احتياجاته الأساسية، أو أن يصبح همه الأكبر البحث عن مصدر دخل إضافي يعينه على مواجهة أعباء الحياة.
والشاهد بالنسبة لي أن الباحث الذي لا يجد الاستقرار المادي الكافي، ويضطر إلى استنزاف وقته وجهده في أعمال إضافية لتوفير متطلبات أسرته، لن يستطيع أن يمنح البحث العلمي كل ما يستحقه من وقت وتركيز وإبداع. وهذه ليست مشكلة فردية تخص الباحث وحده، بل قضية تمس كفاءة المنظومة العلمية بأكملها.
وأعتقد أن تحسين دخول أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والباحثين بالمراكز البحثية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره عبئاً على الموازنة العامة للدولة، بل استثماراً طويل الأجل في العقول والخبرات الوطنية. فالدول التي نجحت في تحقيق نهضتها لم تفعل ذلك إلا عندما أدركت أن الاستثمار في الإنسان والعلم والابتكار هو الطريق الأكثر ضماناً لبناء اقتصاد قوي وقادر على المنافسة.
وهنا أطرح سؤالًا آخر أكثر أهمية: ماذا ننتظر من الأستاذ الجامعي والباحث؟ ننتظر منه أن يبتكر، ويطور، وينشر أبحاثاً علمية ذات قيمة، ويقدم حلولًا لمشكلات المجتمع، ويسهم في تطوير الصناعة والزراعة والصحة والطاقة، ويصنع أجيالاً جديدة قادرة على قيادة المستقبل. لكن هل يمكن أن نطالبه بكل ذلك دون أن نوفر له المقابل المادي الذي يحفظ كرامته ويحقق له الاستقرار النفسي والاجتماعي؟
يقيني أن النهوض بالبحث العلمي لا يتحقق بمجرد زيادة مخصصات المعامل أو شراء الأجهزة الحديثة، رغم أهمية ذلك، وإنما يبدأ بالإنسان الذي يستخدم هذه الأجهزة، ويصمم التجارب، ويحلل النتائج، ويحول المعرفة إلى تطبيقات تخدم المجتمع والاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإنني أرى أن الزيادة المرتقبة، إذا تأكدت رسمياً، يجب أن تكون بداية لمسار مستمر لتحسين الأجور، وليست نهاية المطالب أو تسوية مؤقتة لملف ظل مفتوحاً لسنوات. كما أتطلع إلى أن تضع الحكومة تصوراً واضحًا لآليات الزيادات المستقبلية، بما يضمن تناسب دخول أعضاء هيئة التدريس والباحثين مع سنوات الخبرة والدرجات العلمية والمسؤوليات البحثية والأكاديمية.
وأؤكد كذلك أن من الضروري ألا تتوقف جهود الإصلاح عند زيادة المرتبات، بل تمتد إلى توفير تمويل كافٍ للمشروعات البحثية، وتحديث المعامل، وتيسير المشاركة في المؤتمرات العلمية الدولية، ودعم النشر العلمي، وربط نتائج الأبحاث باحتياجات الصناعة والإنتاج، بما يمنح الباحث فرصة حقيقية لتحويل أفكاره إلى إنجازات ملموسة.
وفي النهاية.. أنا أرى أن أساتذة الجامعات والباحثين لا يطلبون امتيازات استثنائية، ولا يسعون إلى الحصول على ما يفوق حقوقهم، وإنما يطالبون بتقدير حقيقي لقيمة العلم وأصحابه، وبمستوى دخل يتناسب مع مكانتهم ومسؤولياتهم وما ينتظره المجتمع منهم.
وإذا كانت الدولة تطمح إلى بناء الجمهورية الجديدة على أسس العلم والمعرفة والابتكار، فإن أولى خطوات تحقيق هذا الهدف أن يشعر العلماء والباحثون بأن الدولة تقدرهم، وتؤمن بدورهم، وتوفر لهم حياة كريمة تليق بما يقدمونه للوطن.
رسالتي للحكومة: لا تجعلوا زيادة المرتبات مجرد رقم يُعلن في مؤتمر صحفي، بل اجعلوها بداية حقيقية لاستعادة المكانة الاقتصادية والاجتماعية لأستاذ الجامعة والباحث المصري. فهؤلاء ليسوا مجرد موظفين يتقاضون رواتب شهرية، وإنما عقول تصنع المستقبل، واستثمار الدولة فيهم هو استثمار في مستقبل مصر بأكمله.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


