رأى

حين يتغير عقل المزارع.. يتغير وجه الريف

الإرشاد الزراعي والتنمية البشرية.. من نقل المعرفة إلى صناعة التغيير

بقلم: أ.د.كرم يوسف عازر يوسف

رئيس قسم بحوث البرامج الإرشادية بمعهد بحوث الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية – مركز البحوث الزراعية

لم يعد تطوير الريف مرهونًا فقط بتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي، أو استنباط أصناف جديدة من التقاوي، أو إدخال تقنيات حديثة إلى الحقول؛ فكل هذه الجهود، على أهميتها، تظل محدودة الأثر إذا لم يصاحبها الاستثمار في الإنسان نفسه. فالإنسان الريفي هو محور عملية التنمية، وهو في الوقت ذاته المستفيد منها والقادر على تحويل أدواتها ومعارفها إلى واقع ملموس.

ومن هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين الإرشاد الزراعي والتنمية البشرية، باعتبارهما جناحين أساسيين لإحداث تغيير حقيقي ومستدام في سلوك الريفيين، ليس فقط في ممارساتهم الزراعية، وإنما أيضًا في طريقة تفكيرهم، وقدرتهم على اتخاذ القرار، وتقبلهم للابتكار، وإدارتهم للموارد، وتعاملهم مع مشكلات مجتمعهم.

الإرشاد الزراعي.. من نقل المعلومة إلى صناعة السلوك

لفترة طويلة، ارتبط مفهوم الإرشاد الزراعي في أذهان البعض بنقل التوصيات الزراعية إلى المزارعين، وإرشادهم إلى مواعيد الزراعة والري والتسميد ومكافحة الآفات. ورغم أهمية هذه الوظيفة، فإن الإرشاد الزراعي المعاصر أصبح أكثر اتساعًا وعمقًا.

فالمهمة الحقيقية للإرشاد ليست أن يقول للمزارع ماذا يفعل فقط، وإنما أن يساعده على أن يفهم لماذا يفعل، وكيف يفعل، ومتى يغير ما يفعله.

وهنا يتحول المرشد الزراعي من مجرد ناقل للمعلومة إلى ميسر للتغيير، ومن مقدم للتوصية إلى شريك للمزارع في التفكير واتخاذ القرار.

فالمزارع الذي يقتنع بأهمية ترشيد استخدام المياه، ويعرف تأثير الإسراف في استخدام الأسمدة والمبيدات، ويدرك القيمة الاقتصادية لتطبيق الممارسات الزراعية السليمة، يكون أكثر قدرة على تحويل المعرفة إلى سلوك مستدام.

التنمية البشرية.. الحلقة المفقودة في تغيير السلوك

لا يمكن أن نطلب من الإنسان أن يغير سلوكه دون أن نعمل أولًا على تطوير قدراته.

فالتنمية البشرية في الريف تعني بناء مجموعة متكاملة من القدرات: التفكير، والتعلم، والابتكار، والتخطيط، وإدارة الموارد، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي، والتواصل، والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة.

وعندما يمتلك الريفي هذه القدرات، يصبح أكثر استعدادًا للتغيير وأكثر قدرة على الاستفادة من المعرفة الزراعية.

فالمزارع الذي يمتلك مهارات التخطيط يستطيع أن يختار المحصول المناسب للسوق، والذي يمتلك مهارات إدارة الموارد يستطيع استخدام المياه والأسمدة بصورة أكثر كفاءة، والذي يمتلك القدرة على تحليل المعلومات يصبح أقل اعتمادًا على الموروثات الخاطئة وأكثر استعدادًا لتبني الممارسات العلمية.

وبذلك تصبح التنمية البشرية ليست نشاطًا منفصلًا عن الإرشاد الزراعي، وإنما مكونًا أساسيًا من مكونات العملية الإرشادية الحديثة.

تغيير السلوك.. معركة تبدأ من العقل

إن تغيير السلوك الريفي ليس مهمة سهلة؛ لأن السلوك الزراعي يرتبط بعوامل عديدة، من بينها الخبرة المتراكمة، والعادات والتقاليد، والثقافة السائدة، والتجارب السابقة، والظروف الاقتصادية، وتأثير الجيران والأقارب، والثقة في مصادر المعلومات.

ولهذا فإن تقديم توصية صحيحة لا يعني بالضرورة أن المزارع سوف يطبقها.

قد يعرف المزارع أن استخدام كمية معينة من المياه أكثر كفاءة، ولكنه لا يغير طريقة الري. وقد يعرف أهمية استخدام التقاوي المعتمدة، لكنه يفضل التقاوي التي اعتاد عليها. وقد يدرك مخاطر الاستخدام العشوائي للمبيدات، لكنه يستمر في الممارسة نفسها.

وهنا تظهر أهمية الإرشاد الزراعي القائم على فهم السلوك قبل محاولة تغييره.

فالمطلوب ليس مجرد زيادة المعلومات، وإنما الانتقال من مرحلة المعرفة إلى الاقتناع، ومن الاقتناع إلى التجربة، ومن التجربة إلى الممارسة، ومن الممارسة إلى السلوك المستدام.

القدوة والمشاركة.. أقصر الطرق إلى التغيير

من أهم أدوات تغيير السلوك في المجتمعات الريفية أن يرى المزارع نتائج التغيير أمام عينيه.

فالحقل الإرشادي الناجح، والمزارع الرائد، والتجربة التطبيقية، والنموذج المحلي الناجح، قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات المحاضرات النظرية.

عندما يرى المزارع جاره يطبق تقنية جديدة ويحقق إنتاجية أفضل أو يخفض تكاليف الإنتاج، يصبح أكثر استعدادًا للتجربة.

ومن هنا تأتي أهمية الحقول الإرشادية والمدارس الحقلية والمزارعين الرواد والتعلم بالممارسة، باعتبارها أدوات قادرة على تحويل المعرفة المجردة إلى خبرة حية يمكن للمزارع أن يراها ويختبرها ويقتنع بها.

المرأة والشباب.. قوة لا ينبغي أن تغيب عن المشهد

ولا يمكن الحديث عن تغيير السلوك في الريف دون الالتفات إلى المرأة الريفية والشباب.

فالمرأة ليست فقط شريكًا في الحياة الريفية، وإنما هي في كثير من الأحيان عنصر مؤثر في القرارات المتعلقة بالغذاء والصحة وإدارة المنزل وتربية الأبناء وبعض الأنشطة الإنتاجية.

أما الشباب، فهم الأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا والمنصات الرقمية والابتكار وريادة الأعمال، ولذلك فإن الاستثمار في قدراتهم يمكن أن يحولهم من مجرد باحثين عن فرص عمل إلى صناع لفرص جديدة داخل مجتمعاتهم الريفية.

ومن هنا يجب أن تتوسع البرامج الإرشادية لتشمل مهارات ريادة الأعمال، والتسويق، والتصنيع الغذائي، والإدارة المالية، والتكنولوجيا الرقمية، والعمل الحر، إلى جانب المهارات الزراعية التقليدية.

الإرشاد الرقمي.. فرصة جديدة لصناعة التغيير

لقد فرض التحول الرقمي واقعًا جديدًا على العمل الإرشادي.

فالمزارع اليوم يستطيع الوصول إلى المعلومات من خلال الهاتف المحمول، ومنصات التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الزراعية، والفيديوهات التعليمية، والخدمات الرقمية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير المعلومات فقط، وإنما في جودة هذه المعلومات ومصداقيتها وقدرة المزارع على اختيار المناسب منها.

ومن هنا يجب أن يتحول الإرشاد الزراعي إلى منظومة تجمع بين التواصل المباشر والرقمي، بحيث لا يحل الهاتف محل المرشد، ولا تحل المنصة الرقمية محل الحقل، وإنما تتكامل الأدوات جميعًا لخدمة المزارع.

من «إرشاد المزارع» إلى «تمكين الإنسان الريفي»

إن مستقبل الإرشاد الزراعي يجب أن ينتقل من فلسفة إرشاد المزارع إلى فلسفة أوسع، هي تمكين الإنسان الريفي.

فالهدف ليس فقط أن ينتج المزارع محصولًا أفضل، وإنما أن يصبح أكثر قدرة على إدارة مشروعه، وفهم السوق، والتعامل مع المخاطر، واستخدام التكنولوجيا، واتخاذ القرارات، والعمل مع الآخرين، والمشاركة في حل مشكلات مجتمعه.

وعندما يتحول المزارع من متلقٍ للتوصية إلى شريك في صناعة القرار، تبدأ التنمية الحقيقية.

التنمية تبدأ عندما يتغير الإنسان

لقد أثبتت تجارب التنمية في مختلف المجتمعات أن المشروعات مهما بلغت تكلفتها، والتقنيات مهما بلغت حداثتها، لا تستطيع وحدها صناعة التنمية المستدامة.

فالآلة تحتاج إلى إنسان يعرف كيف يستخدمها، والتكنولوجيا تحتاج إلى إنسان قادر على توظيفها، والمعلومة تحتاج إلى عقل يستطيع تحليلها، والموارد تحتاج إلى إنسان يحسن إدارتها.

ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان الريفي هو الاستثمار الأكثر عائدًا واستدامة.

إن الإرشاد الزراعي عندما يرتبط بالتنمية البشرية يتحول من جهاز لنقل التوصيات إلى قوة اجتماعية قادرة على صناعة التغيير. وعندما يتعلم الريفي كيف يفكر، وكيف يخطط، وكيف يختار، وكيف يبتكر، فإننا لا نغير ممارسة زراعية واحدة فحسب، بل نضع أساسًا لتغيير أوسع في الأسرة والمجتمع والاقتصاد الريفي.

وفي النهاية، فإن معركة التنمية الزراعية ليست معركة تقنيات فقط، وإنما هي في جوهرها معركة وعي وسلوك وقدرة على الاختيار.

وإذا كان الحقل هو المكان الذي نزرع فيه البذور، فإن الإنسان هو الحقل الأكبر الذي يجب أن نزرع فيه المعرفة والوعي والمهارة والقيم.

فحين يتغير الإنسان.. يتغير سلوكه، وحين يتغير السلوك.. تتغير الممارسة، وحين تتغير الممارسة.. يبدأ الريف في صناعة مستقبله.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى