القرصنة الحيوية: الخطر الصامت الذي يهدد الغذاء والصحة ويستنزف الاقتصاد العالمي

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
ما القرصنة الحيوية؟
القرصنة الحيوية (Biopiracy / Cyber-Biosecurity) ليست مجرد قرصنة كمبيوتر عادية، بل هي تهديد معقد يجمع بين التكنولوجيا الرقمية والعلوم الحيوية. تحدث عندما تُستهدف الأنظمة الرقمية التي تتحكم في البيانات والأنشطة البيولوجية (مثل قواعد بيانات الجينات، نظم تصنيع الأدوية، أو مختبرات البيوتكنولوجيا) بهدف سرقة المعلومات أو العبث بها أو استخدامها بطرق غير مشروعة. تشمل هذه التهديدات:
-
سرقة أو تزييف بيانات الجينوم أو المعلومات الصحية الحساسة.
-
اختراق أنظمة مختبرات بيولوجية مرتبطة بشبكة الإنترنت.
-
تعطيل عمليات تصنيع أدوية حيوية أو لقاحات.
-
التلاعب في بيانات الأبحاث العلمية الحساسة.
الأمن السيبراني أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن البيولوجي، لأن معظم المؤسسات البيولوجية اليوم تعتمد على الأنظمة الرقمية في تشغيل معداتها وتخزين بياناتها.
ما تاريخ القرصنة الحيوية؟
ظهر مصطلح القرصنة الحيوية لأول مرة في تسعينيات القرن العشرين، لكنه لم ينشأ فجأة، بل كان نتيجة مسار طويل من التداخل بين العلم والاقتصاد والتكنولوجيا. في بداياته، كان المفهوم يُستخدم لوصف استغلال الموارد البيولوجية والمعارف التقليدية، خاصة في الدول النامية، من قبل شركات أو مؤسسات في الدول المتقدمة دون تعويض عادل، مثل تسجيل براءات اختراع لنباتات طبية أو مركبات طبيعية استُخدمت تقليديًا منذ قرون.
ومع مطلع الألفية الجديدة، شهد العالم طفرة هائلة في التقنيات الحيوية والرقمنة، مثل تسلسل الجينوم البشري، وقواعد البيانات الوراثية، والمختبرات المؤتمتة المتصلة بالإنترنت. عند هذه النقطة، بدأ مفهوم القرصنة الحيوية يتوسع ليشمل بعدًا جديدًا أكثر تعقيدًا، وهو القرصنة الحيوية الرقمية، حيث أصبحت البيانات الجينية والأبحاث البيولوجية أهدافًا محتملة للهجمات السيبرانية.
بعد عام 2010، ومع ازدياد الاعتماد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في علوم الحياة، تصاعدت المخاوف من إمكانية اختراق مختبرات أو سرقة بيانات جينية أو التلاعب في نتائج أبحاث حيوية حساسة. وخلال جائحة كوفيد-19، بلغت هذه المخاوف ذروتها، إذ سُجلت محاولات اختراق استهدفت شركات أدوية ومراكز أبحاث تعمل على تطوير اللقاحات، ما لفت أنظار الحكومات والمؤسسات الدولية إلى خطورة هذا النوع من التهديدات.
اليوم، تُعد القرصنة الحيوية أحد التحديات الحديثة للأمن العالمي، لأنها تمس الصحة والاقتصاد والبحث العلمي في آن واحد، وتكشف كيف يمكن للتقدم العلمي غير المحمي أن يتحول من أداة للإنقاذ إلى نقطة ضعف استراتيجية.
كيف تنعكس القرصنة الحيوية على الاقتصاد؟
-
تهديد بيانات وملكية فكرية حيوية
شبكات البيانات البيولوجية تحتوي على معلومات عالية القيمة مثل بيانات الجينوم وملفات الأبحاث الطبية وتقنيات تصنيع الأدوية. إذا سُرقت هذه المعلومات أو تلاعب بها، فإن الشركات قد تواجه:
-
خسائر مالية ضخمة.
-
تأخير الأبحاث.
-
فقدان ميزة تنافسية.
وقد تبين أن الهجمات السيبرانية على الشركات البيولوجية يمكن أن تُكلف الشركات مليارات الدولارات، كما حدث مع بعض هجمات الفدية الكبرى في قطاعات مشابهة، مثل هجوم NotPetya الذي كلف شركة أدوية ما يقارب مليار دولار كتكاليف مباشرة بسبب توقف الإنتاج والأضرار الداخلية.
-
تعطيل سلسلة الإمداد الحيوي
القطاع البيولوجي يتداخل مع قطاعات أخرى مثل:
-
الصناعات الدوائية.
-
الزراعة والغذاء.
-
الرعاية الصحية.
إذا استُهدف نظام إلكتروني يشرف على مصانع أدوية أو مختبرات تصنيع لقاحات، فإن تعطله يمكن أن يؤدي إلى نقص في الإمدادات الحيوية ويؤثر على الأسواق واستقرار الأسعار، وقد ينعكس ذلك في انخفاض الإنتاجية وربما خسائر مالية واسعة للمؤسسات المتضررة.
التقاطع بين القرصنة الرقمية والبيولوجية
التقدم في تكنولوجيا المعلومات والتحليلات الرقمية جعل من السهل حفظ البيانات البيولوجية وإدارتها، لكنه في نفس الوقت جعلها أكثر عرضة للاستهداف:
-
القطاع البيولوجي يعتمد بشكل متزايد على البرمجيات والأجهزة المتصلة بالشبكات، مما يجعل البيانات الحيوية وعمليات التصنيع البيولوجي عرضة لنفس أنواع الهجمات التي تواجهها البنوك أو شركات التكنولوجيا.
-
على سبيل المثال، هجمات اختراق البيانات أو برامج الفدية في مؤسسات حيوية يمكن أن توقف خطوط الإنتاج الحيوي أو تلحق أضرارًا جسيمة بخدمة صحية تعتمد على نظم رقمية، ما يعني ارتفاع التكاليف التشغيلية وخسارة الثقة في السوق.
حجم الاستثمارات والاستجابة الاقتصادية
لمواجهة هذا النوع من التهديدات، الاستثمار في الأمن السيبراني مرتبط ارتباطًا مباشرًا بنمو الاقتصادات الرقمية. فوفق تقديرات اقتصادية، فإن سوق الأمن السيبراني العالمي سينمو ليصل إلى مئات المليارات من الدولارات مع زيادة التهديدات الرقمية عبر جميع القطاعات.
وهذا يؤكد أن أي تقصير في حماية الأنظمة الحيوية الرقمية لا يؤثر فقط على المؤسسات المعنية، بل قد يعيق النمو الاقتصادي الكلي في قطاع التكنولوجيا الحيوية وفي الاقتصاد الرقمي بشكل أوسع.
لماذا هذا التهديد خطير جدًا؟
-
لأن القرصنة الحيوية تستهدف بيانات حياتية، وليس فقط أموالًا.
-
البيانات البيولوجية هي أساس الابتكار في الطب والزراعة والصناعة.
-
تأثير اختراقها يمكن أن يمتد ليشمل الصحة العامة والأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
بخسارة أو تلاعب في هذه البيانات، قد يتوقف تطوير علاجات جديدة أو تنخفض مستويات الثقة في نظم الرعاية الصحية.
بين الفرص والمخاطر
التطور التكنولوجي في العلوم الحيوية يحمل فرصًا هائلة في الطب والزراعة والصناعات المختلفة، لكنه في الوقت ذاته يفتح بوابات جديدة للهجمات السيبرانية الحيوية:
-
الابتكار الحيوي مهم للتقدم لكنه بحاجة إلى حماية قوية للنظم الرقمية.
-
حماية البيانات الحيوية تعزز الاقتصاد والثقة، لكن تعرّضها للخطر يمكن أن يسبب خسائر اقتصادية وأمنية جسيمة.
هذا يجعل فهم القرصنة الحيوية، والاستثمار في الأمن الرقمي الحيوي، وتطوير سياسات وطنية ودولية لحمايتها ضرورة ملحة في عصرنا الرقمي المعاصر.
التقاطع بين التقنية الحيوية والأمن السيبراني
القرصنة الحيوية أو (Cyberbiosecurity) ليست تهديدًا نظريًا مستقبليًا، بل هي حقل ناشئ من التهديدات الواقعية التي تظهر عند تقاطع التكنولوجيا الرقمية والنظم البيولوجية الحساسة، مثل:
-
قواعد بيانات الجينوم.
-
أنظمة مختبرات البيوتكنولوجيا المتصلة.
-
أجهزة تصنيع الأدوية الحيوية.
-
نظم تحكم في المعدات الرقمية المستخدمة في أبحاث الحياة.
وتتضمن تهديدات مثل الوصول غير المصرح به إلى البيانات الجينية، أو العبث في بروتوكولات التصنيع الحيوي، أو تعطيل المعدات الحساسة باستخدام هجمات سيبرانية.
أبعاد القرصنة الحيوية وأرقام عالمية
2.1 قيمة “سوق القرصنة البيولوجية” ونموه المتوقع
وفق تقديرات اقتصادية عالمية حديثة:
-
حجم سوق القرصنة البيولوجية العالمي بلغ حوالي 24.5 مليار دولار في عام 2024.
-
من المتوقع أن يتوسع السوق ليصل إلى 111.3 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 16.5٪.
هذا النمو لا يشير فقط إلى حجم التهديدات، بل إلى قرب التقنيات الحيوية الرقمية من حياتنا الاقتصادية اليومية، ما يزيد من المخاطر والفرص الاستثمارية في الوقت ذاته.
2.2 أعداد الهجمات السيبرانية العالمية
على الرغم من أن الإحصائيات العالمية لا تخص الجانب البيولوجي فقط، إلا أنها تُظهر محيط التهديد الأكبر الذي تشكل منه القرصنة الحيوية جزءًا:
-
في 2023، أُبلغ عن 343 مليون ضحية لهجمات سيبرانية على مستوى العالم، مع ارتفاع في خروقات البيانات بنسبة 72٪ بين 2021 و2023.
-
متوسط تكلفة خرق البيانات العالمي كان حوالي 4.88 مليون دولار لكل حادثة في 2025.
هذه الأرقام مهمة لأن القطاعات الحيوية والرقمية غالبًا ما تواجه تهديدات مماثلة بخسائر مالية مباشرة وغير مباشرة.
2.3 تكاليف خروقات البيانات في قطاعات صحية
قطاع الصحة، وهو جزء أساسي من الأمن البيولوجي الرقمي، مثّل حالة نموذجية للتهديدات:
-
تشير الإحصائيات إلى أن متوسط تكلفة خرق بيانات في قطاع الصحة في بعض التقارير وصل إلى ما بين 7.42 مليون دولار و10.22 مليون دولار في عام 2025، وهو من أعلى متوسطات التكلفة بين جميع الصناعات.
-
تكلفة الهجمات أحيانًا تشمل: خسائر تشغيلية، تباطؤ الإمدادات الحيوية، فرص ضائعة، عقوبات تنظيمية.
-
كما تشير الإحصائيات العالمية إلى أن حالات كشف السجلات المرضية تتجاوز 182 مليون سجل مريض في 2024 فقط بحسب تقارير سابقة.
2.4 حجم الاستثمارات في الأمن السيبراني الصحي
استجابة لهذا الخطر، سوق الأمن السيبراني في الرعاية الصحية وحده يُقدّر:
-
بنحو 35.78 مليار دولار في 2025
-
ومن المتوقع أن ينمو إلى 89.93 مليار دولار بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي يتجاوز 18.5٪.
هذا النمو في الإنفاق يعكس حجم المخاطر المتصورة ويشير إلى أن حماية الأنظمة الحيوية الرقمية أصبحت أولوية اقتصادية واستراتيجية.
3. لماذا الأرقام العالمية مهمة لفهم القرصنة الحيوية؟
القرصنة الحيوية ليست مجرد سرقة بيانات، بل هي تهديد اقتصادي واستراتيجي عميق يشمل:
-
استهداف محفظة الملكية الفكرية في الشركات الحيوية.
-
تعطيل سلاسل الإنتاج الحيوي.
-
سرقة أو تشويه بيانات بحوث طبية حساسة.
-
تعريض حياة المرضى للخطر عبر تعطيل أنظمة الرعاية الصحية.
الخسائر الاقتصادية المحتملة بعيدة عن التقدير
الدراسات الاقتصادية المتعلقة بالتهديدات البيولوجية عمومًا (بما في ذلك الأوبئة الطبيعية أو المهددة للحياة) أظهرت أن تكاليف الأزمات البيولوجية الكبرى قد تصل إلى تريليونات الدولارات سنويًا في أسوأ السيناريوهات، مع خسائر محتملة في الناتج العالمي تصل إلى 1.5 تريليون دولار في بعض النماذج.
تهديدات القرصنة الحيوية في الزراعة وأبعادها الاقتصادية
في عصر الزراعة الذكية والتحوّل الرقمي، لم يعد الحديث عن القرصنة الحيوية مجرد مصطلح علمي بعيد؛ بل أصبح تهديدًا واقعيًا يؤثر على الزراعة العالمية وسلسلة إمداد الغذاء. من خلال دمج التقنيات الحديثة، مثل الزراعة الدقيقة وإنترنت الأشياء والروبوتات في المزارع، نما سوق الزراعة الذكية من 16.25 مليار دولار في 2024 إلى 18.34 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 28.44 مليار دولار بحلول 2029 بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 11.6٪، ما يعكس اعتماد القطاع المتزايد على الأنظمة الرقمية.
لكن هذا التوسع الرقمي يفتح أبوابًا جديدة للهجمات السيبرانية التي يمكن أن تمس بيانات الإنتاج، نظم الري الذكية، أجهزة الاستشعار، وقواعد بيانات المحاصيل. فقد أظهرت تقارير حديثة أن هجمات برامج الفدية (Ransomware) في قطاع الزراعة قد زادت 300٪ بين 2019 و2023، مما يعكس تصاعدًا في الاستهداف مقارنة بماضي الصناعة التقليدية، ويؤدي ذلك إلى توقف الإنتاج وخسائر مالية كبيرة للمزارعين وشركات الأغذية.
علاوة على ذلك، تواجه نظم الزراعة الرقمية تهديدات مثل البرمجيات الخبيثة (Malware) التي أبلغ عنها 54٪ من المزارع في 2023، ومحاولات الاحتيال الإلكتروني والاختراقات التي تعتمد على تصيد البيانات لسرقة المعلومات الحساسة.
هذه التحديات تؤكد أن القرصنة الحيوية في الزراعة ليست مجرد قضية تقنية، بل لها تبعات اقتصادية ضخمة تمتد من تكاليف الإنتاج وحتى الأمن الغذائي العالمي. ولذلك، يصبح الاستثمار في استراتيجيات أمنية متقدمة، تدريب الكوادر، وتطوير بنى تنظيمية قوية ضرورة لحماية الزراعة من مخاطر العصر الرقمي، وضمان استدامتها في مواجهة التهديدات المستقبلية.
الخلاصة: الأرقام تُظهر حقيقة واحدة
-
التقنيات الحيوية الرقمية تنمو بسرعة وتنتج قيمة اقتصادية هائلة.
-
التهديدات السيبرانية والاستغلال الخبيث للبيانات الحيوية رقمياً تتزايد بنفس الوتيرة تقريبًا.
-
الخسائر المالية الناتجة عن الخروقات يمكن أن تكون ضخمة، خاصة في قطاعات مثل الصحة والتصنيع الحيوي.
-
الاستثمار في الأمن السيبراني الحيوي ليس خيارًا بل ضرورة اقتصادية وأمنية للمؤسسات والدول.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



