العيش والملح.. عهد لا يسقطه الزمن

بقلم: عبدالعاطي محمد
كاتب صحفي
في حياة الشعوب هناك أشياء لا تُقاس بالمال، ولا تُشترى مهما ارتفع ثمنها، ومن أعظم هذه الأشياء “العيش والملح”، ذلك التعبير الشعبي البسيط الذي يحمل في داخله معاني الوفاء والأمانة وحفظ الجميل وصون العِشرة التي تجمع بين الناس.
فالعيش والملح ليس مجرد طعام يُؤكل على مائدة، بل هو عهد أخلاقي وإنساني يربط القلوب قبل الأيدي، ويزرع في النفوس الاحترام والوفاء. فمن يأكل معك لقمة عيش ويشاركك ملح الحياة، يصبح له في القلب مكانة لا يجوز أن تُهان أو تُنسى مهما تبدلت الظروف واختلفت الأحوال.
لقد تربى المصريون عبر الأجيال على قيمة صون العيش والملح، فكان الرجل يحفظ الود حتى مع من اختلف معه، وكانت الشهامة تمنع الغدر والخيانة، لأن بينهم “عيش وملح”. وكانت الكلمة وحدها كافية لصناعة الثقة، لأن الأصل هو الوفاء وليس المصلحة.
لكن مع تغير الزمن، بدأت بعض هذه القيم تتراجع عند البعض، وأصبح البعض ينسى المعروف سريعًا، ويتخلى عن من وقفوا بجواره وقت الشدة، وكأن العِشرة أصبحت أمرًا عابرًا لا قيمة له. وهنا تكمن الخطورة، لأن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين فقط، بل تُبنى بالأخلاق وحفظ الجميل والوفاء للناس.
إن صون العيش والملح ليس ضعفًا، بل هو من شيم الكبار وأصحاب النفوس النبيلة. فالإنسان المحترم لا يطعن من أحسن إليه، ولا ينكر فضل من وقف بجواره، بل يظل وفيًا مهما طال الزمن. والوفاء الحقيقي يظهر وقت الخلاف، لأن الأخلاق لا تُقاس في أوقات الرضا فقط، بل في لحظات الاختبار.
وما أحوجنا اليوم إلى إعادة إحياء هذه القيمة العظيمة داخل البيوت، وبين الأصدقاء، وفي أماكن العمل، حتى يعرف الجميع أن العلاقات الإنسانية لا تُدار بالمصلحة وحدها، بل بالمودة والاحترام وحفظ العِشرة.
سيظل “العيش والملح” رمزًا للأصالة والرجولة والوفاء، وستبقى النفوس النقية فقط هي القادرة على صونه وحمايته من قسوة المصالح وتقلبات الزمن.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



