الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.. رش دقيق لمكافحة الأعشاب الضارة وخفض استهلاك المبيدات بنسبة تصل إلى 80%

كتب: د.إيهاب زايد تُشكِّل الأعشاب الضارة منافساً شرساً للمحاصيل الحقلية على الماء، والضوء، والعناصر الغذائية في التربة. ومن منظور دراسة الخلية النباتية والتشريح الدقيق، نعلم أن المنافسة المبكرة من الأعشاب تؤثر سلباً على معدلات الانقسام الخلوي والتوسع النسيجي في بادرات المحصول الأساسي، مما يضعف بنيته الإنتاجية من البداية. وفي المقابل، فإن الحل التقليدي المتمثل في «الرش الشامل» للمبيدات يُجهد خلايا المحصول الرئيسي، وينهك الحيوية الميكروبية للتربة، فضلاً عن تكلفته الاقتصادية العالية.
ومن هنا، يأتي نظام الكشف عن الأعشاب الضارة والرش المتغير (Variable Rate Application) باستخدام الطائرات بدون طيار (Drones) ليمثل نقلة نوعية تُحوِّل عمليات الرش من معالجة كيميائية عشوائية إلى تدخل جراحي موجَّه بدقة متناهية.
الهدف الأساسي: التمييز الدقيق والرش الموجَّه في البؤر المصابة
يستهدف هذا النظام التمييز البصري والفيزيولوجي الدقيق بين أوراق المحصول الأساسي وأوراق الأعشاب الضارة، وتطبيق الرش الموجَّه للمبيدات والأسمدة على أهدافها فقط. يضمن هذا التوجيه عدم هدر قطرة واحدة من المركبات الكيميائية على التربة الخالية أو على النباتات السليمة غير المستهدفة.
المحرك التكنولوجي: كيف يعمل النظام؟
يعتمد هذا النظام على دمج تقنيات التجزئة الدلالية للصور مع منظومات التحكم الآلي في الطائرات المسيرة:
1. التجزئة الدلالية للصور (Semantic Segmentation):
تُحلِّق الدرونز فوق الحقل لالتقاط صور فائقة الدقة. تُعالج هذه الصور بوساطة خوارزميات التعلم العميق المتخصصة في التجزئة الدلالية، مثل U-Net أو Mask R-CNN. لا تكتفي هذه النماذج بتحديد وجود النبات فحسب، بل ترسم الحدود الدقيقة لكافة أجزائه (Pixel-level) لتمييز الشكل المورفولوجي والنمط الخضري لأوراق المحصول عن أوراق الأعشاب الضارة المصاحبة بدقة تفوق الرؤية البشرية.
2. أنظمة محاكاة والتحكم بالرش الموجَّه (Precision Spraying Control):
تُترجم خريطة الكشف عن الأعشاب فوراً إلى أوامر تنفيذية لنظام التحكم في الرش الملحق بالدرون. يتم تفعيل نفاثات الرش (Nozzles) آلياً ولفترات زمنية تُقاس بالمللي ثانية فقط عند المرور فوق الأعشاب الضارة أو المناطق التي تعاني نقصاً كيميائياً، مع إيقاف الرش فوراً بمجرد المرور فوق المحصول السليم أو المساحات الفارغة.
القيمة المضافة: خفض حاد في الكيماويات وحماية منظومة التربة
يقدم نظام الرش المتغير قيمة استثنائية على المستويات الاقتصادية والبيئية والفيزيولوجية:
- خفض استهلاك المبيدات والأسمدة: تقليل استخدام المواد الكيميائية بنسب تصل إلى 60-80% مقارنة بطرق الرش التقليدية.
- حماية صحة التربة والخلية النباتية: تقليل الإجهاد الكيميائي (Phytotoxicity) على أوراق المحصول الأساسي، والحفاظ على الكائنات الحية النافعة في التربة.
- وفورات اقتصادية ضخمة: تخفيض ميزانية مدخلات الإنتاج الزراعي بصورة مباشرة، وتوفير كميات هائلة من مياه التخفيف المستهلكة في عمليات الرش.
- كفاءة وسرعة التغطية: تغطية مساحات واسعة في أوقات قياسية، خاصة في الأراضي الرطبة أو الضيقة التي يصعب على الآلات الثقيلة دخولها.
رؤية مستقبلية
إن دمج أبحاث الخلية والوراثة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والطيران المسير هو طريقنا المحتوم نحو الزراعة الخضراء المستدامة. إن الانتقال من المعاملات الكيميائية الشاملة إلى الحلول الموجَّهة بدقة يُجسِّد دور معهد بحوث المحاصيل الحقلية ومركز البحوث الزراعية في تبني التكنولوجيات السيادية التي تجمع بين أعلى إنتاجية وأفضل حماية للبيئة والإنسان.
*المادة العلمية: رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



