الدلتا القديمة بين تحويل مياه الصرف وزراعة الدلتا الجديدة.. إلى أين؟

إعداد: أ.د.صبحي فهمي منصور
أستاذ الأراضي بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة – مركز البحوث الزراعية
اعتمد مشروع الدلتا الجديدة على ثلاثة مصادر من المياه: الأولى، المياه الجوفية، والثانية مياه النيل من فرع رشيد، والثالثة مياه الصرف المعالج والآتية من مياه صرف غرب الدلتا القديمة (ويعد هذا المصدر الأهم والأكبر)، والتي كانت تصب في البحيرات الشمالية والبحر المتوسط. وتم نقلها بالكامل عبر مواسير عكس اتجاه انحدار التربة لتصل إلى محطة المعالجة بالحمام، والتي تُعد من أكبر محطات المعالجة في العالم بطاقة إنتاجية تصل إلى 7.5 مليون متر مكعب يوميًا.
وبهذا لا تصل مياه الصرف إلى البحيرات الشمالية وكذلك البحر المتوسط، إلا أن هناك علاقة بين تقليل صرف مياه الصرف الزراعي إلى البحر وبين زيادة مخاطر تداخل مياه البحر وتمليح أجزاء من شمال الدلتا القديمة، ولتوضيح ذلك:
كيف كانت مياه الصرف الزراعي تساعد الدلتا القديمة؟
جزء كبير من مياه الصرف الزراعي في شمال الدلتا كان يصل إلى:
• البحيرات الشمالية.
• المصارف.
• البحر المتوسط.
ورغم أن هذه المياه تعتبر «صرفًا»، إلا أنها كانت تقوم بعدة أدوار غير مباشرة، مثل:
1- رفع منسوب المياه العذبة في شمال الدلتا.
2- تكوين ضغط هيدروليكي يحد من تقدم مياه البحر داخل التربة والخزان الجوفي.
3- غسل نسبي للأملاح من الأراضي الساحلية.
ما هي الآثار التي قد تظهر عند إعادة استخدام هذه المياه بالكامل؟
1- زيادة تداخل مياه البحر
حيث يحدث، عند انخفاض منسوب المياه العذبة في شمال الدلتا، أن تتقدم مياه البحر داخل التربة والمصارف وكذلك داخل الخزان الجوفي الساحلي، وهذا يسمى:
Saltwater Intrusion
2- ارتفاع ملوحة التربة
حيث تبدأ الأملاح بالتراكم مع ضعف عمليات الغسيل وارتفاع منسوب المياه الأرضية وزيادة البخر، خصوصًا في مناطق (كفر الشيخ – شمال الدقهلية – أجزاء من البحيرة – المناطق المنخفضة بدمياط).
3- ضعف خصوبة بعض الأراضي
أ- ضعف امتصاص العناصر.
ب- تدهور بناء التربة.
ج- انخفاض إنتاجية المحاصيل الحساسة.
لكن لماذا تقوم الدولة بإعادة استخدام هذه المياه إذن؟
لأن مصر دخلت مرحلة فقر مائي حاد تقريبًا، ومع ثبات حصة النيل وزيادة السكان أصبح هناك اتجاه إلى:
• تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه.
• تقليل الفاقد إلى البحر.
• التوسع الزراعي الأفقي.
ومن هنا ظهرت مشروعات مثل:
• محطة بحر البقر.
• محطة المحسمة.
• مشروع الدلتا الجديدة.
المشكلة الحقيقية ليست «إعادة الاستخدام» وحدها، بل كيفية تحقيق توازن بين حماية الدلتا القديمة من التملح وتوفير مياه للتوسع الزراعي الجديد.
ما الحلول الممكنة لتقليل خطر تمليح الدلتا؟
أهم الحلول العملية:
• 1- الحفاظ على حد أدنى من التصرفات المائية نحو شمال الدلتا.
• 2- التوسع في إعادة تغذية الخزان الجوفي بالمياه العذبة.
• 3- إنشاء حواجز هيدروليكية ضد زحف البحر.
• 4- تحسين شبكات الصرف الزراعي.
• 5- التوسع في زراعة الأصناف المتحملة للملوحة.
• 6- تقليل السحب الجائر من المياه الجوفية الساحلية.
• 7- رفع كفاءة الري بدلًا من مجرد سحب مياه إضافية من الدلتا القديمة.
إلا أن هناك عاملًا أخطر من مياه الصرف نفسها، وهو هبوط دلتا النيل وارتفاع مستوى البحر، لأن انخفاض سطح بعض مناطق شمال الدلتا يجعلها أكثر عرضة لـ:
• 1- الغمر.
• 2- ارتفاع الملوحة.
• 3- تداخل البحر.
وهذا يحدث تدريجيًا منذ عقود، حيث كشفت الدراسة العلمية أن أجزاء واسعة من دلتا النيل تهبط بمعدلات تفوق متوسط ارتفاع سطح البحر، مما يعني أن كثيرًا من المناطق الساحلية والزراعية في شمال الدلتا تواجه خطر الغمر والتملح بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا، حيث أوضحت الدراسة ما يلي:
معدل الهبوط في شمال الدلتا يتراوح ما بين -12 إلى -20 مم/سنة، وذلك في الفترة من 2015–2019 في المدن التالية (الزقازيق – طنطا – المنصورة – ميت غمر – المحلة).
معدل الهبوط على طول السواحل الشمالية للدلتا يتراوح ما بين -3 إلى -8 مم/سنة.
معدل الهبوط في مدن مثل دمياط وصل إلى حوالي -11 مم/سنة، والمنصورة وصل إلى حوالي -9 مم/سنة.
وبورسعيد وصل إلى حوالي -6.3 مم/سنة.
كل هذا الهبوط يحدث بينما يُقدَّر ارتفاع منسوب البحر حول الدلتا بما يقارب 3.4 مم/سنة، وهو ما يدل على أن الهبوط الأرضي في شمال الدلتا يتم بوتيرة أسرع من ارتفاع سطح البحر نفسه، مما يزيد من مخاطر الفيضانات وتغلغل المياه المالحة كما هو موضح بالشكل التالي.
وكيفية مواجهة ظاهرة هبوط دلتا النيل تم ذكرها في مقال سابق.
8- الحل الأخير، إذا ما أُخذ في الاعتبار، فإنه سوف يوفر مليارات الجنيهات التي سوف تُنفق في عمل محطات رفع المياه للنهر الصناعي بالدلتا الجديدة.
حيث كلنا يعلم أن أرض مصر تنحدر من الجنوب إلى الشمال، ومفيض توشكى (منسوبه 126 م فوق منسوب سطح البحر، وهو أقل من منسوب بحيرة ناصر 179 م)، والذي يستوعب ما يُقدَّر بـ120 مليار م³، ويمكن تطهيره ليستوعب 200 مليار م³ من المياه (ليكون مخزنًا للمياه عند توصيل نهر النيل بنهر الكونغو). وبدلًا من ترك هذه الكمية الضخمة من المياه العذبة لتتبخر بفعل درجات الحرارة العالية في الجنوب أو تتسرب إلى المياه الجوفية، يمكن العمل على توصيلها لمحافظة الوادي الجديد من خلال البحيرة الغربية بمفيض توشكى، والتي تبعد عن محافظة الوادي الجديد 85 كم فقط.
ورغم أن سطح الأرض منحدر من الجنوب إلى الشمال كما سبق ذكره، إلا أننا وجدنا تبة صغيرة هي التي تعوق جريان الماء لكي تصل إلى المحافظة، ففي حالة إزالة هذه التبة، نجد أن المياه تجري في اتجاه انحدار التربة لتصل إلى واحة باريس ثم إلى الخارجة، وهكذا تصل مياه النيل إلى محافظة الوادي الجديد (بمجرد إزالة هذه التبة). ويمكن العمل على مد هذا النهر عن طريق السير في المنخفضات حتى وصوله إلى النهر الصناعي بالدلتا الجديدة ليكون مصدرًا لإمداده بالمياه العذبة دون الحاجة إلى محطات رفع.
ويمكن اعتبار مفيض توشكى هو منبع هذا النهر، ويمكن تسميته نهر غرب الوادي، وبوصول المياه إلى المحافظة، يمكن زراعة ما يقرب من 470 ألف فدان في هذه المنطقة (المقترح موضح على الخريطة باللون الأزرق).
(الخط الأزرق يمثل النهر الخارج من مفيض توشكى متجهًا إلى الوادي الجديد).
وبهذا يمكننا التوسع في زراعة واستصلاح أراضٍ جديدة على طول جانبي هذا النهر، وفي الوقت نفسه عدم حرمان الدلتا القديمة من مياه الصرف، والتي يجب أن تُلقى في البحيرات الشمالية لحمايتها من غزو مياه البحر، وما يسببه ذلك من تمليحها وتدهور خواصها.
وفي الختام:
يا أهل مصر، كفاكم فخرًا وعزًا ومجدًا بأن الذي سمى بلدكم مصر هو الله.
إن قيل لي صف حسنها — ما كنت أحسن وصفها
مصر التي جاءت — وجاء الكون يحبو خلفها
اكتب يا تاريخ الزمان — فلن توفي مصر حقها
يكفينا شرفًا بأن الله — قد سجل في القرآن اسمها (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



