التغذية الذكية.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مستقبل الغذاء والتثقيف الصحي؟

إعداد: أ.د.نسرين محمد السعيد علي شام
رئيس بحوث متفرغ بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية
*** لم يعد يتوقف دور البحث العلمي على تحويل الابتكار الغذائي إلى تطبيقات ومخرجات للبحث العلمي وقيمة اقتصادية ومجتمعية، وإنما حدث تطور هائل وسريع في مجالات تطبيقاته، وذلك عند اندماجه بالذكاء الاصطناعي وأدواته والتقنيات المتقدمة التي أصبحت أهم محركات التحول الرقمي، التي يمتد آثارها إلى مختلف جوانب الحياة، أهمها توظيف التغذية السليمة والتثقيف الغذائي، تزامنًا مع تزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي وسوء التغذية والأمراض المرتبطة بالنمط الغذائي والهدر، مما أصبح توظيف الذكاء الاصطناعي وأدواته والتقنيات المتقدمة في مجال جودة الغذاء والتغذية السليمة فرصة واعدة للانتقال من الأساليب التقليدية إلى مفهوم أكثر تطورًا وتقنينًا يُعرف بالتغذية الذكية.
*** من التغذية التقليدية إلى التغذية الذكية؛
تعتمد التغذية الذكية على توظيف البيانات والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لفهم الاحتياجات الغذائية بصورة أكثر دقة، وتقديم الإرشادات الغذائية بصورة أكثر ملاءمة لاحتياجات الأفراد وظروفهم.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع، عند توافر بيانات موثوقة ومناسبة، أن يقوم بتحليل كم هائل من المعلومات المتعلقة بالعادات الغذائية، ومكونات الأغذية، والقيمة الغذائية، والاحتياجات اليومية، وأنماط الاستهلاك، ومن ثم المساعدة في تقديم توصيات غذائية للفرد حسب ظروفه الصحية بالمجتمع، حيث يسعى إلى الانتقال به من فكرة النظام الغذائي الواحد للجميع إلى توفير إرشادات أكثر مرونة تراعي الاختلافات الفردية.
*** الذكاء الاصطناعي والإرشادات التغذوية؛
إن استخدام التطبيقات والمنصات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في متابعة العادات الغذائية، كما أن تقديم محتوى تثقيف غذائي يساعد الفرد على فهم احتياجاته الغذائية واتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
وبالتالي لا تكمن قيمة الذكاء الاصطناعي في تقديم «وصفة غذائية» فحسب، وإنما في قدرته على تحويل المعلومات الغذائية المعقدة إلى معرفة مبسطة يسهل للفرد البسيط فهمها والاستفادة منها.
*** الذكاء الاصطناعي والتثقيف الغذائي؛
يمثل التثقيف الغذائي أحد أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال تقديم المعلومات الغذائية بطريقة موحدة، يمكن للتقنيات الذكية المساعدة في إنتاج محتوى تعليمي تفاعلي مبسط يناسب الفئات العمرية والثقافية والتعليمية المختلفة، كما أنه يستطيع أن يمتد إلى المدارس والجامعات والمؤسسات الصحية والمجتمعات المحلية، من خلال أدواته الرقمية التي تساعد على نشر مفاهيم توضح فيها أهمية التنوع الغذائي، والاختيار الصحي للأغذية، والاعتدال في الاستهلاك، وقراءة بطاقات البيانات الغذائية، وتقليل الاعتماد على الأنماط الغذائية غير الصحية، والتنويه إلى آثار مخاطر الأغذية والأطعمة التي يدخل في مكوناتها مواد مصنعة، وبذلك يصبح التثقيف الغذائي عملية مستمرة وسلسة وتفاعلية، وليس مجرد معلومات نظرية ومعقدة يحصل عليها الفرد بصورة مؤقتة.
*** التغذية الذكية ودعم الأمن الغذائي والاستدامة الخضراء وتقليل هدر الغذاء:
يرتبط مفهوم التغذية الذكية ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي، فالغذاء الآمن والتغذوي لا يتعلق فقط بتوافر الغذاء، وإنما أيضًا بجودته وصلاحيته وقيمته الغذائية وإمكانية توفيره واستخدامه بالصورة السليمة، كما يمكن توظيفه في دعم البحث والتطوير والابتكار في مجال الأغذية، من خلال تحليل البيانات المتعلقة بالمواد الخام والمكونات الغذائية وتطوير منتجات غذائية مبتكرة ذات قيمة غذائية واقتصادية مضافة وميزة تنافسية تسويقية.
لا تقتصر الاستدامة على حماية البيئة فقط، وإنما تشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وصحية أيضًا، ومن ثم يمكن للتغذية الذكية أن تسهم في تحقيق الاستدامة من خلال تشجيع الاختيارات الغذائية الواعية، ودعم المنتجات المحلية، وتقليل الهدر، وتحسين الاستفادة من الموارد الزراعية، وتشجيع الابتكار في تصنيع الأغذية، كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحثين والمصنعين على تطوير حلول غذائية أكثر كفاءة واستدامة، وربط المعرفة العلمية باحتياجات المجتمع والسوق، وهكذا تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة رقمية إلى وسيلة لتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة تخدم الإنسان والمجتمع والاقتصاد والبيئة.
حيث يمثل هدر الغذاء أحد التحديات الكبرى أمام تحقيق الاستدامة. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مهمة في تحسين إدارة الغذاء، من خلال المساعدة في التنبؤ بالاحتياجات، وتحسين التخزين والتوزيع، ومتابعة حركة المنتجات، وتقليل الفاقد خلال مراحل الإنتاج والتصنيع والتداول، كما يمكن أن يساعد في اكتشاف فرص إعادة توظيف المنتجات والمواد الغذائية الثانوية والدرجات الأقل قبولًا تسويقيًا وتحويلها إلى منتجات غذائية مبتكرة، عندما يكون ذلك آمنًا ومناسبًا من الناحية العلمية والتكنولوجية.
ومن هنا يفتح الباب أمام مفهوم الاقتصاد الدائري في الغذاء، الذي يسعى إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد وتقليل الفاقد والنفايات.
فالتغذية الذكية ليست مجرد استخدام تطبيق أو برنامج لحساب السعرات الحرارية، وإنما هي منظومة متكاملة يمكن أن تجمع بين البيانات والعلوم الغذائية والذكاء الاصطناعي والابتكار والتثقيف الصحي والاستدامة، ومن خلال هذا التكامل يمكن بناء جيل أكثر وعيًا بالغذاء، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات غذائية سليمة، مع دعم منظومة إنتاج واستهلاك أكثر كفاءة واستدامة، ومن هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي أحد الأدوات الواعدة لربط البحث العلمي بالابتكار والتطبيق الصناعي واحتياجات المجتمع، وتحويل المعرفة الغذائية إلى حلول عملية وقيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية.
الخاتمة؛
إن مستقبل التغذية لن يعتمد فقط على ما ننتجه من غذاء، وإنما أيضًا على مدى قدرتنا على فهم احتياجات الإنسان المستقبلية وتقديم المعرفة الغذائية المناسبة له في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.
ومن هنا تبرز أهمية «التغذية الذكية – Smart Nutrition» باعتبارها أحد المجالات الواعدة في عصر التحول الرقمي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تطوير الإرشادات التغذوية، وتعزيز التثقيف الغذائي، ودعم التغذية الشخصية، وتقليل هدر الغذاء، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، كما أن توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة علمية وأخلاقية ومسؤولة، به نستطيع أن نجعل من التكنولوجيا شريكًا حقيقيًا في بناء مستقبل غذائي أكثر صحةً ووعيًا وابتكارًا واستدامةً، بما يخدم الإنسان والمجتمع ويدعم أهداف التنمية المستدامة البيئية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



