رأى

الأستاذ أستاذ.. ولو أمسك العكاز

حين يتقاعد الأستاذ من الوظيفة.. لا يتقاعد العلم: أستاذ الجامعة والمركز البحثي بيت خبرة لا ينبغي أن يغلق أبوابه

بقلم: أ.د.خالد فتحي سالم

أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بكلية التكنولوجيا الحيوية – جامعة مدينة السادات

في عالم تتسابق فيه الدول على امتلاك المعرفة، لم تعد الثروة الحقيقية تقاس فقط بما تملكه الدول من أراضٍ ومصانع ومشروعات، وإنما بما تمتلكه من عقول وخبرات وتجارب تراكمية قادرة على تحويل المعرفة إلى حلول، والبحث العلمي إلى إنتاج، والخبرة إلى تنمية. وفي قلب هذه الثروة يقف الأستاذ الجامعي والباحث في الجامعات والمراكز البحثية الرصينة. قد تنتهي خدمته الوظيفية، وقد يغادر مكتبه، وقد يتغير موقعه الإداري، وربما يمسك عصاه في سنوات العمر المتقدمة، لكن شيئًا واحدًا لا ينبغي أن يتقاعد أبدًا: علمه وخبرته وقدرته على العطاء. ومن هنا تأتي الحقيقة التي يجب أن نعيد التأكيد عليها في جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية:

الأستاذ أستاذ.. ولو أمسك العكاز.

فالعكاز قد يسند خطوات الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يسند عقلًا قضى ثلاثين أو أربعين عامًا في التعليم والبحث والإشراف والتجربة والتعامل مع أجيال متعاقبة من الطلاب والباحثين والمجتمع.

الأستاذ الجامعي ليس مجرد وظيفة

من الأخطاء الشائعة أن ننظر إلى الأستاذ الجامعي باعتباره موظفًا تنتهي قيمته بانتهاء سنوات خدمته الرسمية. الأستاذ الحقيقي ليس مجرد شاغل وظيفة، وليس مجرد اسم في جدول أعضاء هيئة التدريس، وليس فقط صاحب محاضرة أو مقرر دراسي. الأستاذ الجامعي في الجامعة الرصينة هو صاحب مدرسة علمية، ومستودع للمعرفة، وصانع لأجيال، ومرشد للباحثين، وعضو في لجان علمية، ومستشار للمؤسسات، وشريك محتمل في حل مشكلات المجتمع. قد يحمل الأستاذ في ذاكرته عشرات التجارب التي لا توجد في كتاب، ولا يمكن الحصول عليها من محرك بحث، ولا يمكن اختصارها في دورة تدريبية. فهو يعرف لماذا نجحت تجربة وفشلت أخرى، وأين تكمن المشكلة، وكيف يمكن قراءة النتائج، وكيف يمكن التمييز بين الحل النظري والحل القابل للتطبيق. وهذه الخبرة لا تُكتسب في عام أو عامين. إنها حصيلة سنوات طويلة من المعرفة والتجربة والخطأ والتصحيح والبحث والمناقشة والإشراف والممارسة العلمية. ولهذا فإن خسارة الأستاذ الخبير ليست مجرد خروج موظف من الخدمة، وإنما قد تكون خسارة جزء من الذاكرة المؤسسية والعلمية للمؤسسة.

الخبرة.. ثروة لا تضاهيها الأموال

هناك أشياء يمكن شراؤها بالمال، وأشياء أخرى لا يمكن شراؤها مهما بلغت الميزانية. يمكن للجامعة أن تشتري أجهزة حديثة، وتبني معامل متطورة، وتقتني أحدث قواعد البيانات، وتستورد أحدث التقنيات. لكنها لا تستطيع أن تشتري بسهولة ثلاثين عامًا من الخبرة المتراكمة في عقل عالم وباحث وأستاذ. يمكن أن نشتري جهازًا جديدًا، لكن لا يمكن أن نشتري سنوات التجربة التي تجعل العالم يعرف كيف يستخدم هذا الجهاز في المكان الصحيح ولحل المشكلة الصحيحة. يمكن أن نشتري كتابًا، لكن لا يمكن أن نشتري الحكمة العلمية التي اكتسبها الأستاذ من مئات الأبحاث والمناقشات والتجارب. ويمكن أن نستعين بخبير دولي، لكن لدينا في جامعاتنا ومراكزنا البحثية المصرية علماء وخبراء قضوا عقودًا في خدمة العلم والتعليم والبحث. ولهذا يجب أن نتعامل مع الأستاذ المتقاعد وظيفيًا باعتباره رأس مال معرفيًا وطنيًا، وليس باعتباره صفحة انتهت بمجرد صدور قرار التقاعد.

الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية.. بيت خبرة للمجتمع

الجامعة الحديثة لم تعد برجًا أكاديميًا منعزلًا عن المجتمع. الجامعة الناجحة هي التي تفتح أبوابها للمجتمع، وتستمع إلى مشكلاته، وتشارك في إيجاد الحلول، وتتحول نتائج أبحاثها إلى مشروعات وسياسات وتطبيقات. وهنا تظهر قيمة الأستاذ الجامعي، خصوصًا الأستاذ صاحب الخبرة الطويلة. فالجامعات الحكومية والخاصة والأهلية يمكن أن تتحول إلى بيوت خبرة حقيقية للأقاليم والمحافظات التي توجد فيها. كل جامعة تقع في إقليم تتحمل مسؤولية علمية ومجتمعية تجاه هذا الإقليم. فإذا كانت المحافظة تعاني من مشكلة صحية، فإن الجامعة يجب أن تكون جزءًا من الحل. وإذا كانت تواجه مشكلات زراعية، فإن أقسام كلية الزراعة والعلوم والبيولوجيا والتكنولوجيا والهندسة وغيرها ببرامجها المختلفة يجب أن تشارك في تشخيص المشكلة واقتراح الحلول. وإذا كانت هناك مشكلات في التعليم، فإن كليات التربية والعلوم والآداب وغيرها يمكن أن تقدم الخبرة اللازمة. وإذا كان الإقليم يمتلك موارد طبيعية أو صناعات أو مشروعات ناشئة، فالجامعة قادرة على تقديم المعرفة والاستشارات والتدريب والبحث التطبيقي. وفي كل هذه المجالات، يمكن للأستاذ الحالي والمتقاعد وظيفيًا أن يكون جزءًا من منظومة الحل.

الأستاذ المتقاعد.. مستشار لا موظف

المطلوب ليس إعادة الأستاذ المتقاعد إلى الوظيفة بالصورة التقليدية، وليس المقصود أن يشغل مكان أستاذ أصغر سنًا. المطلوب هو إعادة تعريف العلاقة بين الجامعة وخبرائها بعد التقاعد الوظيفي. يمكن أن يتحول الأستاذ المتقاعد إلى:

• مستشار علمي للجامعة.
• عضو في المجالس واللجان العلمية المتخصصة وفق اللوائح.
• مشرف أو مستشار للمشروعات البحثية.
• مدرب للباحثين وأعضاء هيئة التدريس الشباب.
• مستشار للمراكز البحثية.
• مشارك في المشروعات القومية والتنموية.
• عضو في لجان تطوير البرامج الأكاديمية.
• مستشار للمستشفيات والمزارع والمصانع والمؤسسات ذات الصلة بتخصصه.
• مرشد لطلاب الدراسات العليا والباحثين وفق الأطر التنظيمية.
• عضو في لجان تقييم المشروعات العلمية.
• خبير في نقل التكنولوجيا والابتكار.
• مستشار للمحافظات والجهات التنفيذية في الملفات التي تتصل بتخصصه.

وبذلك يتحول التقاعد من نهاية للعطاء إلى مرحلة جديدة من العطاء.

لماذا نحتاج إلى الأستاذ الخبير في التنمية الصحية؟

القطاع الصحي من أكثر القطاعات احتياجًا إلى الخبرات المتراكمة. فالأستاذ والطبيب والباحث الذي قضى عقودًا في تخصصه يمكن أن يقدم قيمة كبيرة في التدريب والاستشارات ووضع البروتوكولات العلمية وتقييم المشروعات وتطوير الخدمات الصحية والبحثية. كما أن الجامعات التي تضم كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والزراعة والتكنولوجيا الحيوية والهندسة والتجارة والحقوق والآداب والعلوم والتمريض وعلوم الرياضة والحاسبات والمعلومات والخدمة الاجتماعية وغيرها يمكن أن تكون مراكز استشارية حقيقية لخدمة الإقليم. والاستفادة من الخبرات المتقاعدة وظيفيًا يمكن أن تسهم في نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة، وربط الخبرة الأكاديمية باحتياجات المستشفيات والمراكز الصحية والمجتمع. وهنا لا يكون الأستاذ منافسًا لجيل الشباب، بل يكون جسرًا بين الأجيال.

وفي الزراعة.. الخبرة أحيانًا تصنع الفارق

مصر دولة زراعية ذات تاريخ طويل، لكنها تواجه تحديات معقدة تتعلق بالمياه، والإنتاجية، والتغيرات المناخية، وجودة التقاوي، والأمراض والآفات، وسلاسل القيمة، والأمن الغذائي. وهذه الملفات تحتاج إلى تضافر الخبرات. أستاذ قضى عقودًا في بحوث فسيولوجيا المحاصيل والمعاملات الزراعية أو التربية النباتية أو الوراثة أو التكنولوجيا الحيوية أو وقاية النبات أو أمراض النبات أو التربة أو الري أو الهندسة الزراعية أو الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي أو الصناعات الغذائية والألبان أو الاقتصاد والإرشاد الزراعي يحمل في ذاكرته قدرًا هائلًا من المعرفة التطبيقية. قد يعرف هذا الأستاذ تاريخ المشكلة، والمحاولات التي تمت لحلها، والنتائج التي تحققت، والأسباب التي أدت إلى نجاح أو فشل بعض الحلول. ومن الخطأ أن نبدأ من الصفر كلما خرج خبير إلى التقاعد. الأفضل أن نبدأ من حيث انتهى.

الأستاذ والنهضة التعليمية

التعليم نفسه يحتاج إلى خبرة الأستاذ. فالأستاذ المخضرم لا يعرف فقط ماذا نُدرّس، بل يعرف أيضًا كيف نُدرّس، ولماذا نُدرّس، وما الذي يحتاجه الطالب في سوق العمل والحياة العلمية. وفي ظل التحولات السريعة في التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي والبرامج البينية والتعليم القائم على المهارات، يمكن للأساتذة أصحاب الخبرة أن يلعبوا دورًا مهمًا في مراجعة البرامج والمناهج وتدريب أعضاء هيئة التدريس الشباب ونقل الخبرة المؤسسية. وهنا ينبغي أن ننتقل من فكرة “الأستاذ المتقاعد” إلى مفهوم أكثر إيجابية:

الأستاذ الخبير.

فالخبرة ليست مرتبطة بعمر وظيفي، وإنما مرتبطة بما يمتلكه الإنسان من علم وتجربة وقدرة على الإضافة.

العلم لا يعرف سن التقاعد

من أجمل خصائص العلم أنه لا يسأل العالم عن عمره عندما يقرأ بحثًا كتبه. ولا يسأل الابتكار الباحث عن تاريخ ميلاده. ولا تتوقف قيمة الفكرة العلمية لأن صاحبها بلغ سن التقاعد. قد ينتج العالم أفضل أفكاره في مرحلة متقدمة من العمر، لأن المعرفة تراكمية، وكل تجربة جديدة تضاف إلى رصيد طويل من الخبرات. ولهذا فإن الدول التي تحترم العلم لا تنظر إلى علمائها باعتبارهم قوة عمل تنتهي بانتهاء الخدمة، وإنما باعتبارهم رصيدًا معرفيًا يمكن أن يستمر عطاؤه بأشكال متعددة.

لا تعارض بين تمكين الشباب والاستفادة من الكبار

وقد يقول البعض: ماذا عن الشباب؟ والإجابة واضحة: الاستفادة من الخبرات القديمة لا تعني تعطيل الأجيال الجديدة. بل العكس تمامًا. أفضل المؤسسات هي التي تجعل الخبرة تنتقل من جيل إلى جيل. الأستاذ الكبير يمكن أن يفتح الطريق أمام الأستاذ الشاب، والأستاذ الشاب يمكن أن يضيف أدوات جديدة وتقنيات حديثة إلى المدرسة العلمية التي أسسها من سبقوه. جيل يمتلك الخبرة، وجيل يمتلك الطاقة والأدوات الحديثة. وعندما يعمل الاثنان معًا، تكون النتيجة أقوى من عمل كل جيل منفردًا.

المشكلة ليست في وجود الأستاذ الخبير، وإنما في عدم وجود نظام مؤسسي واضح لنقل الخبرة.

نحتاج إلى “بنك للخبرات العلمية المصرية”

لماذا لا تنشئ مصر قاعدة بيانات وطنية للخبراء الأكاديميين والباحثين، تضم المتخصصين في الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والمراكز والمعاهد البحثية؟

يمكن أن تتضمن هذه القاعدة: التخصص الدقيق، والخبرة العلمية، والأبحاث، وبراءات الاختراع، والمشروعات السابقة، والخبرات الاستشارية، واللغات، والجهات التي يمكن التعاون معها، والمجالات التنموية التي يستطيع الخبير المشاركة فيها. وبذلك تستطيع المحافظة أو الجامعة أو الوزارة أو الهيئة أو الشركة أن تبحث عن الخبير المناسب للمشكلة المناسبة.

إذا كانت هناك مشكلة في محصول معين، نصل إلى الخبير المتخصص زراعيًا.
إذا كانت هناك مشكلة صحية، نصل إلى المختص في الصحة.
إذا كانت هناك مشكلة تعليمية، نصل إلى الخبير التربوي في التعليم.
إذا كانت هناك مشكلة بيئية أو صناعية أو تكنولوجية، نصل إلى صاحب الخبرة في البيئة.
إذا كانت هناك مشكلة هندسية، نصل إلى صاحب الخبرة في الهندسة.
إذا كانت هناك مشكلة عالمية، نصل إلى صاحب الخبرة في الحقوق الدولية.
إذا كانت هناك مشكلة تكنولوجيا المعلومات، نصل إلى صاحب الخبرة في الحاسبات والمعلومات.

وهذا ليس ترفًا إداريًا، بل يمكن أن يكون استثمارًا مباشرًا في رأس المال المعرفي المصري.

الجامعة التي لا تستفيد من خبرائها تفقد جزءًا من ذاكرتها

كل جامعة لديها تاريخ. وهذا التاريخ ليس موجودًا فقط في الوثائق. إنه موجود أيضًا في ذاكرة الأساتذة الذين عاشوا مراحل تأسيس الأقسام والكليات والبرامج والمراكز البحثية. الأستاذ الذي شارك في إنشاء قسم أو برنامج أو معمل يعرف تفاصيل لا تظهر في التقارير الرسمية. يعرف لماذا اتُخذ قرار معين، وما الذي نجح، وما الذي لم ينجح، وما الذي يحتاج إلى تطوير. وهذه الذاكرة المؤسسية يمكن أن تكون ضرورية عند التخطيط للمستقبل. لذلك فإن التواصل مع الأساتذة السابقين وأصحاب الخبرات يجب أن يكون جزءًا من ثقافة الجامعة، لا مجرد مبادرات فردية.

من الجامعة إلى الإقليم

الجامعة لا ينبغي أن تكون جزيرة منفصلة. كل جامعة يجب أن تسأل نفسها:

ما المشكلة الكبرى في الإقليم الذي نعيش فيه؟

وما الذي يمكن أن نقدمه لحلها؟ هل هناك مشكلات في الصحة؟ في الزراعة؟ في المياه؟ في التعليم؟ في البيئة؟ في الصناعة؟ في ريادة الأعمال؟ في التكنولوجيا؟ في الموارد البشرية؟

هنا يمكن تشكيل مجالس أو وحدات استشارية تضم الأساتذة الحاليين والخبراء المتقاعدين وظيفيًا، بالتعاون مع الجهات التنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص. وبذلك تصبح الجامعة بيت خبرة حقيقيًا للإقليم.

من “التقاعد” إلى “المرحلة الثانية من العطاء”

نحن بحاجة إلى تغيير الثقافة. التقاعد ليس اختفاءً. والسن ليس عيبًا. والخبرة ليست شيئًا زائدًا عن الحاجة. يمكن أن تكون المرحلة التي تلي التقاعد الوظيفي هي المرحلة التي يتفرغ فيها الأستاذ للبحث والكتابة والاستشارة والتدريب والإرشاد والمشاركة المجتمعية. بل ربما تكون أكثر هدوءًا وحرية من سنوات المسؤوليات الإدارية والوظيفية. إن الأستاذ الذي أمضى عمره في الجامعة يمكن أن يعطي في سنواته اللاحقة بطريقة مختلفة: أقل ارتباطًا بالمنصب وأكثر ارتباطًا بالمعرفة. وهذا ما يجب أن تستثمره المؤسسات.

رسالة إلى الجامعات ومراكز البحوث

إن الجامعات المصرية، الحكومية والخاصة والأهلية، تمتلك كنزًا من الخبرات. وكذلك المراكز والمعاهد البحثية. والتحدي ليس فقط في إنتاج علماء جدد، وإنما في عدم فقدان ما راكمه العلماء السابقون. يجب أن يكون لدينا نظام لتوثيق الخبرات، وبرامج لنقل المعرفة، ومجالس استشارية علمية، وشراكات مع المؤسسات المحلية، وقواعد بيانات للخبراء، ومشروعات تستفيد من الأساتذة وفق تخصصاتهم. والأهم أن يكون ذلك كله في إطار مؤسسي واضح يحفظ حقوق الجميع، ويفتح المجال أمام الشباب، ويمنع تضارب الأدوار، ويجعل معيار المشاركة هو الكفاءة والخبرة والحاجة الفعلية.

الأستاذ أستاذ.. ولو أمسك العكاز

في النهاية، لا ينبغي أن نقيس قيمة الأستاذ بعدد السنوات المتبقية له في الوظيفة، وإنما بما يستطيع أن يقدمه من علم وخبرة وحكمة. فقد يتوقف الأستاذ عن الحضور اليومي إلى الجامعة، لكنه لا يتوقف عن التفكير. وقد يغادر مكتبه، لكنه لا يغادر العلم. وقد يمسك عكازًا ليسند خطواته، لكن خبرته تستطيع أن تسند أجيالًا كاملة.

العكاز يسند الجسد، أما العلم فيسند المجتمع.

ولذلك فإن احترام الأستاذ لا يعني فقط تكريمه في حفل تقاعد، أو نشر صورته في لوحة شرف، أو إطلاق اسمه على قاعة. الاحترام الحقيقي هو أن نقول له: خبرتك ما زالت مطلوبة. ثم نضع نظامًا مؤسسيًا يتيح الاستفادة منها. فمصر التي تبحث عن التنمية المستدامة، والأمن الغذائي، والرعاية الصحية الأفضل، والتعليم المتطور، والبحث العلمي القابل للتطبيق، تحتاج إلى كل عقل قادر على العطاء. والجامعة التي تمتلك أستاذًا خبيرًا لا ينبغي أن تسأل فقط: متى تقاعد؟ بل ينبغي أن تسأل:

ماذا تعلمنا منه؟ وكيف ننقل خبرته؟ وكيف نوظف علمه في خدمة طلابنا ومجتمعنا ووطننا؟

إن الأمم لا تتقدم بإهدار خبراتها، ولا تبدأ كل مرة من نقطة الصفر. الأمم الذكية تبني الجديد فوق ما راكمه السابقون. ومن هنا يجب أن تكون رسالتنا واضحة:

لا نريد أن نُبقي الأستاذ في الوظيفة إلى الأبد، وإنما نريد أن نبقي علمه داخل منظومة العطاء.

لا نريد أن نغلق الباب أمام الشباب، وإنما نريد أن نفتح أمامهم أبواب الخبرة.

لا نريد أن نحول التقاعد إلى منصب دائم، وإنما نريد أن نحول الخبرة إلى مورد دائم للتنمية.

فالأستاذ الذي أفنى عمره في الجامعة، والمركز البحثي، والمختبر، والمزرعة، والمستشفى، وقاعة المحاضرات، ووسط طلاب الدراسات العليا والباحثين، ليس مجرد شخص أدى وظيفة وانتهت. إنه جزء من الذاكرة العلمية للوطن. وقد تتغير الألقاب والمناصب، وتتغير المكاتب واللوائح، لكن الحقيقة لا تتغير:

الأستاذ أستاذ.. ولو أمسك العكاز.

فالتقاعد ينهي الوظيفة.. لكنه لا ينهي العلم، ولا يلغي الخبرة، ولا يسقط حق المجتمع في الاستفادة من عقول علمائه.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى